إعلان

" قَرارات تبّون لـ"التهدئة" و"الحراك" الجزائري يعود بمطالب "تغيير جذري"

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
من الحراك الجزائري
من الحراك الجزائري
A+ A-
أعلن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون، مباشرة بعد عَقدِه "جلسات نقاش" مع أحزاب سياسية للتشاور حول الوضع العام في البلاد، عن أربعة قرارات رئيسية أخذت طابع "التهدئة"، إذ شملت حل البرلمان وتنظيم انتخابات نيابية مُسبقة لم يُحدّد تاريخها بعد، إضافة إلى عفو رئاسي عن 60 من نشطاء الحراك، فضلاً عن تعديل حكومي مُرتقب في وزارات عدة.
 
وسادت أجواء من الترقب بين الجزائريين قبل إلقاء تبّون للخطاب الذي بُث الثامنة مساءً بالتوقيت المحلي من يوم الخميس 18 شباط (فبراير) تزامناً مع ذكرى تاريخية ترتبط بتخليد يوم الشهيد تكريماً لتضحياته إبان فترة الاستعمار الفرنسي (1830-1962).
 
يحدُث هذا التطوّر السياسي في ظرف اجتماعي وسياسي متوتّر، وبالتزامن مع دعوات لاستئناف الحراك الشعبي في ذكراه الثانية في 22 شباط (فبراير)، لتجديد المطالب بتغيير جذري للنظام بدل الاكتفاء بالواجهة، كما تفعل السلطة من طريق العملية الانتخابية المبتورة من حوار حقيقي يُؤسس لانتقال ديموقراطي، وفق ما يراه المحتجون.
 
وبرأي تبون فإنّ التغيير الذي يُطالب به الحراك "الأصيل والمبارك" كما وصفه، يمُر عبر فتح الأبواب للشباب لاقتحام المؤسسات السياسية، من خلال تنظيم انتخابات نيابية مُسبقة خالية من مخالفات "المال الفاسد"، ومُساعدة الشباب بتمويل الحملة الانتخابية، في شكل يسّمح بضخ دم جديد في البرلمان يُنهي مَرحلة الشك والطعن في مؤسسات الدولة.
 
وارتبطت سُمعة المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان)، الذي أفرزته انتخابات 2017، بشراء الذمم وتوظيف المال الفاسد وغيرها من الممارسات المنافية للأخلاق السياسية.
 
ويخول الدستور الجزائري، المعدل عام 2020، الرئيس تبّون بحل المجلس الشعبي الوطني، وفق المادة 151 التي تنص على أنه، "يمكن لرئيس الجمهورية، حل المجلس الشعبي الوطني، أو إجراء انتخابات تشريعية مسبقة قبل أوانها بعد استشارة رئيس مجلس الأمة، ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس المحكمة الدستورية والوزير الأول أو رئيس الحكومة حسب الحالة".
 
وتضيف المادة، "أن القرار يعقبه تنظيم انتخابات تشريعية في أجل أقصاه 3 أشهر، مع إمكان التمديد بالمدة نفسها في حالة تعذر تنظيمها، بعد أخذ رأي المحكمة الدستوري". ما يعني أن مشروع القانون المتعلق بالانتخابات الجاري صياغته يتم إقراره بأمر رئاسي.
 
جدل المعتقلين
ولعل من أهم القرارات التي خلفت جدلاً واسعاً، ذلك المرتبط بالعفو عن معتقلي الحراك، بين من استحسن الخطوة واعتبرها لـ"التهدئة"، وبين من قال إنّها مُناورة غايتها امتصاص غليان الشعب وثنيه عن الخروج يوم 22 شباط (فبراير)، في ظل غياب ضمانات بعدم توقف أجهزة السلطة عن اعتقال كل من يُبدي رأياً معارضاً بعد الذكرى الثانية للحراك الشعبي.
 
كما واجه إعلان تبّون بالعفو عن حوالى 60 موقوفاً من نشطاء الحراك الشعبي، بينهم 30 ناشطاً تقرر إخلاء سبيلهم فوراً وكانت صدرت في حقهم أحكام قضائية نهائية، انتقادات من طرف قانونين وحقوقيين، اعتبروا أنّ المساجين لم يرتكبوا جُرماً حتى يتم العفو عنهم، وإنما تعرضوا للظلم وهُم بحاجة لرد الاعتبار.
 
وذكرت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية الجزائرية، أن المفرج عنهم بمرسوم العفو الرئاسي، "محكوم عليهم نهائياً في جرائم مرتبطة بتقنيات الاتصال والإعلام، مسّت بمؤسسات الدولة وأفضت إلى إثارة الرأي العام وترويج أخبار كاذبة".
 
الأزمة السياسية أعمق
وتفاعلاً مع خطاب تبّون، يعّتقدُ الناشط السياسي، إسلام بن عطية، أنّ الأزمة السياسية في الجزائر هي أَعمق من حَل البرلمان، لكونها تتعلق أساساً بشرعية النظام الذي يُطالب الشارع بتغييره. وقال عطية لـ"النهار العربي"، وهو أحد شباب الحراك، إنّ "السلطة كانت تنفي وجود معتقلي رأي في الجزائر، وهي تعترف اليوم بهم، ويصدر عفو رئاسي في حَقهم، وهو قرار من بين التناقضات التي حملها خطاب تبون".
 
وغابت كلمة الدعوة إلى حوار وطني من خطاب الرئيس الجزائري، وهو ما يعتبره الناشط السياسي، إثباتاً آخر على أن "النظام يرفض الدخول في حوار سياسي حول الانتقال الديموقراطي، ولا يزال ينتهج سياسة الهروب إلى الأمام".
 
ويبدو بن عطية، مقتنعاً أن إجراء انتخابات تشريعية مسبقة لن يُغير شيئاً من الواقع، مُستدلاً بانتخابات الرئاسات التي أجريت في 12 كانون الثاني (يناير) 2019، وجاءت بعبدالمجيد تبون كحاكم للبلاد، من دون أن تقضي على الأزمة السياسية، وإنما على العكس شهدت الجزائر تراجعاً ملحوظاً في الحريات التي ضاقت في المجالين السياسي والإعلامي، إلى تدهور الاقتصاد، وهي نتيجة طبيعية "لانتخابات أجريت في أجواء غير ديموقراطية ونحن ماضون لإعادة التجرية نفسها، لأن الأسباب ذاتها تؤدي إلى النتائج نفسها" وفق عطية.
 
وعن تأثير خطاب تبون على دعوات التعبئة للعودة إلى الشارع للاحتجاج، يرى إسلام بن عطية، أن "المقتنعين بمسار الحراك والذين لا يزالون ثابتين على المرجع الأساسي هم غير معنيين بالإجراءات المعلن عنها، من حل للبرلمان أو تعديل حكومي ولا حتى بالانتخابات التشريعية، كما لم يكونوا معنيين بتعديل الدستور الذي أجري في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وما يهم هو حوار وطني توافقي لتحقيق انتقال ديموقراطي".
 
وأطلق الناشط السياسي عطية، حزباً سياسياً جديداً مع نشطاء من الحراك الشعبي، يتبنى فكرة الانتقال الديموقراطي السلمي التوافقي عبر آلية الحوار الجاد والمسؤول، ويحمل اسم "التيار الوطني الجديد"، إلا أن وزارة الداخلية رفضت مَنّحه التَرخيص لعَقد المؤتمر التأسيسي رغم استيفاء ملفه كل الشروط القانونية، وهو ما جعله يصرح بأن "الجزائر الجديدة مجرد وهم".
 
قرارات غير ناضجة
 
وأمام تعدّد القرارات، لفت الكاتب الصحافي نجيب بلحيمر، إلى أنّ "القرارات التي تضمنها خطاب تبّون ليست ناضجة، وهذا يطرح أسئلة حقيقية عن الأسباب التي جعلت تبّون يبادر بالتوجه بخطاب إلى الأمة رغم أنه لم يحسم تاريخ إجراء الانتخابات بعد، وهو أمر، من الناحية السياسية، أهم من الإعلان عن حل البرلمان".
 
وفي ورقة تحليلية لبلحيمر على حسابه في موقع "فايسبوك"، يقول: "نحن الآن أمام صورة واضحة لعملية صناعة القرار في الجزائر الجديدة. عملية تخضع لرد الفعل ومحاولة استباق الشارع الذي يبدي مزيداً من التململ وتتصاعد احتمالات تحركه مجدداً (مسيرة خراطة ودعوات استئناف المسيرات لمناسبة الذكرى الثانية للسلمية)، وتكشف الطريقة التي قدم بها تبّون "قراراته" عن أولوية إسكات الشارع على صياغة حلول حقيقية لأزمة سياسية عميقة ومعقدة يمر بها النظام".
 
ويضيف: "لقد رفضت السلطة حل البرلمان طيلة الأشهر الأولى التي كان يطالب فيها ما يسميه تبّون "الحراك الأصيل" بحل البرلمان لأن ذلك القرار في حينه كان يمثل خضوعاً لإرادة الشارع، وهي علامة ضعف كانت السلطة ترفض أن تظهرها، لكنها اليوم تعتقد أن هذه الورقة مهمة لاستعادة الثقة لكنها تغفل الأهم وهو أن مطلب حل البرلمان يرتكز على قناعة الجزائريين بعدم شرعية هذا البرلمان، لكن السلطة اختارت أن تمرر أهم القوانين بما فيها الدستور عبر هذا البرلمان، وحله اليوم هو ضرب لشرعية كل ما تم تمريره عبره منذ سقوط بوتفليقة إلى اليوم".
 
برغماتية وواقعية الحراك
لكن وسط هذه الآراء، تبرز دعوات لنقل الحراك الشعبي من الشارع إلى المؤسسات المنتخبة ضمن "منهاج براغماتي واقعي" وهو ما يذهب إليه الدكتور مستاك يحيى محمد لمين، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الذي يعتقد أنّ "حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة فرصة للشباب الباحث عن التغيير".
 
وثمّن الدكتور مَستاك في تصريح لـ"النهار العربي"، قرار الرئيس الجزائري بإطلاق سراح معتقلي الرأي كونه شكل أحد المطالب المرفوعة سياسياً وشعبياً، وهو ما يراه "نوايا حسنة للتوجه نحو التهدئة، في صورة شبيهة لما قام به الرئيس نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، الذي وقع قرار العفو ضمن حلول الأزمة التي عاشتها بلده".
 
ويذكر المتحدث أن السلطة تستجيب تدريجياً لمطالب الحراك، والآن الكرة في ملعب الأخير لتعيين نخبة من ممثليه يكتسحون المجالس المنتخبة بغية إعادة التوازن بين السلطة التشريعية ونظيرتها التنفيذية، في إطار لعبة السياسة داخل المؤسسات".
 
ومع توقف مسيرات الحراك الشعبي بسبب فيروس كورونا، عاد مُربع النقاش بين النشطاء إلى نُقطة طرحت في بداية انطلاقه، والتي تدعو إلى ضرورة هيكلته وتعيين ممثلين عنه للتحاور مع السلطة، لكن هذا المقترح ليس جامعاً، فالبعض من الجزائريين يعتقدون أن الهبة الشعبية السلمية يجب أن تبقى كقوة ضاغطة على النظام السياسي لدفعه إلى التنازل والتحاور على انتقال ديموقراطي حقيقي يُؤسس لجمهورية جديدة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم