إعلان

المغرب يحصي تحدّيات عودة مواطنيه المجنّدين في"داعش"

المصدر: النهار العربي
الرباط-مريم حكيم
دواعش مغاربة
دواعش مغاربة
A+ A-
رغم توالي الضربات الموجّهة إلى معاقل تنظيم "داعش" الإرهابي، لا تزال ظاهرة المقاتلين الأجانب تفرض نفسها على الساحة العالمية، وسط مخاوف الدول من تداعيات عودة هؤلاء المقاتلين وعائلاتهم إلى بلدانهم الأم، وذلك في ظل تنبيه مسؤولين مغاربة، إلى "ضرورة تحديد مقاربة واضحة للتعامل مع المغاربة العائدين من بؤر القتال في سوريا والعراق".
 
ولفت تقرير برلمانيّ مغربي، أعقب انتهاء أعمال "المهمة الاستطلاعية المؤقتة" التي شكّلها مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، الى "أهمية الوقوف على حقيقة ما يعانيه العديد من الأطفال والنساء والمواطنين المغاربة العالقين في بعض بؤر التوتر، لا سيما في سوريا والعراق، والتحديات والصعوبات التي تحولُ دون عودتهم إلى البلاد".
 
وبحسب تقرير اللجنة التي تم تشكيلها في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وتضمّن الاستماع الى مسؤولين عديدين ووزراء مغاربة ومنظمات دولية وشهادات معتقلين وعائلاتهم، فإنّ "أبرز التحديات التي تواجه عودة المقاتلين المغاربة إلى البلاد، هو وجود فئة لا تزال متشبّعة بفكر تنظيم "داعش" الإرهابي"، ما يطرح تحدياً كبيراً للأجهزة الأمنية.
 
وأوضح التقرير البرلماني الذي حصل عليه "النهار العربي"، استناداً إلى معطيات قدّمها وزير الداخلية المغربي عبد الوافي، أنّ "تخوف المغرب من هذه الفئة، نابع من كون البعض منهم اكتسبوا تدريباً وخبرة في التعامل مع الأسلحة وصُنع العبوات الناسفة وتجهيز السيارات المفخخة، بالإضافة إلى قدراتهم في الدعاية وتجنيد الإرهابيين".
 
وحذّر التقرير من أنّ "استمرار تردي الأوضاع الأمنية في مناطق وجود هؤلاء المقاتلين الأجانب، لم يسمح بمواصلة عمليات الترحيل، كما أنّ انشغال المجتمع الدولي بتداعيات انتشار وباء كوفيد-19 ضاعف من تعقيدات هذا الملف وأدى الى تراجع الاهتمام به".
 
وإزاء هذا الواقع، لجأت السلطات المغربية المختصّة الى اعتماد "أساليب عمل أخرى تمكّنها من تحقيق الأهداف المرجوة"، حيث باشرت خلال آذار (مارس) 2019، بترحيل مجموعة تضم ثمانية مواطنين مغاربة كانوا موجودين في مناطق النزاع في سوريا، وخضع هؤلاء لتحقيقات قضائية كإجراءات وقائية واحترازية، في شأن احتمال تورطهم في قضايا مرتبطة بالإرهاب.
 
وإشكالية عودة المقاتلين تقتضي، بحسب المسؤولين المغاربة، ضرورة "استحضار الصعوبات الميدانية المرتبطة بأي إجراء لتحديد هويات الأشخاص الموجودين في المخيمات المنتشرة في بؤر التوتر، وصعوبة العمل على صعيد هذه المخيمات التي تسيطر عليها قوات غير نظامية".

صعوبة تحديد الهويّة 
وتحدّث وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة عن "صعوبات يواجهها المغرب في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بمواطنيه في بؤر التوتر في العراق وسوريا، وغياب لائحة دقيقة لهم نظراً لضعف المعلومات التي تُقدّمها منظمة الصليب الأحمر الدولي، وعدم وجود سفارات مغربية في كل من العراق وسوريا"، حيث كانت العلاقات قد توقفت مع البلدين لأسباب أمنية.
 
وتُواجه السلطات المغربيّة، بحسب وزير الخارجية، إشكالاً كبيراً يرتبط بـ"مزدوجي الجنسية"، حيث يُطرح بعد إسقاط الجنسية الثانية عنهم السؤال: "هل هم مغاربة أم لا؟ هل المغربي مَن يحمل الجنسية أم مَن ذهب من المغرب إلى العراق أو سوريا، ثم عاد بعدها؟". وبحسب بوريطة، أنه "إذا فتَح المغرب موضوع الجنسية، فربما قد نصل إلى أعداد مرتفعة".
 
ومع تصاعد المطالب الحقوقية بإعادة المغاربة المعتقلين في سوريا والعراق، رغم تعقيدات ملفاتهم واختلاف المعلومات المتوفّرة حولهم، شكّل مجلس النواب المغربي لجنة نيابية استطلاعية للوقوف على أوضاع هؤلاء، برئاسة الأمين العام لحزب "الأصالة والمعاصرة" المُعارض عبد اللطيف وهبي.
 
وضمّت اللجنة 16 برلمانياً يمثلون كتل الأغلبية والمعارضة. وفي إطار مساعيها الهادفة إلى وضع خريطة طريق للحدّ من معاناة المعتقلين، استمعت اللجنة النيابية في كانون الثاني (يناير) الماضي إلى الوزير بوريطة، حول "أوضاع هؤلاء وتحديات إعادتهم إلى البلاد". واستمعت كذلك إلى أفراد من عائلات العالقين في سوريا والعراق، والتقت عدداً من المنظمات الدولية التي تتابع هذا الملف.
 
 1654 مغربياً انضموا لـ"داعش"
استناداً الى المعلومات التي أدلى بها وزير الداخلية عبد الوافي لأعضاء المهمة الاستطلاعية، فإنّ "1654 مغربياً غادروا البلاد للانضمام إلى حركات إرهابية مختلفة في المناطق السورية والعراقية، من بينهم 290 من النساء و628 من القاصرين. في حين أن هناك 250 مقاتلاً معتقلاً (232 في سوريا، و12 في العراق، و6 في تركيا) إلى جانب 138 امرأة، من بينهن 134 في المخيمات التي تحرسها القوات الكردية، إضافة إلى حوالي 400 قاصر، بينهم 153 فقط تأكّد أنهم مولودون بالمغرب، بينما ولد الباقون في مناطق التوتر المعنية أو في بعض الدول الأوروبية".
 
وينقسم مجموع المقاتلين الذين غادروا المغرب إلى ثلاثة أقسام: هناك من التحق بـ"داعش"، وهناك من ذهب مع "القاعدة" أو "النصرة"، وهناك من التحق بالتنظيمات الهامشية. ومن ضمن هؤلاء 1300 من المقاتلين التحقوا بـ"داعش". وفي العدد الإجمالي هناك 740 ماتوا، و350 يُعتقد أنهم لا يزالون أحياء، و269 عادوا إلى المغرب. ويُعتقد أيضاً أنّ 241 هم معتقلون، وفق ما كشف وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لأعضاء المهمة الاستطلاعية.
 
إلى ذلك، أوصى التقرير بـ"إصدار قوانين تَضع الإطار التشريعي لمعالجة الأوضاع الخاصة والاستثنائية، التي فيها الأطفال والنساء المغاربة العالقون في بؤر التوتر في سوريا والعراق، من أجل تسهيل عملية إرجاعهم سريعاً".
 
كما دعا الحكومة المغربية إلى "العمل في أقرب وقت من أجل التوقيع على مشاريع اتفاقيات التعاون القضائي والقانوني بين المملكة المغربية والجمهورية العراقية، لتسهيل عملية نقل الأشخاص المحكوم عليهم بين البلدين، وكذلك تطبيق اتفاقية نقل الأشخاص المحكوم عليهم الموقّعة بين المغرب وسوريا في نيسان (أبريل) 2006، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والنساء وإنشاء جسور للتواصل مع عائلاتهم وأقاربهم وأصدقائهم  في المغرب".

الدمج .. في المجتمع
يرى رئيس النيابة العامة محمد عبد النباوي أن "المقاتلين الإرهابيين الأجانب، سواء كانوا مغاربيين، أو آسيويين، أو أوروبيين، لن يستطيعوا الاختباء وسط السكان الأصليين بسبب لهجتهم، ولعدم إتقانهم تقاليد العيش في العراق وسوريا، ومواجهة خطر سقوطهم في يد قوات النظام السوري أو في يد قوات "الحشد الشعبي". وهذا الواقع، يضيف عبد النباوي، "يترك لهم خيارين فقط: إمّا القتال حتى الموت، أو مغادرة مسرح العمليات. وربما يميلون إلى الحل الثاني لأخذ ثأرهم في مكان آخر، إما بالانتقال إلى بؤر اقتتال وعنف أخرى أو المكوث في إحدى دول العبور، أو بالعودة إلى بلدانهم الأصلية".
 
و"ما يزيد الوضع تأزماً وتعقيداً"، حسب عبد النباوي، "وجود أطفال رافقوا آباءهم إلى بؤر التوتر أو الذين ولدوا هناك، ما يرفع احتمالية تشبثهم بالأفكار والمبادئ المتطرّفة وصعوبة تحديد جنسياتهم وتعدّدها، وكذلك وجود الأرامل والأيتام نتيجة وفاة الأب أو الأم أو الاثنين معاً في المعارك". منبهاً إلى أن "عودة المقاتلين الإرهابيين يُغذي الخلايا النائمة، ويمدّها بخبرات جديدة في مجال الإرهاب".
 
وقال: "الحاجة أصبحت ملحّة لاعتماد مقاربة شاملة للتعاطي مع هذا الواقع الجديد، من خلال اعتماد برامج للتأهيل والعلاج وإعادة الاندماج واعتماد المقاربة القضائية بالنسبة إلى العائدين، الذين ارتكبوا جرائم إرهابية، والمقاربة الأمنية من خلال تشديد المراقبة واليقظة، خصوصاً في المعابر الحدودية".
 
كما شدد على "ضرورة وضع معايير لتحديد الفئات التي تخضع للمتابعة الجنائية، وتلك التي تخضع لإعادة الاندماج، والفئات التي تُعفى من المتابعة الجنائية مثل النساء والأطفال في سن معينة، ممن لم يتلقوا تدريباً عسكرياً. أما العفو الشامل فيمكن إصداره بموجب قانون يُحدّد الفئات المعنية به وشروط الاستفادة منه والتدابير المرافقة له، والتزامات المستفيدين منه".
 
سوريا والعراق .. وأطفال يلعبون برؤوس البشر
من جانبه، أقرّ رئيس اللجنة البرلمانية الاستطلاعية المتعلقة بدراسة أوضاع العالقين في سوريا والعراق عبد اللطيف وهبي، بـ"وجود تعقيدات عدة تحولُ دون إعادتهم"، مشدداً على أن "وضعية الأطفال حساسة وصعبة".
 
وتابع في حديثه لـ"النهار العربي"، أنّ الأطفال المغاربة في بؤر التوتر، وعلى غرار باقي الأطفال هناك، "حُرموا من أحقيتهم في التعليم وعاشوا وسط الدماء"، وهناك مَن لعبوا "الكرة برؤوس البشر"، كما أن المسدسات والأسلحة تُعتبر في نظرهم "عادية ومشروعة للعب".
 
أضاف: "هناك أيضاً مَن حضروا إعدامات، ولا يعرفون مفهوم القانون والزجر". وتساءل: "هل إعادتهم ستكون سهلة؟ وهل علينا إعادة تربيتهم؟ وكيف؟".
 
وشدد على وجود "أطفال آباؤهم في السجون السورية أو الكردية أو العراقية، وآخرين ليست لهم وثائق ثبوتية ولهم وثائق من جهات غير معتمَدة (من داعش)".
 
وختم: "الملف فيه أطفال، ولكل طفل قصة. هناك مَن أمه سورية وأبوه مغربي، هناك من توفي أبوه الأجنبي وأمه المغربية لا تستطيع إعادته، وهناك مَن أمه ليست مغربية وأبوه مغربي متزوج من سورية عن طريق وثيقة لـ"داعش" بالاكتفاء بالشهود وقراءة الفاتحة. لذا، أمام هذا الوضع نصبح أمام وضع غير قانوني. وهناك أطفال توفيت أمهاتهم وآباؤهم وتربيهم سيدة أجنبية، وهي تقول: إنهم مغاربة، ولا دليل على ذلك".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم