إعلان

أرقام مخيفة... زواج القاصرات في المغرب ينفُذ من خرم ثغرة قانونيّة

المصدر: النهار العربي
الرباط - أشرف الحسّاني
رسم تعبيري
رسم تعبيري
A+ A-
ثمّة إشكالات كثيرة تتحكّم بعملية فهم مسألة زواج القاصرات في المغرب، إذ رغم مظاهر التحديث التي شهدها البلد منذ حصوله على الاستقلال عام 1956، لا يزال نمط تفكيره ضيقاً وبُناه الاجتماعية تقليدية وهشّة، وتفتقر إلى رؤية حداثيّة في النظر إلى العديد من القضايا والإشكالات التي لم تعد تُطرح في الزمن المعاصر.
 
وتُعدّ ظاهرة زواج القاصرات من الإشكالات المؤرقة التي لا تزال تهدّد المنظومة الاجتماعية في المغرب، ذلك أنّ ارتفاع عدد ضحايا هذا الزواج، يجعل القضيّة تأخذ بعداً وطنياً يستدعي تدخّل الدولة في سن قوانين جديدة، تجهض كل محاولات تزويج القاصرات تحت أيّ ذريعة كانت، قانونية أو دينية، وذلك على خلفية وجود تضاربات قويّة في تفسير زواج القاصرات بين الشق الدّيني ونظيره القانوني. فإذا كان النصّ الدّيني، أو بالأحرى بعض الفقهاء، قد أجازوا زواج القاصر، فإنّ المدقّق يعثر ضمن هذه الممارسات الدّينية على تيارات أخرى تختلف مع الطرح الأول، إمّا بالرفض التام أو العودة بالقضية إلى مصلحة العائلة.
 
والحقيقة أن مثل هذه القضايا الأسرية لا تكبر وتتكاثر وتنتعش إلا داخل المجتمعات التقليدية التي لم تتحرّر بعد من رواسب التاريخ وتصدّعات الذاكرة وقهر الموروث، ما يجعل المغرب في طليعة البلدان المَغاربيّة الأكثر هشاشة في التعامل مع القضية بجدية، إذ لولا بروز جهات سياسية وجمعيات حقوقية تدين هذه الأفعال التي ترتكبها بعض الأسر المغربية (بوعي أو من دون وعي)، فإن المغرب كان سيجد نفسه داخل نفقٍ مظلم، كما يحدث له اليوم، وإنْ بشكل أقلّ، إلا أن الأرقام الصادرة عن جهات رسميّة تظل مخيفة، مقابل تحوّلات جمّة شهدها المغرب منذ بداية الألفية الثالثة. 
 
وإذا كان عالم الاجتماع الراحل بول باسكون، قد انتبه مبكراً منذ منتصف القرن العشرين إلى كون المغرب يُعدّ من المجتمعات المُركّبة، فإنّ المفهوم لا يزال إلى اليوم يحتفظ ببريقه، فهو لم يدخل في إطار حداثة اجتماعية تنسف القديم الذي لا يُعوّل عليه في ما يتعلّق بتقاليد الأسرة والقرابة العائلية والزواج. لذلك تتخذ القضية بُعداً جدلياً، لا يمكن فهمه إلا بتواشج المعرفة الأنثروبولوجية بالقانونية والتاريخية بالنفسية.
 
لكنّ التفسير والتحليل والتأويل لا تكفي للقضاء نهائياً على الظاهرة، أمام أهمية المُشرّع المغربي وسلطته، وضرورة سن قوانين تمنع زواج القاصرات، حتّى لو كان ذلك يتماشى مع قناعات العائلة وتقاليدها، باعتبار أن الدولة أو السلطة السياسية المركزية هي التي تضمن الحقوق الاجتماعية والأسرية، من خلال تنظيم مؤسسة الزواج وكل ما يرتبط بها من تفاصيل حقوقية، بما يتماشى مع مُدوّنة الأسرة وباقي الاتفاقيات الدولية المتعلّقة بالزواج في العالم ككل. 
 
وبحسب الدراسة التشخيصية التي أنجزتها رئاسة النيابة العامة في المغرب حول زواج القاصرات، هناك "ضعف كبير في توظيف المساعدات الاجتماعيات المعنيات في المحاكم لإجراء البحوث الاجتماعية حول القاصرين المقبلين على الزواج، باعتبار أن لديهن تكويناً في هذا الخصوص يؤهلهن لإنجاز تقارير تستجيب للمعايير المتطلبة في البحوث الاجتماعية"، ما يجعل معظم الأبحاث التي تم "إجراؤها قبل منح الإذن بتزويج القاصر تتم مع الخاطب والقاصر معاً، بما نسبته 89.20 في المئة مقابل 10.78 في المئة تمت فقط مع القاصر الراغب في الزواج وحده. ويُعدّ هذا الأمر مؤشراً إيجابياً جداً يسمح باستحضار المعطيات المتعلقة بالخاطب في هذا الزواج، لا سيما ما يتعلق بشرط التناسب في السن والأهلية الاقتصادية والاجتماعية، وأمام تبلور ممارسة قضائية تنص في أذونات تزويج القاصر على اسم الخاطب".
 
وعلى خلفية مخرجات هذه الدراسة الميدانية للنيابة العامة، تبين أن "ظاهرة الزواج المبكر ليست شأناً قضائياً صرفاً، تنحصر أسبابه في التدبير العملي لمقتضيات المادتين 20 و19 من مدونة الأسرة، من خلال الممارسة القضائية اليومية، بل شأن مجتمعي، تتعدّد أسبابه التي تتوزع بين ما هو اجتماعي واقتصادي وثقافي وديني، وتتشعّب نتائجه، فتمس كل شرائح المجتمع". 
 
وعلى رغم العمومية التي تنضح بها هذه الدراسة، لا تفوت الإشارة الى أن الدور الكبير الذي قامت به جمعيات حقوقية نسويّة داخل المغرب، يتجاوز في منطلقاته وتفكيره وعمله مجهودات الدولة بأكملها. فقد قاد جرح القضية ومركزيّتها في نفوس نساء مغربيات إلى تكسير عتبة التفكير وطرح السؤال، صوب الخروج إلى الواقع الميداني وإنجاز بحوث وأطروحات جامعية كبيرة تُفصّل الظاهرة، انطلاقاً من داخل مجموعة من المناطق المُهمّشة في المغرب.
 
د. سناء زعيمي
 
وفي لقاء مع "النهار العربي" تقول سناء زعيمي رئيسة "فيدرالية رابطات حقوق النساء بجهة مراكش ـ آسفي" رداً على سؤال لماذا لم يعمل القانون المغربي على إقامة حواجز لمنع تزويج القاصرات، حتى ولو كان ذلك بموافقة القاضي: "إنّنا نحبذ في الحقيقة استخدام مصطلح الطفلات لأنهنّ دون سن 18 سنة، وبالتالي فهنّ دون الأهلية القانونية، التي تسمح لهن بأخذ القرار بحسب القوانين المغربية. وبالتالي مسألة الزواج أو أخذ القرار وتحديد الوضعية الاجتماعية تبقى في إطار دون 18 سنة، إذ تغيب عندهن القدرة على اتخاذ مثل هذه القرارات التي تحدد مصيرهن. أمّا القانون المغربي، وبخاصة مدونة الأسرة فقد جاءت كثورة هادئة ورفعت سن الزواج إلى 18 سنة بعدما كان في السابق 16 سنة. وفي الوقت نفسه أعطت المدونة للمرأة حق حضانة الأطفال وجعلت مسألة الطلاق بيد القاضي. ونسبياً يمكننا القول إنها قيّدت مسألة تعدد الزوجات لكن مع بداية التفعيل وتطبيق المدونة، برزت مجموعة من الثغرات القانونية التي استُغلّت استغلالاً سيئاً. وكانت لها انعكاسات اجتماعية خطيرة، بخاصة بالنسبة الى الطفلات". 
 
تضيف زعيمي: "وحين نتكلم عن هذه المسألة نكون أمام المواد 20 و21 و22، فالأولى تنصّ على أن قاضي الأسرة المكلف بالزواج يأذن بزواج الفتاة والفتى دون سن الأهلية المنصوص عليها. وهذا الإذن يكون بمقرر معدل يبين فيه المصلحة والأسباب التي تبرر مسألة الزواج، إما بالاستماع للأبوين أو لنوّابهما الشرعيين. إضافة إلى الاستعانة بخبرات طبية أو إجراء البحث الاجتماعي. وفي هذه المادة كذلك تأكيد أن مقرر الاستجابة لطلب الإذن بتزويج الطفلات غير قابل لأي طعن. في المادتين 21 و22 نجد الأولى تربط تزويج الطفلات بموافقة النائب الشرعي وبالتوقيع مع الطفلة على طلب الإذن بالزواج والحضور أثناء عقد القران. وفي حالة ما إذا امتنع النائب الشرعي للطفلة ينتقل الأمر الى قاضي الأسرة الذي يبت في المسألة. أما المادة 22 فتعطي الأهلية للمتزوجين في حق التقاضي في كل ما له علاقة بعقد الزواج".
 
وعن مدى تقييمها لطبيعة تعامل مدونة الأسرة المغربيّة في مادتها الـ 20 مع قضية زواج القاصرات، وهل هناك أي ثغرات في هذا المضمار، تؤكّد زعيمي أنه "حين نتحدث عن المادة 19 نكون أمام المادة التي تنص على اكتمال أهلية الزواج في إتمام الفتى والفتاة المتمتعين بقواهما العقلية. وهذه المادة تعرّف الزواج في كونه تصرّفاً قانونياً قبل كل شيء ويحمّل الزوجة تبعات مالية، لأنه يلزم الزوج بدفع مبلغ الصداق وتجهيز بيت الزوجية والإنفاق على الزوجة". 
 
لذلك ترى زعيمي "أنّ هناك التفافاً على مختلف القوانين المغربيّة، لأن جميعها تمنح الأهلية حين يكون السن 18 وما فوق، وتسقط هذه الأهلية في جميع القوانين باستثناء في المادة 20 من مدونة الأسرة. ونحن في الفيدرالية نرى من منطلق ازدواجية المعايير، عندما يتعلّق الأمر بالتعاطي في قضايا النساء، لأننا لا نعثر عليها داخل قانون آخر بل فقط في مدوّنة الأسرة، وبالتالي يجعلنا ذلك نطرح سؤالاً: كيف يجب التعامل مع طفلة أو طفل دون سن 18 لا يتوفّران على الأهلية في جميع القوانين، وفجأة تظهر هذه الأهلية وتمنح للقاضي المكلف بإتمام الزواج من المادة 20 من مدونة الأسرة؟".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم