إعلان

 تونس... هل أضاعت "لحظتها التاريخيّة"؟

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
من الاحتجاجات الاخيرة في تونس
من الاحتجاجات الاخيرة في تونس
A+ A-
قيل في تونس إنها قصة النجاح الوحيدة في مسارات الربيع العربي التي تحوّلت في بلدان أخرى حروباً أهلية لا يزال أوارها مشتعلاً حتى الآن. لكن يا للأسف قصة النجاح هذه لم يُكتب لها التمكين وتعرضت لأكثر من هزة في الأعوام العشرة الأخيرة. 
 
وفي اليوم الذي كان يفترض أن يحتفل التونسيون بمرور العشرية الأولى على إزاحة حكم زين العابدين بن علي، وجدوا أنفسهم غارقين في لجة الاضطراب مجدداً. احتجاجات في العاصمة وست مدن رئيسية أخرى، شبان في مقتبل العمر عاطلون من العمل يدفعهم اليأس من الفقر  وانعدام فرص التوظيف، إلى الشوارع في مواجهات مع قوى الأمن التي استخدمت الشدة لوقف أعمال النهب والتخريب للمتاجر والمصارف التي تخللت الاحتجاجات. 
 
وحكومة رئيس الوزراء هشام المشيشي المحاصرة بمشاحنات الطبقة السياسية ومطالب المحتجين، عاجزة وفاقدة القدرة على تقديم الحد الأدنى من مقوّمات العيش الكريم للشعب، بينما البطالة تلامس الـ30 في المئة، وشروط صندوق النقد تضغط أكثر من أجل رفع الدعم عن ما تبقى من السلع، من دون الأخذ في الاعتبار الضائقة الاقتصادية وحال العوز السائدتين في البلاد.  
 
تسع حكومات في عشرة أعوام، ليست ديموقراطية زائدة عن الحد بل تعبير عن إخفاق الطبقة السياسية بكاملها، في استغلال لحظة التحول التاريخي التي ولجت فيها تونس عقب إسقاط بن علي، فإذا بالتونسيين يدورون في حلقة مفرغة، لا يعثرون فيها على المخرج أو بداية الاستقرار. وإذا كان مفهوماً أن بلداً ينتقل من حكم مستبد إلى حكم ديموقراطي، يحتاج إلى بضع سنوات لترسيخ حكم متوازن ومستقر، برغم الصعوبات الاقتصادية، فإنه ليس مفهوماً أن تستهلك رحلة البحث عن البداية عشرة أعوام من دون الاستهداء، على أول الطريق، إلى استقرار سياسي أولاً يتحصّن باستقرار اقتصادي. ومن دون أدنى مبالغة فإن تونسيين كثراً من بين الذين فرحوا بسقوط بن علي، مفجوعون اليوم بتعاظم خيبة الأمل في نفوسهم من عدم قدرة الطبقة السياسية على تأسيس حكم مستقر وتوفير أبسط مستلزمات الحياة الكريمة لشبان، إما عادوا إلى الاحتجاج في الشوارع أو يركبون قوارب الموت نحو أوروبا بحثاً عن حياة جديدة. 
 
وليس منطقياً إلقاء اللوم على الغرب في عدم فعل شيء لإنقاذ تونس من براثن الفقر من أجل تعزيز ديموقراطيتها على شاكلة ما حصل عندما هرع الاتحاد الأوروبي إلى احتضان دول أوروبا الشرقية عقب سقوط أنظمتها الاشتراكية في أواسط الثمانينات من القرن الماضي. وليس دفاعاً عن الأوروبيين، بل الحكمة العادية تقول بأن هؤلاء لن يتحركوا ما داموا لا يلمسون استعداداً داخلياً في تونس أو في أي بلد آخر للمضي في ترسيخ استقرار سياسي وإقامة حكم رشيد.
 
والانتخابات وحدها وتداول السلطة لا تكفيان لتحقيق هذا الهدف إذا كانت الحكومة عاجزة عن وضع خطة إنقاذ اقتصادية، تحدث فارقاً في حياة الناس، وتشعرهم بأن الديموقراطية الاجتماعية هي الأخرى صنو للديموقراطية السياسية. 
هذا ما لم يحصل في تونس، التي ذهبت طبقتها السياسية في حصد المنافع الوقتية، بغية الوصول إلى السلطة. فلا الحكومة قامت بواجبها ولا البرلمانات كانت على قدر المسؤولية في المحاسبة، فأضاعت تونس "لحظة تاريخية لترسيخ الثقة بين الدولة والشعب" وفق ما قال رئيس الوزراء السابق ألياس الفخفاخ. 
 
كان على تونس فعلاً أن تستغل هذه اللحظة التي توافرت لها، لكنها أضاعتها وأضاعت معها عشرة أعوام من حياة التونسيين. الشبان الذين يرشقون الشرطة بالحجارة أو يلجأون إلى العنف اليوم أكبرهم في سن العشرين، أي أنهم لا يعرفون الكثير عن حكم بن علي، هم تفتح وعيهم على حكومات ديموقراطية بكل معنى الكلمة، لكنها عاجزة عن تأمين الخبز لهم. 
 
بهذا يمكن اختصار مأساة تونس. ولا يكفي أن يخاطب رئيس الوزراء المحتجين قائلاً إنه "يتفهم" وجعهم، ويحذرهم في الوقت نفسه من أن الحكومة لن تتهاون في حفظ النظام. هؤلاء يرقصون على حافة اليأس والمرض والجوع، وما لم يلمسوا تحسناً ولو طفيفاً في حياتهم، فإن استخدام القوة معهم واللجوء إلى الاعتقالات والمحاكمات، لن يزيدهم إلا إصراراً على المضي في تصعيد احتجاجاتهم. 
 
وما دامت الدولة غارقة في الديون والناتج المحلي فيها 9 تحت الصفر ، والسياحة موردها الأساسي معطل بسبب وباء كورونا، والمعارك بين أهل الحكم متواصلة، فإن تونس مهددة باتساع الهوة بين الشعب والسلطة. وهذه إحدى وصفات عدم الاستقرار الاجتماعي التي ستدفع بجزء من الجيل الشاب نحو اعتناق إيديولوجيات متطرفة أو ركوب البحر نحو أوروبا أو توسل العنف وسيلة لتغيير الوضع القائم.  
كم هو بائس وضع تونس في الذكرى العاشرة لسقوط ديكتاتورية بن علي، لتحل محلها ديكتاتورية الجوع والفقر وانعدام فرص العيش اللائق.  
فعلاً، ربما أضاعت تونس لحظتها التاريخية أو كادت.


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم