إعلان

قَضايا "المساس بالمعلوم من الدّين" في الجزائر... مُحاكمة للفِكر أم حِماية للحدود؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
جاب الخير
جاب الخير
A+ A-
في الجزائر، وكبقية الدول العربية، يصطدم أصحاب الأفكار غير المألوفة اجتماعياً بجدار من الانتقادات والتخوين قد تصل إلى أروقة المحاكم، وترتفعُ حدة التشنج ويتفجر الجدل إذا ما تَعلق الأمر بالدين، فإخضاع تعاليمه أو نصوصه إلى قِراءة نقدية، يُجابَه بالرّفض القاطع وربما يُتّهم من يُثير هَذا النِقَاش الحسَاس بـ"الزندقة".

وأمام تضاؤل النقاشات المثارة حِيال الدين والتي يُدرجها المختصون ضِمن "الاجتهاد"، باتت تُهمة "المساس بالمعلوم من الدين" تُطارد كل من قرّر التفكير بصوت مرتفع أمام الجماعة، حتى وإن كانت الفكرة قابلة للمناظرة بفكرة تُقابلها مَصحوبة بحجّة قد تُسقطها.
 

ضمن هذا السياق، يُواجه الباحث في التاريخ الإسلامي والتصوّف سعيد جاب الخير، التهمة نفسها، إذ يُرتقب وقوفه أمام القضاء في 25 شباط (فبراير)، بموجب شكوى أودعها سبعة محامين بتهم منسوبة إليه تتعلق بالتطاول على الدين الإسلامي.
 

وتتضمّن الدعوى القضائية تُهماً، من بينها الاستهزاء بالمعلوم من الدين بالضرورة، وبشعائر الإسلام، والتهكم على آيات من القرآن الكريم، وعلى أحاديث صحيحة من السُنة النبوية، وعلى رُكن الحج واعتباره ذبح الأضحية طقوساً وثنية، وهي التهم التي يرد عليها جاب الخير بالقول إنّه "من حقه التفكير ما دام يملك عقلاً".

وأثار تقديم الباحث جاب الخير إلى المحاكمة جدلاً بين النخب التي تتبنى نهج الحداثة، من مُنطلق أنّ المحاكمة تنّدرجُ ضمن "مُمارسة الوصاية على فكر الآخرين"، وعلى الجانب الآخر، يَتهم البعض هذه "النُخب العلمانية" وفق التوصيف المتداول، باستخدام أساليب استفزاز المجتمع ذي الغالبية المسلمة، من خلال توظيف الدين في نقاشات عقيمة بدل التوجه إلى أمهات الأمور التي هي بحاجة إلى اجتهادات.

 رد فِعل طبيعي
يعتقد أستاذ علم الاجتماع البروفسور يوسف حنطابلي أن رد الفعل على الضجة التي أثارتها محاكمة سعيد جاب الخير طبيعي، سواء من ناحية تصريحاته أم طريقة طرحه للمسائل الدينية.

ويوضح حنطابلي لـ"النهار العربي": "من الناحية السوسيولوجية لا تقلقني تصريحاته بقدر تلك الفئة التي تُبرر فعله أو طريقة طرحه، معتبرة أن ذلك يدخل في حرية الرأي والتفكير، لكن الإشكال المطروح هو أن هذه الفئة تُعطي لنفسها الحق في مناقشة النصوص الدينية من حيث هي تنفي عن الآخر الاشتغال عليها، على اعتبار أن له فكراً دينياً"، وفي رأيه "هذا التيار الذي يدّعي العلمانية هو في الحقيقة تيار ديني معكوس".

ومِن مَنظور الاختصاصي الاجتماعي، "فإن هُناك نُصوصاً قانونية تُجرّم ازدراء الدين أو الطعن في ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وبالتالي فما الداعي الى وُجودها إن لم تُفعّل، لكن تكييفها وفق تصريحات سعيد جاب الخير واعتبار أن ما قام به يدخُل ضمن هذا الطرح، أمرٌ يحتاج إلى توسيع النقاش بإشراك كل الفاعلين الأكاديميين والحقوقيين، ليس في مناقشة تصريحاته، ولكن لرسم الحدود حتى لا يُصبح الدين مَحل تَلاعب وازدراء".

وينص قانون العقوبات الجزائري على معاقبة كل من يستهزئ بالدين أو الرسل بالسجن لمدة من ثلاث إلى خمس سنوات، وبغرامة مالية، أو بإحدى العقوبتين.

 مناظرة الفكر بالفكر
ومع حِدّة الجدل، برزت دعوات الى مناظرة الفِكر بالفِكر من دون إقحام القضاء، وهو ما يذهَب إليه الكاتب الصحافي عَمار لشموت على اعتبار أنّ "تُهمة المساس بالمعلوم من الدين مَطاطية وفَضفاضة، ولأنها تحمل ذَريعة لمحاكمة الفكر الآخر والمختلف".

ويُنبّه لشموت في تصريحات الى "النهار العربي"، إلى التساؤلات التي تُطرح عن مدى قدرة القضاء على مُحاكمة الفكر، وهو الذي يُواجِه انتقادات لاذعة ويوصف بـ"التعسفي"، في ظِل حاجته الملحة إلى إصلاح تشريعي وتنظيمي، لكنه يُشير، من جهة أخرى، إلى "استحسان البعض اللجوء إلى المؤسسة القضائية كفاصل لحماية الدين من بعض التجاوزات والحد من العُنف المادي والرمزي".

ويدعو إلى عدم إغفال السياق السياسي السائد حالياً في البلد، والذي قَد يُشجع على الصراعات الأيديولوجية بين التيارين الإسلامي والعلماني التي تخدم في الأخير أجندة السلطة، ويوضح: "ندرك أن كُل الطبقة السياسية دائماً في حالة صراع، ما أدى إلى عدم تمكنها من بلورة مشروع سياسي أو ثقافي ولا حتى فكري موحد قادر على أن يكون بديلاً للنظام أو السُلطة السياسية".

وبرأيه قد تأخذ هذه الصراعات الشكلية أبعاداً مُختلفة تكون خَارج الفَضاء الثقافي والأكاديمي والمعرفي، حيث إن الفكر يُقابله الفكر والكتابة تقابلها الكتابة، وبالتالي وفق اعتقاده فإنّ "اللجوء إلى القضاء ما هُو إلا دعاية سياسية من منطلق أنّ الدستور الذي ينُص على عدم المساس بالثوابت الدينية هو نفسه الذي يضمن مجال الحريات الجماعية والفردية وحرية التعبير التي لا تمس بالأشخاص والمقدسات".

 قضية مُعقدة
الى ذلك، يعتقد الباحث في علم الاجتماع، مصطفى راجعي، أن قضية سعيد جاب المرتبطة بموضوعات دينية بالاستناد إلى مادة قانونية تُجرم فعلاً يوصف بأنّه "إنكار المعلوم من الدين بالضرورة"، مُعقّدة ولها أبعاد وانعكاسات مُستقبلية خَطيرة.

ويشرح الباحث في "الدين والحكامة" موضوعاً لأطروحة الدكتوراه، أنّه "من الناحية الدستورية هُناك مواد تنص على أن الإسلام دين الدولة ومواد تقرر حقّ المواطن في التعبير عن رأيه، وحتى تُعطيه حرية العبادة وفق أي دين من الأديان، ومن جهة أخرى هُناك مادة في قانون العقوبات تعاقب على أفعال تدخل في باب حرية التعبير، وبالتالي الموضوع يحتاج إلى تفسير الفقه القانوني لإعطاء دلالات لهذه المواد وهل هي منسجمة مع بعضها بعضاً أم مُتناقضة".
 
ويضيف أنه "على مستوى المفاهيم، لو نتعمق في ماذا يقصد المشرّع بإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، نجد تفسيرات عدة لهذا النص، ثم إنّ الميدان الديني هو موضوع الآراء والاجتهاد، ولهذا لدينا في الإسلام تنوّع في المدارس العقائدية كالمعتزلة والأشاعرة (..) وفي الفقه لدينا مدارس عدّة فقهية: مالكية وإباضية وجعفرية وغيرها، إذاً ليس من السهل تحديد ما هو بالضبط المعلوم من الدين، أي المعروف في الإسلام، وكيف سيتدخل القاضي للفصل في القضية وعلى أي مرجعية ومدرسة يعتمد، بخاصة أن الجزائر لم تُحدد أي مرجعية دينية رسمية".

ويعتقد أنّ حَسم القَضاء لمصلحة خُصوم جاب الله قد يفتح شهية آخرين للتقدّم ضد أشخاص لديهم آراء مختلفة، وهكذا يتحول القضاء إلى محاكمات وإدانات للفكر، ما يشجع على انتشار جو من الكراهية ويثبط أصحاب الأفكار الجديدة والاجتهادات، ويصبح الناس يخافون من طرح أفكارهم خوفاً من العقاب. والنتيجة يسود نمط فكري واحد ويلغى التنوع في الآراء، وهو ما سيحرم المجتمع من الاستفادة من الاجتهاد لأنّ الإقصاء والانغلاق يمهّدان الطريق للعنف.

في المقابل، يرى القاضي سعد الدين مرزوق، أنّه "مهما كانت درجة الاختلاف في الرأي، فالواجب إخراج مسائل حرية التعبير من أروقة المحاكم، إلا ما استدعته الضرورة الملحة فقط، لأنه في مثل متابعات كهذه ضحية اليوم هو مُتهم الغد".

وفي الآونة الأخيرة، تلعب مواقع التواصل الاجتماعي، دوراً سلبياً في حياة المجتمع وباتت تهدّد سلوكياته الطبيعية، إذ ارتفع منسوب التخوين وعدم تقبل الرأي الآخر، ولم يعد الاعتراف بالتنوع الفكري قائماً، وساهمت هذه الوسائط في اختزال الفكر وحَجب التنوع السياسي والثقافي وحتى الاجتماعي والديني.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم