إعلان

التسوية الاقتصادية في الجزائر... مُقترح جدي أم قنبلة إعلامية؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-نهال دويب
من الحراك الجزائري ضد نظام بوتفليقة
من الحراك الجزائري ضد نظام بوتفليقة
A+ A-
تعيش الجزائر هذه الأيام على وقع نقاش ساخن بشأن مُقترح طفا على سطح المشهد تزامناً مع الذكرى الثانية للحراك الجزائري يتعلق بإبرام عقد مُصالحة اقتصادية ومالية مع رجال الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة المُتورطين في قضايا فساد مُقابل استرجاع ما نُهب.
 
وقد تقدم بهذا المُقترح رئيس حزب "جبهة المُستقبل"، وهو حزب منشق عن "جبهة التحرير الوطني" عبدالعزيز بلعيد، إذ دعا في مُؤتمر صحافي عقدهُ الأسبوع الماضي عقب اللقاء الذي جمعهُ بالرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون بعد عودته من رحلته العلاجية الثانية في ألمانيا، إلى الذهاب نحو تسوية مالية واقتصادية لصالح الإطارات الموجودة خلف قُضبان السجون في البلاد، ووصف بعضهم بـ "ضحايا النظام الفساد".
 
وفي سياق مُتصل، قال بلعيد، المُرشح السابق للرئاسة، إن عدداً كبيراً من ولاة الجُمهورية ورؤساء بلديات وإطارات يشتغلون في مُختلف الإدارات، وقعوا في فخ الفساد تحت ضغط الإكراه والضغط من طرف نظام الرئيس المخلوع عبدالعزيز بوتفليقة، ونفذُوا أوامر غير قانونية صادرة من جهات عُليا، ليجدوا أنفسهم داخل السُجون.
 
وذكر أن "الكثير من هؤلاء المسؤولين كانت تصل إليهم أوامر بمنح صفقات وقطع أراضٍ أو عقارات لصالح أشخاص أو رجال أعمال، لأن طبيعة عمل النظام السابق كانت تُسير وفق هذا المنهج، حيث تُعدُ الرشوة أمراً طبيعياً، لذلك يجب التفكير في إمكان عقد مُصالحة اقتصادية مع هؤلاء وفتح نقاش وحوار حول النظام في شكل كامل". واختتم حديثه بالقول: "إننا كُنا جميعاً ضحايا لهذا النظام الفاسد".
 
تساؤلات
 
وأثار هذا المُقترح أسئلة كثيرة تتطلب إجابات دقيقة أهمها طريقة تجاوب السلُطة السياسية في البلاد مع هذا المُقترح بخاصة أن مصير الأموال المسروقة وطريقة استرجاعها لا تزال غامضة في وقت شارفت مُحاكمات الفساد على الانتهاء، برغم أن هذا الملف كان من بين أولويات الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون في حملته الانتخابية.
 
وتنوعت واختلفت التفسيرات والشُروحات حول هذا المقترح وتوقيته، بين من يرى أنه مُوجه لجس نبض الرأي العام المحلي ومدى تقبله لذلك، ويكون من بين السيناريوات التي ستشهدها البلاد في المرحلة المقبلة، وبين من يقول إنه مُوجه للاستهلاك الإعلامي.
 
وتعقيباً على هذا المُقترح يقولُ الخبير الدُستوري قزو محمد آكلي، لـ "النهار العربي" إنه ليس بـ "الجديد" بل سبق أن طرحته الأحزاب السياسية، ويعتقد أن هذا المقترح كان محور المُحادثات التي دارت بين الرئيس عبدالمجيد تبّون ورئيس جبهة المُستقبل عبدالعزيز بلعيد، بل وذهب آكلي في قراءته إلى التأكيد أن طرح هذا المُقترح في هذا التوقيت هي محاولة لجس نبض الرأي العام، ولم يستبعد إمكان إعادة النظر في بعض ملفات الفساد.
 
أما الباحث في الشؤُون السياسية مبروك كاهي، فقال لـ"النهار العربي" إن هذا المُقترح موجه للاستهلاك الإعلامي أو توجيه الرأي العام نحو اتجاه معين لأن المُصالحة لا يمكن أن تتم من دون معرفة الحقيقة كاملة حتى يقف الجميع على حجم الضرر والفرص التي تم هدرها، وهذا لا يتم إلا من خلال تمكين العدالة من أداء دورها من دون ضغط أو ابتزاز.
 
ويرى الخبير الدستوري أن إبرام مصالحة مالية واقتصادية مع رجالات بوتفليقة من دُون مُحاسبة هو تهرب من المسؤولية وتشريع لاستمرار الفساد ونهب المال العام، ويُتابع: "صحيح لقد تمت مُحاسبة رجال بوتفليقة واتخذت بحقهم عُقوبات قاسية، لكن لا أحد يعلم مصير الأموال المسروقة، هل هي في داخل الوطن أم خارجه وكيف تم السماح لنهب وتبديد الأموال العمومية؟".
 
ويتساءل الباحث في الشؤون السياسية عن أسباب عدم مُراجعة قانون الصرف والنقد الذي بقي حبيس الحقبة الاشتراكية البائدة وهُو ما سمح لأخطبوط الفساد بالتحرك بسرعة البرق.
 
وإلى غاية اليوم ما زالت علامة الاستفهام الكبرى مطروحة حول مصير الأموال المنهوبة وطريقة استرجاعها رُغم أن الرئيس تبّون شدد في حملته الانتخابية على استرجاع الأموال المنهوبة وأنه يعلم مسارها ومكان تواجدها، في وقت يُجمع حقوقيون على أن استردادها يعتبر حلماً صعب المنال، وهو ما يُؤكدهُ الحُقوقي والناشط بوجمعة غشير لـ"النهار العربي"، إذ قال إن "إحصاء الأموال المسروقة وتحديد مكان تواجدها حالياً لن يكون بالسهُولة التي يتخيلها الجزائريون لأن قطاعاً عريضاً منها مودع في البنوك الخارجية".
 
وقال غشير إن مُحاربة الفساد على الصعيد الخارجي تحكمها اتفاقات دولية هي من تضبط كشف الأموال والعقارات التي يستحوذ عليها المُتورطون في قضايا الفساد، لأن قطاعاً عريضاً من البُنوك الخارجية تلتزم السرية المُطلقة في حماية المعلومات المُتعلقة بزبائنها، بخاصة تلك المكدسة في الدول المُصنفة في القائمة السوداء والتي تُمثلُ جنّات أو ملاذات ضريبية. وهُو ما أقر به الوزير المُستشار للاتصال في رئاسة الجمُهورية والناطق الرسمي باسمها محند سعيد أوبلعيد، إذ قال في مؤتمر صحافي عقده شهر أيار (مايو) الماضي، إن "استرجاع الأموال المنهوبة سيتم بعد صدور الأحكام القضائية النهائية ضد المتهمين في القضايا المعنية وأنها ستسترجع عندما تصدر الأحكام ضد الأشخاص المتهمين وتكون أحكاماً نهائية وهي العملية التي تخضع لإجراءات دولية ليست بالسهلة"، وأكد أن "بلاده تترقبُ صُدور الأحكام النهائية لتشرع في مُباشرة آليات استرجاع الأموال المنهوبة".
 
وكانت الأموال المنهُوبة أحد أسباب الانتفاضة الشعبية في البلاد، ومن أبرز الشعارات التي رددها الجزائريون في الميادين والساحات "أين الـ 1000 مليار دُولار" في إشارة منهم إلى حجم الأموال الجزائرية المصروفة في عهد الرئيس الجزائري المخلوع عبدالعزيز بوتفليقة، وهو السُؤال الذي سبق وأن رد عليه رئيس الوزراء الجزائري السابق أحمد أويحي الموجود حالياً خلف أسوار السجن بكل برودة في إحدى جلسات البرلمان الجزائري بالقول: "إسألوا الشعب أين هي الألف مليار؟".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم