إعلان

تونس: احتقان الشارع والاحتجاج الاجتماعي يهددان الحكم

المصدر: النهار العربي
تونس-هدى طرابلسي
محتجون يقفون وسط الدخان خلال اشتباكات مع قوات الأمن في ضواحي العاصمة ‏التونسية (ا ف ب)‏
محتجون يقفون وسط الدخان خلال اشتباكات مع قوات الأمن في ضواحي العاصمة ‏التونسية (ا ف ب)‏
A+ A-
لليوم الرابع على التوالي، تستمر الاحتجاجات في مناطق عدة في تونس، وتتخللها أعمال شغب في أحياء شعبية عدة من العاصمة تونس ومحافظات سوسة وقفصة وسليانة ونابل، وجهات أخرى لا تزال تحت وقع الاحتقان والغضب. 
 
وتزامنت هذه الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية المتردية، مع الذكرى العاشرة لثورة كانون الثاني (يناير). 
 
وقد تباينت الآراء حول هذا التحرك، بين من يعتبره غير عفوي، وأن أعمال العنف والشغب تحركها أطراف سياسية، وبين آراء اخرى تعتقد أن هذه الاحتجاجات متوقعة وتأتي بعد سنوات من الأزمات والصعوبات المادية والاجتماعية التي تعيشها مناطق عدة من تونس فيما زاد الحجر الصحي من غضب الفئات المهمشة التي تعاني اوضاعاً اجتماعية صعبة. 
وقد فرضت الحكومة حجراً صحياً لمدة اربعة أيام حتى 24 كانون الثاني (يناير) الجاري وذلك على خلفية انتشار فيروس كورونا الذي سجل أرقاماً قياسية في عدد الوفيات وصلت الى 80 حالة وفاة يوم أمس. 
 
الحرب على المواقع 
 
تمكّنت وحدات الإدارة العامّة للأمن الوطني بمختلف الاختصاصات من توقيف 242 من المشاركين في أعمال الشغب ومحاولات نهب وسرقة للعديد من المنشآت العامة والممتلكات الخاصة، في كل مناطق الجمهورية، أغلبهم من القصر وبينهم عدد من المنحرفين وذلك بعد استشارة النيابة العامة في مختلف الجهات بحسب ما أفاد به مسؤول في وزارة الداخلية. 
 
ويعتقد الكاتب الصحافي الصغير الحيدري في حديث خاص الى "النهار العربي"، إنه من المتوقع ظهور احتجاجات مناهضة للمنظومة السياسية التي أمسكت بزمام الأمور خلال السنوات العشر الماضية 2011-2021، لكنه استدرك قائلاً إن "ما تابعناه منذ إقرار الحجر الصحي من حوادث شغب ليست عفوية وليست بمعزل كذلك عن الفراغات التي تحصل من فترة إلى أخرى في وزارات حساسة على غرار وزارة الداخلية وحتى العدل وغيرها".  ويضيف الحيدري: "أن الخشية تبقى اليوم من أن تكون هناك أطراف سياسية وراء هذه الاحتجاجات لأن لا مطالب واضحة لهؤلاء المحتجين".
 
لكن هذا لا يعفي الطبقة السياسية الحالية من المسؤولية؛ هذه الطبقة التي انصرفت إلى ما يمكن أن نسميه "الحرب على المواقع" ، "وتابعنا التعديل الوزاري الذي يأتي في سياق مناكفات بين القصرين والبرلمان وبالتحديد حركة النهضة، ما يعزز حالة عدم الاستقرار السياسي" بحسب الحيدري.
 
ويتابع الحيدري: "أن هذه الحالة ستدفع نحو مزيد من التأزم الاجتماعي والاقتصادي. منذ عشر سنوات تُدار الدولة بمنطق الغنيمة والولاءات وهو وضع غير صحي وستكون له تداعيات خطيرة على مستقبل البلاد، لأن التجاذبات السياسية بدأت تتسرب من مؤسسات الدولة إلى الشارع وبطريقة فيها الكثير من الفوضى وغياب الوعي بخطورة الموقف".
 
مزرعة خاصة 
 
تعيش تونس منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 أزمات سياسية متواصلة ساهمت في عدم استقرار حكومي، كانت آخر حلقاته التعديل الوزاري الموسع الذي جاء قبل يوم على حكومة هشام المشيشي.
 
وقد ساهم التوتر الحكومي بدوره في تأخير حزمة الإصلاحات الاقتصادية المنتظرة وتحقيق المطالب الاجتماعية، وقد ربط بعض المهتمين بالشأن العام هذه الاحتجاجات بالتعديل الوزاري الذي لم يرضِ أنصار الرئيس قيس سعيد. فكتب الصحافي نبيل الشاهد في تدوينة له إن "التعديل الوزاري الجديد ألغى نهائياً حصة رئيس الدولة من الوزراء داخل الحكومة وهو ما عملت عليه النهضة منذ اليوم الأول، في مقابل تعزيز وزراء الائتلاف السياسي الداعم للحكومة بخاصة من قلب تونس واسترضاء اتحاد الشغل ببعض الحقائب الوزارية".
 
ويضيف الشاهد قائلاً إنه "بعد دقائق من تعيين وزير داخلية جديد، اندلعت احتجاجات في أكثر من منطقة في البلاد من دون أن نعرف مطالبها ولا من يقف وراءها. الغريب أن هذا الوزير ليس أمنياً وهو بعيد جداً من ملفات وزارة الداخلية وسيتطلب تعرّفه إلى وزارته فترة طويلة تكون فيها الأوضاع قد تدهورت".
 
ويحذر الشاهد قائلاً: "إن اللعب بالنار وصل إلى درجة لم تشهدها تونس منذ الأيام الأخيرة لحكم بورقيبة، والمسؤول هذه المرة أولاً و أخيراً، راشد الغنوشي الذي يسقط حكومات ويشكّل أخرى ويتصرّف في البلد كمزرعته الخاصة".
 
إرادة الشعب
 
تنتظر تونس بفارغ الصبر الحوار الوطني الذي بادر لإطلاقه الاتحاد العام التونسي للشغل بدعم من رئيس الجمهورية من أجل إيجاد حلول لوقف نزيف التوتر السياسي الذي عرقل أعمال برلمان الشغل في أكثر من مناسبة، ويرى البعض أن ضغط الشارع وتوسع رقعة الاحتجاحات هي السبيل من أجل الضغط على الحكومة وأحزابها الداعمة للقبول بشروط ومخرجات الحوار الوطني وأهمها تغيير النظام الانتخابي الحالي.
 
ويقول الناشط السياسي نبيل الرابحي في تصريح خاص: "إن النظام السياسي الحالي أثبت الفشل وعدم الاستقرار، فخلال عشر سنوات حكمت تونس 12 حكومة بمعدل ثمانية أشهر لكل منها، وأدى عدم الاستقرار إلى أزمة اجتماعية خانقة أدت مباشرة الى احتجاجات اجتماعية لمجموعات سياسية منها المناصر لقيس سعيد كحركة "الشعب يريد" ومنها شباب مستقل يطالب بتحسين أوضاعه الاجتماعية ".
 
من جهة أخرى، يعتقد الرابحي أن "السبب الرئيسي في عدم الاستقرار بتونس هو القانون الانتخابي الذي تأسس منذ البدايه من أجل إشراك أكثر ما يمكن من أطياف سياسية لكتابة الدستور"، لكن اليوم برأي الرابحي "لم يعد صالحاً لأنه ساهم في تشتيت الحكم وعدم وجود من يتحمل مسؤولية الفشل نظراً لعدم وجود أغلبية في برلمان الشعب تستطيع تشكيل حكومة تتحمل مسؤولية أدائها". ويرى الرابحي الذي يعتبر من المدافعين عن قيس سعيد و نظريته أن "رئيس الجمهورية لا يستطيع تغيير الوضع إلا بتقديم مبادرات تشريعية وأهمها تغيير النظام الانتخابي ومبادرة المصالحة الاقتصادية لاسترجاع أموال تونس المنهوبة". ويؤكد أن "هذه المبادرات جاهزة لدى سعيد وهو ينتظر الفرصة المناسبة لتقديمها". ويختم الرابحي أن ضغط الشارع هو الوحيد الذي يستطيع فرض إرادة الشعب وأيضاً لإنجاح الحوار الوطني الذي يجب أن يكون في صالح الشعب وليس لصالح النخب السياسية. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم