إعلان

ماذا يريد الأتراك من الخطوط التونسيّة؟

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
مطار المنستير
مطار المنستير
A+ A-
تقوم تركيا منذ سنوات بإغراق الأسواق التونسية ببضائع تركية لا تحتاجها تونس، تستنزف الكثير من العملة الصعبة، باعتبار أن الكثير من هذه البضائع تُصنّع في تونس منذ عقود وبجودة أفضل وتحقق الربح للاقتصاد التونسي وللمستثمرين المحليين وتشغّل اليد العاملة، خصوصاً في المناطق الصناعية التي أقيمت في الجهات الداخلية. وتورط في استيراد هذه البضائع ساسة من التيار الإخواني كان للمال التركي فضل في وصولهم إلى سدة الحكم، فكان عملهم يندرج في خانة رد الجميل.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد ذهبت أخيراً إحدى الشركات التركية المستثمرة في تونس في مجال المطارات والموانئ الجوية إلى حد استهداف الناقلة الجوية الوطنية التي يعتبرها التونسيون أحد عناوين السيادة. إذ جمّدت الشركة المذكورة التي تتمتع بامتيازات كبيرة منحتها إياها الدولة التونسية وجنت جراءها الكثير من الأرباح، حسابات شركة الخطوط التونسية بإذن قضائي بسبب دين سابق للشركة التركية على نظيرتها التونسية، وهو ما سيؤثر سلباً في صرف الناقلة التونسية رواتب عمالها وموظفيها. 

وتؤكد أطياف تونسية واسعة أن الهدف من هذه الخطوة هو تدمير الخطوط التونسية وإفلاسها لدفع الدولة اضطرارياً إلى بيعها ليستحوذ الأتراك على أسهمها بالكامل أو على نصيب الأسد من هذه الأسهم. ولعل ما يدعم هذا الرأي هو الاستثمارات التركية الواسعة واللافتة للنظر في السنوات الأخيرة في ميدان الطيران المدني والمطارات في تونس، والتي لا تكتفي بما تحقق، بل ترغب في المزيد نظراً الى أهمية هذا القطاع في بلد كتونس ذات الموقع الجغرافي والسياحي المميز.

فتونس تتوسط الشمال الأفريقي، كما أنها مع إيطاليا تتوسط البحر المتوسط الذي بدوره يتوسط العالم، وتشرف مع إيطاليا أيضاً على مضيق صقلية الرابط بين حوضي المتوسط الشرقي والغربي، كما أن أعلى نقطة في أفريقيا تقع في أقصى شمال تونس وهي رأس أنجيلا. وبالتالي بإمكان الخضراء أن تصبح همزة الوصل في حركة الملاحة الجوية بين أفريقيا وأوروبا وبين شرق المتوسط وغربه، وقد عبّر الأوروبيون عن ذلك في أكثر من مناسبة مقترحين أن يذهب البلد نحو الانخراط في ما يعرف بالسموات المفتوحة "الأوبن سكايز". 

ولعل ما يؤكد تورط تركيا الرسمية في استهداف الخطوط التونسية، وليس فقط شركتها المستثمرة في ميدان المطارات والخدمات الجوية، هو لقاء تم منذ فترة قصيرة بين السفير التركي في تونس والرئيسة المديرة العامة الجديدة للخطوط التونسية. وقد أكدت مسؤولة في الشركة التركية أن اللقاء بين السفير ومديرة الخطوط التونسية تطرق إلى موضوع الديون المشار إليها والسبل الكفيلة بحل الأزمة، وهو ما يعني أن تركيا الرسمية دخلت على الخط في هذا الملف لأن تحركات السفراء لا تتم إلا بالتنسيق مع الوزارة التي ينتمون إليها.  

ولعل ما زاد من سخط التونسيين في هذا الملف هو أن الدولة التونسية دائنة للشركة التركية بمبلغ مالي يفوق بكثير الدين الذي للشركة التركية على الخطوط التونسية. وبرغم ذلك لم تحرّك الدولة ساكناً ولم تطالب بديونها من الشركة التركية، وكأن هناك قراراً سياسياً تونسياً مصادراً من الأتراك أو كأن الدولة التونسية التي يسيطر عليها التيار الإخواني متواطئة في التفريط بناقلتها الجوية الوطنية بأبخس الأثمان.  

وتبقى الهبّة القوية للاتحاد العام التونسي للشغل دفاعاً عن حقوق الموظفين والعمال هي نقطة الضوء الوحيدة في هذا الملف، والتي قد تردع الأتراك، بخاصة أن الاتحاد الذي يعتبر قوة ضاربة في البلاد تخشاها الحكومات، رفع شعاراً مفاده "لا للتفويت في الخطوط التونسية". ويؤكد العارفون بكواليس المركزية النقابية، التي يسميها التونسيون أيضاً "المنظمة الشغيلة"، أنها ذاهبة بقوة نحو التصعيد مع هذه الشركة التركية التي لها سوابق في استهداف عمال تونسيين تابعين لها باعتبارها تتولى الإشراف على مطار النفيضة في الحمامات ومطار الحبيب بورقيبة - المنستير الدولي، فيما بقية المطارات السبعة لا تخضع لإشرافها. 

وتؤكد الحملة الإعلامية الواسعة والحملات الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي التي استهدفت تركيا وشركتها أهمية شركة الخطوط التونسية في وجدان التونسيين، إذ كانت الى وقت غير بعيد من أفضل شركات الطيران على مستوى الخدمات ومهارة الطيارين، ويحبّذ التونسيون السفر على متنها. لكن الشركة تراجعت في السنوات الأخيرة فاسحة المجال لشركات أخرى لمنافستها حتى في الداخل التونسي بسبب الإهمال الذي عانت منه نتيجة لوجود رغبة للتفريط بها ممن حكموا تونس بعد الثورة. 

فعلى سبيل المثال، كانت لأحد أصهار الرئيس الراحل زين العابدين بن علي شركة طيران خاصة كان يمنع عنها بن علي نفسه أن تنافس الخطوط التونسية في خطوطها الهامة، وخصوصاً خط تونس باريس، الذي يشهد حركية كثيفة، كما كانت طائرات هذه الشركة ترسو في مطار الحبيب بورقيبة المنستير وتنظم رحلاتها من هناك تاركة مطار قرطاج الرئيسي في العاصمة للخطوط التونسية. لكن بعد الثورة أنشأ أحد المقربين من "حركة النهضة" الإخوانية شركة طيران خاصة نافست الخطوط التونسية من دون رحمة على خط تونس باريس الذي يعتبر الأهم بالنسبة الى الناقلة الوطنية، كما أصبحت الشركة الخاصة ترسو في مطار تونس قرطاج الدولي وتنظم رحلاتها من هناك غير عابئة بخسائر الخطوط التونسية. 

فهل يستمر الأتراك ومن تواطأ معهم من التونسيين في مسعاهم لإيصال الناقلة الجوية الوطنية إلى الإفلاس والاستيلاء عليها؟ أم أن هذه الحادثة التي جعلت التونسيين ينتفضون ويهبّون دفاعاً على رمز من رموز هويتهم ستكون رادعاً لهؤلاء ليكفوا أذاهم عن الخطوط التونسية؟  
الكلمات الدالة