إعلان

برامج تلفزيونية تثير سخط الجزائريين... كشف أسرار عائلية وفضائح وإثارة وابتذال

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
قنوات خاصة جزائرية
قنوات خاصة جزائرية
A+ A-
لم تعُد البرامج الاجتماعية التي تبُثّها القنوات التلفزيونية الخاصة في الجزائر، مثيرة للجدل فقط وإنما تعدته إلى ترك آثار وصدمات لدى المجتمع الذي بات يشتكي ويتذمر من ابتذال مضمون هذه البرامج والتي تتفنّن في نشر غسيل العائلات وإخراجها إلى العلن، فتحولت إلى مادة دسمة للسخرية والسخط.
 
والتهبت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً، بعد تداول مقاطع من حلقة اجتماعية بعنوان "ما وراء الجدران" على قناة "النهار" التلفزيونية الجزائرية، أظهرت رجلاً يشتكي ضَربهُ من طرف زوجته بعصا خشبية، وأخرى لامرأتين قامتا بِسبِّ والديهما على الملأ، لأنّهما أساءا معاملتهما وفق روايتيهما في فقرة تحمل عنوان "لي فات مات" على محطة "الشروق" الخاصة.
 
هاتان الواقعتان على سبيل المثال لا الحصر، جَعلت جزائريين يتساءلون ويُشكّكون في وقت واحد، إذا ما كانت فعلاً الحالات المعروضة على الشاشات حقيقية أم أنّها لأشخاص يؤدون أدواراً تمثيلية، لأغراض تجارية، تسعى من خلالها القنوات إلى رفع نسبة المشاهدة، غير أن علامات الاستفهام المطروحة لا تجدُ في غالب الأحيان إجابات مُقنعة وإنما تُساهم في تفرع النقاشات السطحية في بلد أرهقته المشكلات والأزمات في شكل أكبر.
 
وتركز البرامج الاجتماعية أيضاً في شكل عام على مواضيع الخيانة الزوجية وجرائم الشرف والزنا، وحكايات مرتبطة بالسحر والشعوذة، إذ وصل الأمر إلى حد استضافة أشخاص يُقال إنهم مصابون بالمس الجني، ليأتي الشيخ في الجهة المقابلة للحديث معه ومحاولة إقناعه بالخروج من جسد الضيف أو الضيفة.
 
مسرحية للإثارة
 
على رغم الانتقادات الكثيرة، تجِد هذه البرامج أصواتاً تلتمس لها الأعذار، من منطلق أنّه لا يمكن التنكر إلى الظواهر غير المرئية الموجودة في المجتمع وتركها بعيداً من الكاميرات، لأنها موجودة بالفعل، بيد أن معالجتها بطريقة مبتذلة هي ما يجعلها تحيد عن هدف الرسالة الإعلامية.
 
يقول رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة غرداية جنوب الجزائر مصطفى رباحي، إنّ البرامج الاجتماعية أصبحت تُشبه المسرحيات، وبات المشاهد وكأنه أمام سيناريو يجعله يضحك على واقع الحال المعروض على الشاشة. يُضيف في تصريح لـ "النهار العربي" أنه "يجب التفريق بين كسر التابوات بُغية معالجة مشكلة اجتماعية والوصول بها إلى الحل، وبرامج غير هادفة تبحث عن الإثارة والمتعة"، وعلى سبيل المثال "تُمكن معالجة ظاهرة ضرب الرجل من زوجته، لكن من دون الدخول في التفاصيل وإظهار الرجل وهو يبكي أمام الملايين من المشاهدين، لأن هذا المنظر لن يضيف أي شيء".
 
ويأسف رباحي، لتعميم الاستثناء في المجتمع إلى حالات عامة في شكل هزلي لا يُعبر عن الحقيقية إلا في جانب ضيق جداً ربما، موضحاً أنّ قلب الحقائق أمر غير مقبول ومنافٍ لقيم المجتمع، ولا يستبعد أن تُؤثر هذه البرامج الاجتماعية في عزوف المواطن عن القنوات التلفزيونية الخاصة.
 
الكاميرا والدبابة
 
لا تخضع البرامج الاجتماعية، وفق عدد من النقاد الإعلاميين، إلى أدنى معايير أخلاقيات المهنة سواء من ناحية التقديم أو حتى المضمون الذي يفرض احترام المشاهدين وعدم المساس بقيمه المجتمعية. فقد كتب الصحافي الجزائري عثمان لحياني في تدوينة على موقع "فايسبوك" أنّ "البرامج الاجتماعية في القنوات يجب أن يُشرف عليها صحافيون ومقدمون لديهم النضج الاجتماعي الكافي، وفي مستوى من العمر يكون قد أتاح لهم تجارب اجتماعية، ومسؤولية عائلية تسمح لهم بمعرفة أكبر لطبيعة العلاقات العائلية والمجتمعية، ودراية ثقافية أيضاً بالأعراف والتقاليد المتباينة بين المناطق".
 
وفي اعتقاده أن "المنصات الاعلامية ليست مَحكمة للتداول، والبرامج ليست ولائم صلح استعراضية، بل هي محكومة بضوابط أخلاقية ومهنية وقيم اجتماعية، تضع السقف الأقصى الممكن لمعالجة القصص بحسب طبيعة العلاقات ومنظومة كل مجتمع"، مشبهاً "الكاميرا بالدبابة، بحيث إذا التقى، غياب رئاسة التحرير، كمؤسسة موجهة وضابطة للإيقاع التحريري، مع وجود انفلات في الطموح لدى الصحافيين الشباب، والتسرع للوصول إلى النجاح "الزجاجي"، يصبح المجتمع المتلقي في لحظة عابثة وبصدد تطبيع مع الخطيئة".
 
اللافت أنّ هذه البرامج هي مستنسخة في مجملها من برامج غربية أو حتى عربية، نابعة من سياقات ثقافية واجتماعية مختلفة عن الواقع الجزائري، ما يعكس فقراً في الإبداع، ويعطي صورة هشاشة بالغة الخطورة وغياب لمنظور إعلامي مُتزن يعالج قضايا المجتمع بمسؤولية، يقول لحياني.
 
وهو ما يذهب إليه الطالب في كلية الإعلام بالعاصمة الجزائرية، محمد عمار بالقول إنّ "نوعية المواضيع التي باتت تَبثها القنوات، غير عائلية وسيئة ومنافية لقيم المجتمع الجزائري وخصوصيته". ويضيف أن "أغلب المواضيع الاجتماعية المدرجة كانت في وقت سابق تابوات لا يتم تناولها إلا في المحاكم، وأصبحت على الشاشة، وهذا يعود لضعف التأهيل والتدريب لدى الصحافيين في شكل عام".
 
يعيش قطاع الإعلام السمعي المرئي في الجزائر، على وقع فوضى لتأخر صدور مراسيم تطبيقية توضح كيفية تنفيذ مواد قانون الإعلام الصادر عام 2012، إذ لم تفرج الحكومة عن دفتر الشروط الذي سيعتمد "الفضائيات" كقنوات جزائرية، إذ إن مجمل الفضائيات الخاصة، لا تخضع للقانون الجزائري، لكونها تبث انطلاقاً من أقمار اصطناعية أجنبية، ومسجلة في دول عربية أو غربية، بالرغم من أن مالكيها جزائريون ولها مكاتب في الجزائر فقط.
 
وخلال شهر رمضان الماضي، عايش الجزائريون "كوارث تلفزيونية" كما يصفها البعض، عقب بث إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة، برنامج "الكاميرا الخفية" واعتبره البعض أنه "مهين للمرأة ومسيء لقيم المجتمع"، ما اضطر القناة إلى الاعتذار ووقف بث البرنامج الذي يتمحور حول اختيار شخص والإيقاع به عبر الاقتراح عليه أن يتزوج، بعد أن يجيب عن أسئلة معينة، لتكون هديته في النهاية امرأة "زوجة"، وبعد الإلحاح عليه، وإقناعه بتوفير تجهيزات الزفاف، يوافق وهو حائر، بحضور إمام لقراءة الفاتحة.
 
وقتها قالت "أجهزة الرقابة السمعية - البصرية" (هيئة حكومية تراقب عمل القنوات الخاصة)، إن برنامج "أنا وراجلي" (أنا وزوجي)، "تضمن مخالفات جسيمة مست بقواعد المهنة وأخلاقياتها وأخلت بمبادئ وقواعد النظام العام". وتتعرض هذه السلطة في كل مرة إلى انتقادات من طرف نشطاء في الحقلين الإعلامي والثقافي لبطء وتأخر تدخلها في إيقاف المضامين المعروضة على القنوات، كما حصل مؤخراً، حيث لم تصدر أية ردود فعل.
 
حنين إلى الماضي
 
صَدمة الواقع الحالي، تقُود دائماً الجزائريين إلى استذكار الماضي، أو الزمن الجميل كما يُسمونه، والذي كان يلامس جزءاً كبيراً من واقعهم ويروي تفاصيل حياتهم من دون تزييف أو بحثاً عن الشهرة أو الكسب على حساب المشاهد.
 
وفي ذاكرة الجزائريين التلفزيونية، الحلقة الاجتماعية "وكل شيء ممكن"، التي كان يُعدها الراحل رياض بوفجي وتُبث على القناة الحكومية، بحيث استطاعت أن تعرفهم الى قصص وتنقل مشاكل المواطنين من عمق الجزائر، كما تُخصّص نداءات لأفراد مفقودين، تسعى لجمعهم، فكانت أغلب النهايات سعيدة بلقاء من فرّقهم الزمن.
 
تلك الحلقة التلفزيونية المشهورة، توقفت بعد وفاة مقدمها، إلا أنها لا تزال حاضرة، ويُضرب بها المثل في مقارنة ما تقدمه القنوات الخاصة اليوم والتي تتنافس لجذب المشاهدين بكل الطرق، في برامج يطغى عليها الأسى والإثارة، وترفع من حدة الجدل، بدل أن تساهم في معالجة ظواهر تضرب المجتمع.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم