إعلان

التسوّل في الجزائر... "ربي يعيشك" بين الحاجة والاحتيال

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
متسولون في الجزائر
متسولون في الجزائر
A+ A-
في شارع حسيبة بن بو علي الشعبي بالجزائر العاصمة، النابض بالحياة، يعلُو صوت نسوي يستعطف المارة، "ياخاوتي راني جيعانة معنديش واش ناكل" (أنا جائعة وليس لديّ ما آكله)، فيُغدقها المحسنون بقِطعٍ نقدية تُصبّ في صحن صغير تضعُه على قارعة الطريق، قبل أن تسارع بإفراغ ما جاد به المواطنون في حقيبتها، فيتكرّر المشهد مرات عدة. 
 
 
إلى وقت قريب، لم يكُن التسول في الجزائر أمراً مألوفاً، فالمعروف أن الناس في هذا البلد الذي لامس 44 مليون نسمة، مُتعففون ولهم من عزًة النفس، ما يمنعُهم من مدّ أيديهم، عملاً بمقولات شعبية مثل "شاقي ولا محتاج"، و"الكفاف والعفاف"، إلا أن الموازين انقلبت مؤخراً، فتضاعف عدد المتسولين في الشوارع، وبات الاستثناء أحياناً أن لا يمُر يومُك من دون أن يُطلب منك المال من كلِّ الأعمار والأجناس.
 
 
التسوّل المُقنّع وبداهة الابتكار
 
 
لعلّ ما شجّع على ظاهرة التسوّل، رفض المواطن الجزائري رؤية ملامح الانكسار ت على وجه الآخرين، إذ يكفي أن يسمعَ بعض الكلمات الاستعطافية مثل "ربي يعيشك" أو "لله يا محسنين عاونيني" و"راني(أنا) جيعانة (جوعانة)"، حتى تتسلّل يدُه من دون تفكير نحو جيبه لإخراج قطع نقدية، ومنحها لمن يقصده من متسولين، ليس فقط من أبناء بلده، بل لمهاجرين غير شرعيين قادمين من بلدان أفريقية وعربية.
 
إضافة إلى الاستعانة بأطفال رُضّع لا تتجاوز أعمارهم أحياناً سنة، أو مسنين خارت قواهم، أو فئات من ذوي الاحتياجات الخاصة، لم تعُدْ طرقُ الاحتيال في التسوّل، تخطر على البال، فالعديد منهم أصبح يتحجّج بنسيان محفظة نقوده مثلاً.
 
تقول شابة في العشرينات من عمرها إن الغضب تملّكها لأنها اسْتُغلت من طرف شخص مُسنّ: "أخبرني أنه نسيَ محفظته في المنزل فمنحتُه ما تيسّر من المال، إلا أنني التقيته مرات أخرى يعتمدُ الأسلوب ذاته مع أشخاص آخرين، عندما واجهته بالحقيقة فرّ مسرعاَ كأنه اعتراف بفعلته".
 
تُضيف لـ"النهار العربي" بكل حسرة "هذه الأساليب أفقدتنا الثقة ولم نعد نفرق بين المحتاج الحقيقي الذي سيذهب من دون شك ضحية المحتال، هذا أكثر ما يزعجني، فقدان النية الحسنة في الأشخاص".
 
من أساليب التسول المبتكرة أيضاَ، نجدُ حَمْل أطفالٍ قُصّر لـ"مناديل ورقية"، يجوبون بها الشوارع الرئيسية، ويُحاصرون المارة لدفعهم إلى شرائها عُنّوة عبر ترديد "أشري عليا تعيشي" (اشتري مِني أرجوك)، فيما تجلس أمهاتهن يرقبن من بعيد. استعطاف الأطفال للمحسنين، يجْعل المشتري يمنح الطفل قطعاً نقدية تفوق سعر "المناديل"، وهو ما بات يُعرف بـ"التسول المُقنَّع".
 
الماديات تُنافس القِيم
قد يتساءل البعض: كيف للمتسولين أن يجْلسوا ساعات طويلة في الشوارع تحت درجات حرارة عالية أو جو شتوي ممطر؟ ولأنه "إذا عرف السبب بطل العجب"، فإنّ قيمة ما يجنيه بعض المتسولين وفق شهادات جمعتها "النهار العربي"، من التجار يفوق 100 دولار في اليوم الواحد.
 
يقول تاجر تجزئة لبيع المواد الغذائية، ببلدية حسين داي بالجزائر العاصمة :"تقصدني عدّة نسوة من أجل تحويل العملة من القطع النقدية إلى الورقية وأُفاجأ من كمية النقود". يُضيف مازحاً "هم (المتسولون) يحقّقون أرباحاً خيالية، أحياناً تراودني فكرة تغيير المهنة من تاجر إلى متسول".
لأن التسوّل كظاهرة اجتماعية محْصورة بين الاحتياج والاحتيال، تتأسف أمينة حرشي، الأستاذة في علم الاجتماع، لطغيان الصفة الثانية على الأولى، تقول: "يولد الجزائري في أسرة مُسلمة ومحافظة مُمتدة إلى الأهل والجيران، وعلى عادات وتقاليد تُكسبه تنشئة اجتماعية تحثّه على مساعدة الآخرين والتعاون معهم".
 
إلا أنّ الأستاذة حرشي، تلفت الانتباه إلى أنّ "هناك من يستغل هاته القيم الإنسانية العظيمة كالطيبة والكرم، هو ما يَسري على التسول الذي تحول مع مرور الوقت إلى حرفة وموضة يعتمدها مرضى النفوس من أجل حصد أموال وتحقيق أرباح يومية".
 
تذكّر مُحدثة "النهار العربي" أن "الفراغ القانوني، في محاربة ظاهرة التسول، شجّع على تفشيها، وساهم في استغلال الأطفال والمسنين في ممارستها".
 
في هذا الصّدد، تروي المختصة في علم الاجتماع، قصّة واقعية عن أحد الأزواج من ميسوري الحال، الذي استغلّ حماته، بموافقة زوجته، من خلال وضعها أمام بوابة أحد المساجد في مدينة البليدة (47 كلم جنوب غرب العاصمة الجزائرية)، من أجل التسوّل، قبل أن يفطن له أبناء الحيّ ويُبلغوا عنه مصالح الشرطة، في صورة تعكس طغيان الماديات على القيم الإنسانية.
 
بناءً على ما ذُكر، تدعو المختصة الاجتماعية، أمينة حرشي، إلى مساعدة الأشخاص الذين يبيعون أشياء بسيطة في الأسواق الشعبية، لأن هؤلاء يُريدون المحافظة على كرامتهم برغم حاجتهم في مواجهة مصاعب الحياة. تقول "انتشار المحتالين لا يعني أن نكُف عن مساعدة الآخرين".
 

النازحون الأفارقة.. عدوى التسوّل
 
 
اتسعت رقعة التسوّل، بتدفق المهاجرين القادمين من مناطق النزاع في أفريقيا، على غرار النيجر ومالي وتشاد وغيرها من الدول الأفريقية، بسبب الأوضاع الأمنية التي تعيشها بلدانهم.
 
ويقطعُ النازحون آلاف الكيلومترات عبر الصحراء الجزائرية للوصول إلى مدن الشمال، قبل أن ينتشر كثير منهم في النقاط التي تعرفُ حركية، فتفترش النسوة ومعهن أطفالهن الأرصفة، لاستعطاف المواطنين.
 
تَعلّم المهاجرون الأفارقة، لُغة الجزائريين (اللهجة المحلية) وأصبحوا يتفنّنون فيها، حتى أنهم اشتهروا بكلمة "صدقة"، فهي كلمة مفتاحية، أدركوا أنها تستعطف الجزائري.
 
هذا وتتعامل السلطات الجزائرية بكثير من الحساسة مع ملف تدفق المهاجرين الأفارقة، من خلال مراعاة البعد الإنساني، إلا أن وزارة الداخلية دعت في وقت سابق، الجزائريين إلى التوقف عن منحهم الأموال، بعدما كشفت تحقيقات أمنية أن تلك المبالغ الضخمة تُوجه إلى "شبكات إجرامية تمتهن حرفة المتاجرة بالبشر وكذا بالمخدرات، فضلاً عن تهريب الأسلحة وصولاً إلى دعم الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل".
 
وعام 2018، فكّكت مصالح الأمن الجزائرية، شبكات عدة للتسول تنشط في مدن عدة من البلاد، من خلال استغلال أطفال أفارقة، ذلك بعد تحريات كشفت أن هناك بعض السيارات غير المرخصة تتولى مهمة إنزالهم في الأماكن التي يتسولون فيها وأخذهم مساءً، ويجني هؤلاء في اليوم نحو 30 ألف دينار (260 دولاراً) ويمتلكون هواتف ذكية، وفق معلومات رسمية.
 
وأمام هذا الوضع المتفاقم، يدعو خبراء وحقوقيون الحكومة الجزائرية، إلى اتخاذ إجراءات قانونية لمحاربة ظاهرة التسوّل، كونها باتت تمسّ بصورة الجزائر والنظام العام، فإن كانت الفئات الهشة اجتماعياً واقتصادياً، تستوجب الاحتواء والتكفل لأنّ الظروف دفعتها للجاجة، فإن تكاثر المحتالين لا مبرر له، في نظر المختصين، لا سيما في ظلّ استغلال الأطفال مقابل المال.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم