إعلان

عندما ينطق اللّسان قبل التفكير... قيادات تونس والأخطاء الاتصالية القاتلة

المصدر: النهار العربي
تونس-هدى طرابلسي
الشرطة في مواجهة تجدد التظاهرات
الشرطة في مواجهة تجدد التظاهرات
A+ A-
لا يمر يوم في تونس من دون أن يصعق المواطن بتصريح من سياسي أو من مسؤول حكومي أو حتى من أحد الرؤساء الثلاثة. تصريحات خطيرة في بعض الأحيان قد تتسبب باقتتال بين أبناء الشعب الواحد، على غرار التصريح الذي أدلى به رئيس مجلس شورى "حركة النهضة" عبد الكريم الهارون الذي دعا محازبيه الى النزول إلى الشارع بدعوى معاضدة الأمن في حماية الممتلكات العامة والفردية بعد الاحتجاجات الأخيرة. 
 
"هي دعوة صريحة الى تشكيل ميليشيات تمارس العنف بجانب الدولة"، اعتبر كثير من التونسيين دعوة القيادي الإخواني. تصريح آخر أثار غضب التونسيين صدر من وزير الدفاع خلال جلسة عامة لمجلس النواب، واتهم فيه وافدين من مناطق داخلية بالمشاركة في الاحتجاجات في الساحل، قبل أن يعتذر عنه بعد اعتراض عدد من النواب.
 
لم تمر هذه التصريحات مرور الكرام، وأحدثت ضجة في الوسط السياسي، إذ أصدر التيار الديموقراطي بياناً عبّر فيه عن قلقه الشديد إزاء التصريحات الإعلامية لقيادات حركة "النهضة".

ميليشيات "النهضة" 
واعتبر التيار هذه التصريحات "تعدياً صارخاً على الدستور وحق الدولة في احتكار مهمة حفظ الأمن"، كما طالب قيادة حركة "النهضة" بالتراجع فوراً عن هذه التصريحات وتقديم الاعتذار باعتبارها تحريضاً على العنف والفوضى. كما طالب رئيس الحكومة ووزير الداخلية بالنيابة بتوضيح موقفه من هذه التجاوزات الصادرة عن حزامه السياسي. 

وعلق النائب اليساري المنجي الرحوي على هذه التصريحات، وطالب بتحرك النيابة العمومية سريعاً لمتابعة أصحاب هذه التصريحات وملاحقة كل وفاق يتشكل على هذا الأساس.

وجدير بالذكر أن حركة "النهضة" سبق أن استنجدت بـ"رابطة حماية الثورة" المقربة منها في قمع احتجاجات العاطلين من العمل في 7 نيسان (أبريل) 2012، وأيضاً أثناء تحركات نواب المعارضة والمجتمع المدني في 9 نيسان (ابريل) من السنة نفسها والاعتداء على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل في 4 كانون الأول (ديسمبر) 2012، وهذا ما جعل العديد يحذر من إعادة التجربة المريرة التي مر بها الشعب التونسي آنذاك. 
 
ومساء أمس، أفادت تقارير أن "ميليشيا " النهضة  تعتدي على اعتصام جرحى وعائلات شهداء الثورة "بناء على أوامر من الهاروني".
 
 
 
خطاب شعبوي 
وأفاد الخبير في الاتصال السياسي العربي السوسي "أننا نعيش تبعات تدني الخطاب السياسي في مرحلة دقيقة من تاريخ تونس". وهو مؤشر ينقسم الى جانبين، بحسب السوسي: "مؤشر رجل السياسة بصفة عامة الذي يتخلل خطابه مجال كبير من العنف على غرار ما عشناه في مجلس النواب وبروز مظاهر التطرف من الجانبين اليميني واليساري". وهذا يدل على أن "الخطاب الشعبوي اخترق كل مجالات الحياة السياسية، فأغلب الطيف السياسي أصبح ذا خطاب شعبوي". 
 
ويفسر السوسي قائلاً: "عادة في الحياة السياسية نجد أفراداً في أقصى اليمين أو أقصى اليسار تتبنى الشعبوية كسياسة، لكن اليوم أصبح هذا الخطاب متداولاً لدى طيف سياسي واسع، ولهذا من حين الى آخر يظهر خطاب يقسّم الشعب التونسي، أو خطاب يتّهم المرأة ويخرق الدستور، وآخر يتحدث عن المؤامرات التي تحاك ضدنا". 
 
ويضيف السوسي: "فكل طيف سياسي، بخاصة تحت قبة البرلمان، يريد أن يمثل الحقيقة ويقصي الآخر، وبالتالي نصف هذا الخطاب بالشعبوية لأنه لا يطرح نقاشاً سياسياً يتداوله الناس ويمكن تناوله في وسائل الإعلام، لكن ما نراه إما خصام أو اتهامات أو إقصاء أو مؤامرة، وهذا ما وقع فيه العديد من السياسيين داخل الأحزاب، ومنهم القيادي في حركة النهضة عبد الكريم الهارون الذي يظهر أنه لا يفرّق بين دور حزب سياسي في طرح بدائل للمجتمع وبين دور المؤسسة الأمنية المسؤولة عن أمن المواطنين، وهو دور حكر على الدولة، وهذا خلط خطير في المفاهيم قد يؤدي الى التناحر بين أفراد المجتمع". 

أما المؤشر الآخر، فيقول السوسي: "ما يصدر عن الوزراء التكنوقراط، وهي إشكالية كبيرة نلاحظها عند أغلب الوزراء ذوي الطابع التقني الذين لا ينتمون الى أي طيف سياسي، بالنسبة إليهم الوزارة عبارة عن آلة عمل ويعبّر عنها كما هي، من دون تفكير بتبعات تصريحاته وتأثيراتها في المتلقي، على غرار ما أتى به وزير الدفاع الوطني". 
 
ويأخذ السوسي على السياسيين تشنج خطابهم وشعبويته، وعلى الوزراء التقنيين النقص في القدرات الاتصالية مع الناس. ويقول: "هناك مبادئ وقوانين اجتماعية ونفسية وقوانين في فن الخطابة يجب على كل قيادي أن يتقنها، وأيضاً على الخطيب أن يقوم بمجهود وأن يتمكن من قدرات صوتية وحركية جسدية وقدرات معرفية حتى يختار العبارة الأنسب والحركة الصحيحة بصوت مناسب أيضاً، فالقيادي هو من يقنع الناس بقراراته وإجراءاته من خلال خطابه"، موضحاً: "مهما كانت الحجة التقنية قوية، فإذا لم يستطع القيادي وضعها في خطاب مناسب لا يمكن تمريرها وإقناع الناس بها". 
 
وأعطى السوسي مثالين من قيادات تونس نجحا في تمرير أفكارهما من خلال خطاباتهما، هما الرئيسان الأسبقان الحبيب بورقيبة والباجي قائد السبسي.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم