إعلان

هل أخطأت الجزائر بالوُثوق بوُعود ماكرون؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
صورة من الذاكرة المشتركة
صورة من الذاكرة المشتركة
A+ A-
خيّب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون آمال كثيرين من الجزائريين الذين كانوا يتوقعون منه خطوة جدية باتجاه الاعتراف بالماضي الاستعماري لبلاده في الجزائر وتقديم اعتذارات عن جرائم ارتكبتها على مدى أكثر من قرن، وذلك بإعلان الرئاسة الفرنسية أنها ستقوم بخطوات رمزية من دون تقديم اعتذارات.  

ويتذكّر الجزائريون تصريحات ماكرون عام 2017 أثناء زيارته بلدهم، وكان مرشحاً للرئاسة الفرنسية، الى الصحافي الجزائري خالد درارني، وجاء فيها "إن الاستعمار جُزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات".

هذه التصريحات أحدثت زوبعة من الجدل في الضفتين حينها، وبقدر ما أدرجها كثيرون في خانة "المجاملات اللحظية" لكسب شعبية الجزائريين المقيمين في فرنسا والذين يتجاوز عددهم 7 ملايين، شكّلت لشريحة أخرى آمالاً في التعاطي الإيجابي للرئيس الفرنسي مع ملف الذاكرة، ورغبة بلاده في التصالح مع الماضي الفظيع.

وعشية الذكرى الـ58 لاستقلال الجزائر المصادف في 5 تموز (يوليو) 1962، كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أكد في حوار خاص به قناة "فرانس 24"، وجود فرصة للتوصل إلى علاقات "هادئة" مع فرنسا، مضيفاً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "نزيه" و"نظيف" عندما يتحدث عن "الماضي الاستعماري".

وذهب تبون الى حد القول: "مع ماكرون، نستطيع أن نذهب بعيداً في التهدئة وفي حَل المشكلات المتعلقة بالذاكرة. يريد أن يخدم بلاده فرنسا ولكن في الوقت نفسه السماح لعلاقتنا بأن تعود إلى مستواها الطبيعي. علاقات بين بلدين مستقلين سياديّين". مناسبة هذا الكلام كانت استعادة الجزائر من فرنسا رفات 24 من قادة حركة المقاومة الذين قتلتهم القوات الاستعمارية الفرنسية في القرن التاسع عشر، بطريقة بشعة، وهرّبت جماجمهم لعرضها في متحف الإنسان في باريس.
 
وهكذا خابت حماسة الجزائر تجاه ماكرون، وهو أول رئيس فرنسي ولِد بعد حرب التحرير الجزائرية، بمجرد تسلّمه التقرير الذي أعده المؤرخ المكلف من طرفه، بنجامان ستورا، حول ملف "الذاكرة المشتركة" بين البلدين، إذ أفادت الرئاسة الفرنسية بأنها تعتزم القيام بـ"خطوات رمزية"، لمعالجة ملف حرب الجزائر، لكنها "لن تقدم اعتذارات"، فيما أوصى التقرير الذي جاء في 145 صفحة بـ22 بنداً لترميم العلاقات التاريخية.  

 العبرة بحفظ الدرس
عبّر المؤرخ والأكاديمي الجزائري محمد الأمين بلغيث، عن عدم تفاجُئه برفض الاعتذار، كاشفاً عن توقعاته بذلك منذ تأسيس اللجنة الثنائية من طرف الرئيسين ماكرون وتبون، والتي يقودُها من الجانب الجزائري، عبد المجيد شيخي، وهو شخصية أكاديمية وطنية والمؤرّخ الفرنسي بنجامين ستورا، وهما اللذان كُلفا تحديد مصير الذّاكرة التّاريخية للجزائر، بكل ما تحمله من مآس وجرائم ضد الإنسانية.
 
يقول بلغيث لـ"النهار العربي"، إن ستورا، هو مُؤرخ "البلاط" أو السلطة ولا يمكنه في أي حالة من الأحوال الخروج عن القراءة التاريخية للدولة الفرنسية عبر الزمان والمكان، أي منذ احتلال بلاده الجزائر عام 1830 وإلى غاية يومنا. ويشرح المؤرخ الجزائري: "بنيت توقُعاتي بناءً على معطيات تُشير إلى أنّ الفرنسيين لا يفكرون أبداً في الاعتذار للجزائريين، الذي يعني التعويض والاعتراف بالجريمة، وهم الذين أبادوا أكثر من 10 ملايين من شَعبنا".
 
أكثر من ذلك "الدولة الفرنسية تتبجح من خلال قانون شباط (فبراير) الشهير الصادر عام 2005 الممجد للأعمال التي قامت بها في شمال أفريقيا والعالم كله، وتزعم أنّها جاءت الى الجزائر لتنقُل سكانه من بدائيتهم إلى الحضارة والعمران، وهي شتيمة لأن الدولة الجزائرية، أقدم بألف مرّة من نظيرتها الفرنسية، بل هي من استطاعت أن تُخرج الثورة الفرنسية من حِصار الأنظمة الملكية والإمبراطورية الرَجعية في أوروبا".

لكن اللافت وفق بلغيث، إشارة التقرير إلى وجود 8 آلاف شركة فرنسية تُزود الجزائريين بسلع استهلاكية مختلفة، مع العلم أن الجزائر أول زبون لهذا البلد الأوروبي "ما يعني أننا زبون نملك المال وبإمكاننا أن نشتري من دولة تحترم كرامتنا وأهالينا على الأقل، وهذه المسألة كانت في وعي الحراك الشعبي الذي دعا إلى رفع الوصاية الفرنسية".

وبرأي بلغيث "من الخطأ الثقة العمياء بفرنسا التي أصفها بأنها عدوّة الماضي، الحاضر والمستقبل"، معتقداً أنّه "يجب على السلطات الجزائرية، استيعاب الدرس، ومراجعة حساباتها الاقتصادية والثقافية، لأن التقرير شتيمة والوعاء الذي صدر منه فرنسي بامتياز ولا يتسامح مع الذاكرة الفرنسية مهما كانت الأخطاء المرتكبة". واستشهد بمقولة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت: "أصعب ما يمكن أن يُصيب شعب من الشعوب هو الاستعمار الفرنسي".

 غياب الجدية
وتفاعلاً مع التقرير ورفض باريس الاعتذار عن جرائمها، يُلاحظ المحامي والناشط الحقوقي إسماعيل سعد "تجاذبات بعيدة عن الجدية من ماكرون وبلاده، إذ إنّه كلف بينجامان ستورا الخبير في التاريخ الجزائري، لكن على ما يبدو مهمته تنحصر فقط في إيجاد صيغة مُثلى يخدم بها وطنه والأكاديمية الفرنسية التي هو عضو فيها، وهي صيغة تُستغل لمعالجة آنية للملف الفرنسي الاستعماري الدموي في الجزائر بُغية تقوية النفوذ وتحصيل بعض الامتيازات الأخرى من الجزائر كالعادة". في حين أن أول خُطوة، وفق قول سعد لـ"النهار العربي" تتمثل في "إثبات حسن النية، وذلك باعتراف صريح بماضيها الذي اتفق المؤرخون والشواهد التاريخية على أنّه ماض بربريّ كما قال ماكرون شخصياً، أما في ما يخص استرجاع الرفات والأرشيف فهذه مسروقات واختلاسات تستوجب الاسترجاع لملاكها والتعويض مع الاعتذار".

ويصفُ الحقوقي، المجازر النووية في حق الطبيعة والإنسان الجزائري بجرائم تستدعي العقاب والإدانة والتعويض وليس فقط الاعتراف والاعتذار". يقول: "أما من الجانب الجزائري فنلاحظ تردّد الحكومة الجزائرية التي لم تتشجع وتصدر وتسن لحد اليوم قانوناً لتجريم الاستعمار الفرنسي".

وباءت محاولة من نواب جزائريين لسن قانون لتجريم الاستعمار (1830-1962) على مستوى البرلمان الجزائري سنة 2009 بالفشل لأسباب مجهولة حتى الآن، بينما يتّهم البعض، مسؤولين في السلطة بإجهاض هذا المقترح لولائهم لفرنسا.

وفي تصريح أثار الكثير من الاستغراب، كان عبد المجيد شيخي (مستشار الرئيس الجزائري لشؤون الذاكرة)، أخيراً قال إنّ إصدار قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي ليس أولوية بالنسبة الى السلطات، "لأن الشعب الجزائري جرمه منذ زمن". واستدرك: "مهمتنا الأساسية هي إبراز نضالات الشعب الجزائري ضد الاستعمار ووضعها في متناول الجميع".

لوبيات ضاغطة
ويعتقد محمد مسلم، الكاتب الصحافي في الشؤون السياسية، بوجود لوبيات قوية ضد الاعتذار، موضحاً: "ملف الذاكرة أكبر من كل رؤساء فرنسا، هو مرتبط بالجيش الفرنسي لأن من يحاسب في حال الاعتذار هو الجيش لأنه هو من ارتكب الجرائم".

وفي ضوء مستجدات ملف مصالحة الذاكرة، لا يرى مسلم أي تغيير في العلاقات الثنائية بين البلدين، إذ يعتبر "أنّ الوضع سيستمر على ما هو عليه حالياً، يميزه التوتر أحياناً والهدوء في أحيان أخرى، مع بقاء النفوذ الفرنسي قائماً".

ومع الجدل الذي يُثيره ملف الذاكرة بتشعباته وآثاره وحتى حساسيته، يذهبُ بعض الجزائريين إلى أطروحة أخرى، لا ترى جدوى أو قيمة مضافة في اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية ما دام الشعب هو من نال حُريته بنضالات وتضحيات.

هنا يقول المناضل السياسي، شافع بوعيش، إنّ "الشعب الجزائري حرّر الوطن بالمقاومة والثورة، وتغلّب على فرنسا الاستعمارية"، وبالتالي "لسنا بحاجة للاعتذار. لكن إذا استمرت فرنسا في الكلام عن محاسن الاستعمار، فسيستمر الشعب الجزائري في التنديد بجرائم فرنسا البشعة".

وبينما يتّجه الخطاب الرسمي لفرنسا إلى "دفن" ملف الذاكرة والانتقال إلى آفاق جديدة في العلاقات بين البلدين، تتّجه الأنظار إلى الطرف الجزائري، وتصوره للماضي الاستعماري، حيث يرتقب الرأي العام ما سيتضمّنه تقرير المستشار عبد المجيد شيخي، المرفوع إلى عبد المجيد تبون.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم