إعلان

"الصندوق الأسوَد" سَقَط... انقسامات البوليساريو إلى الضوء

المصدر: النهار العربي
خلدون زين الدين
قائد الدرك الصحراوي
قائد الدرك الصحراوي
A+ A-
قُتل "الداه البندير خطاري برهاه" قائد سلاح الدرك الصحراوي، وكثرت بمقتله السيناريوات والأسئلة: من استهدَفَه؟ المغرب؟ الجزائر؟ "جبهة البوليساريو" ذاتها؟ مَن؟ كيف؟ لماذا؟
 
المتتبعون للشأن العسكري راقبوا بدقة ظروف العملية المُودية بحياة البندير. قادة وعناصر الدرك أقلقهم التطور الموصوف بـ "النوعي"؛ الرجل ليس أياً كان. قيل فيه إنه القائد المحنك والخبير في الهندسة العسكرية. تكفي الإشارة إليه بـ "الصندوق الأسود للعمليات العسكرية الكبرى" ليتوقف المحللون ملياً أمام مقتله يوم السادس من نيسان (أبريل) 2021.
 
مسيرة "الداه" حافلة بالتكوينات والتدريبات العسكرية. خبرته الميدانية تُعد الأقوى والأغنى. ليس هذا وحسب، بل هو أهم أعضاء هيئة الأركان التابعة للجيش الصحراوي. المشرف الأول على تكوين عناصر الجيش وإطلاعهم على التفاصيل الدقيقة للجدار المغربي ومواقع الدفاع، والمعلومات الحساسة ذات الصلة به. إعلان مقتله شكّل صدمة حقيقية حتى في صفوف المواطنين البسطاء...
 
لماذا؟
من الأسئلة المطروحة: هل قيادة "البوليساريو" غبية لدرجة محاولة القيام بعملية عسكرية شبه مستحيلة قرب منطقة الجدار الرملي؟ هل تم إرغام القائد العسكري على تنفيذ عملية قاتلة من هذا النوع؟ هل للأمر علاقة بتصفية الحسابات وبالصراع الدائر "لإخماد" دور جهاز الدرك الصحراوي والانتقام من قادته؟ هل انتقمت منه القيادة لرفضه الأوامر في اجتماع عسكري وأمام أنظار أهم القيادات؟
 
خطورة
بحسب منتدى دعم مؤيدي الحكم الذاتي، المعروف اختصاراً بـ "فورساتين"، فإنه "وخلال أكثر من اجتماع لهيئة الأركان لتدارس الوضع الميداني، كان "البندير" من أشد الرافضين للقيام بعمليات عسكرية قرب الجدار، وحذر من خطورة الإقدام على ذلك، كما دخل في مشادات مباشرة مع قائد اللواء الاحتياطي محمد لمين ولد البوهالي، مَنْ أصر على ضرورة تحقيق اختراق نوعي، يُعزز من حظوظ "جبهة البوليساريو" في أي مفاوضات مقبلة، والتي لن تكون ذات قيمة ما لم توازيها عملية عسكرية نوعية تعتقد القيادة أنها عامل مهم في الحسم ...".
 
استناداً إلى المنتدى عينه "لم يمر الرفض القاطع والصريح لقائد سلاح الدرك مرور الكرام. تلته اتصالات مباشرة ومكثفة من القيادة العليا حاولت الدفع بالمسؤول الأول عن سلاح الدرك، والخبير في الهندسة العسكرية لقبول مقترح القيام بعملية عسكرية قرب الجدار. قراره كان الرفض القاطع، وتعليله للرفض يعود إلى تغير المعطيات الميدانية والجغرافية، بما يستحيل معها تنفيذ عمليات من هذا النوع...".
 
صراع الدرك والشرطة
مُذ تولى إبراهيم غالي منصب الأمين العام لـ"جبهة البوليساريو"، يقول المراقبون، بدأت خيوط مؤامرة تتشعب وتتشابك لتصل القلبَ النابض لمؤسسة الدرك وقيادته. انطلقت "حملة التهميش والتضييق، والإهمال حد الإقصاء من حضور اللقاءات الرسمية، والمشاركة في البعثات الخارجية". سلسلة الإقصاء بدأت بحسب المراقبين بظهور تشكيلات عسكرية "لا تخضع للمؤسسات الأمنية في جبهة البوليساريو، لتليها مرحلة تشويه الدرك، بتشكيل عصابة ترتدي زي الدرك، كانت تعترض سبيل الناس وتصادر ممتلكاتهم وتستولي على سياراتهم عنوة، وكان عناصرها يرتدون زي الدرك ويغطون وجوههم ...".
 
... بالممارسات هذه وغيرها بدأ نجم جهاز الدرك يأفل ويتراجع دوره لصالح جهاز الشرطة. بحسب منتدى "فورساتين" لوحظ تعاظم حجم الصراع بين الجهازين "ودشنت الشرطة حملة من الاضطهادات والتجني على عناصر الدرك، كانت تقابلها في كل مرة هجومات متكررة من عناصر الدرك دفاعاً عن رفاقهم، واستهداف مقرات الشرطة، والدخول في مواجهات دموية تنتهي في الغالب بالتكتم على الموضوع ...".
 
تنقلات... وفضائح
بنت قوات الدرك علاقة وثيقة مع ساكني المخيمات. وبغض النظر عن اختلالات شهدتها حقبة جهاز الدرك، إلا أن ساكني المخيمات ترعرعوا مُعايشين هيبةَ الجهاز قبل أن يبدأ بالتلاشي لصالح جهاز الشرطة. أمام الواقع هذا، انطلقت قيادات الدرك في البحث عن بدائل والخروج برؤوس مرفوعة قبل فوات الأوان، لتنطلق رحلة طلب التنقل أو التعيين في مراكز أخرى داخل وزارة الدفاع أو البحث عن مهمات عسكرية أخرى قبل إلصاق تهم الفضائح بهم أو توريطهم في قضايا ذات بعد إقليمي مرتبط بالإتجار بالمخدرات وتسهيل عمل المهربين...".
 
الجزائر... وتبدل الأولويات
من المراقبين عن قرب للشأن الصحراوي من يقول إن الانقسامات في "جبهة البوليساريو" مردها أولاً إلى تبدّل أولويات جنرالات الجزائر وانشغالهم بالحراك في الداخل. فالاحتجاجات في الجزائر قللت من الدعم المخصص سابقاً لـ"البوليساريو" وأعادت ترتيب الأولويات الجزائرية، دافعة بقضية الصحراء إلى المرتبة الثانية بدلاً من إبقائها أولوية.
 
تبدل الأولويات أحدثت تململاً في صفوف "البوليساريو"، ما دفع بأبناء الصحراء "لطلب الغفران من الوطن الأم" (المغرب) أو تقديم الولاء التام للرباط "وإن بشروط ووفق قاعدة بيانات".
 
سيناريوات
مقتل الداه البندير دفع بسيناريوات عدة إلى الواجهة، عززتها معطيات لافتة. الرباط التزمت الصمت حيال مقتله. وكالة أنباء "جبهة البوليساريو" سحبت بلاغاً يفيد بمقتل قائد الدرك من دون أي تفسير، وبقيت في إطار التحليل مقاربتان: الأولى ترى أن مقتل البندير أتى بنيران مغربية سواء بـ"درون" أو صاروخ طائرة أخرى بعدما أجبرت قيادة "البوليساريو" قائدَ الدرك على تنفيذ عملية مع عملها المسبق باستحالة التنفيذ، وأن البندير لا بد أن يلقى حتفه تالياً وتتخلص منه استناداً إلى حسابات داخلية. أما المقاربة الثانية، فاستندت إلى أن مقتل "الداه" أتى بنيران "درون" جزائرية، بعدما وصلت معلومات تفيد بأن القائد الصحراوي يتجه برفقة العديد من المقاتلين إلى الجدار الرملي لطلب اللجوء إلى المغرب، فاستبقت خطوته بصاروخ قضى عليه ومن معه.
 
... الحقيقة الوحيدة أن مقتل قائد الدرك الصحراوي، تطور ميداني - استراتيجي استثنائي لا يزال يُخفي حقائق يصعب عزلها عن صراع الداخل وتطورات ملفات الإقليم. الأسئلة كثيرة تنتظر الإجابة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم