إعلان

هذا ما "تخسره" فرنسا من تدهور العلاقة مع الجزائر

المصدر: النهار العربي
الجزائر-نهال دويب
سوناطراك تستثمر في تركيا.
سوناطراك تستثمر في تركيا.
A+ A-
 
بعد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي اعتبرتها الجزائر "مسيئة" لذاكرة شعب كافح من أجل نيل الاستقلال، أصبحت الأزمة بين الجزائر وفرنسا أمام سيناريوات مفتوحة، بحسب مراقبين ومتتبعين للتطور التاريخي للعلاقات بين البلدين، في ظل مشهد مرتبك ومعقد للغاية، وقد يتجه نحو "قطيعة" اقتصادية، تكون فرنسا هي "الخاسرة" فيها في نهاية المطاف.  
 
وكانت فرنسا تمثلُ خلال العقدين الماضيين أبرز شريك اقتصادي، غير أن هذه الشراكة بدأت تتراجع تدريجياً لمصلحة شركاء جدد على غرار الصين وروسيا وتركيا، الأمر الذي أثار قلق باريس خوفاً على الامتيازات التي كانت تتمتع بها. 

وبدأت أولى خطوات التراجع الفرنسي كشريك سياسي واقتصادي للجزائر ترتسم منذ مدة، إذ أوقفت السلطات الجزائرية العمل مع عدد من الشركات الفرنسية، بداية من شركة "آراتيبي باريس" التي كُلفت في وقت سابق بتسيير مترو الجزائر وصيانته، وجاء هذا القرار بعد عام فقط من تجديد عقدها الأخير الذي انتهى في تشرين الأول (أكتوبر) 2020، إضافة إلى بنك "كريدي أغريكول" الفرنسي الذي سُحب منه الاعتماد في  نيسان (أبريل) الماضي، بعد أكثر من 14 سنة من التعامل. 
 
تشجيع الشركات المحليّة
وقبل شهرين تقريباً، أنهت الجزائر العقد الذي كان يربطها بالمجمع الفرنسي "سويز" الذي ينشطُ في مجال تسيير المياه، وقرأ متتبعون للمشهد السياسي في البلاد هذه الخطوة على أنها تندرج في إطار استبعاد الشركات الفرنسية التي وجدت لنفسها موطئ قدم في البلاد طيلة العقدين الماضيين، وانتهجت السلطة الجزائرية في المقابل سياسة تشجيع الشركات المحلية في مختلف المجالات الاستراتيجية. 

وعمقت التصريحات المثيرة للرئيس الفرنسي أمام مجموعة من الشباب الجزائريين في قصر الإليزيه جراح الاستثمارات الفرنسية، إذ قرر رجال أعمال جزائريون تجميد 4 صفقات كانت قيد الدراسة مع شركات فرنسية لتوريد منتجات في مجال الفلاحة، تبلغ قيمتها بضعة ملايين من اليورو، واختاروا التوجه نحو شركات ألمانية. 
 
مقاطعة شركات فرنسيّة
وكشفت الهيئة الخاصة للمستثمرين ورجال الأعمال وأرباب المؤسسات الاقتصادية الخاصة، أن القيمة الإجمالية لمجمل صفقات المتعاملين المحليين في محافظة باتنة (شمال شرق البلاد)، تبلغ مليار يورو، كان رجال أعمال يدفعونها للمؤسسات الفرنسية في قطاعات العتاد الصناعي والفلاحي والدوائي والبناء والري وغيرها، وبلغ صدى هذه الحملة بقية المحافظات الجزائرية، فبادرت الجمعية العامة للمقاولين الجزائريين (منظمة محلية خاصة بأرباب العمل تضم حوالي 2000 شركة في قطاع البناء والأشغال العمومية والري) بمقاطعة واردات 500 شركة فرنسية، بسبب ما قالت إنه "مسّ بتاريخ الجزائر وصورتها من طرف الرئيس الفرنسي". 

ودعت المنظمة المحلية إلى مراجعة العلاقات الاقتصادية مع الدولة الفرنسية، وقالت إنها تسعى مع منظمات جزائرية لم تسمّها إلى تأسيس جمعية وطنية، تعمل على قطع كل التعاملات الاقتصادية داخل الوطن مع أي دولة لا تحترم الجزائر. 

وتأتي فرنسا في المرتبة الثانية في قائمة المصدرين الى الجزائر، ومنذ وصول الرئيس الجزائري (الراحل) عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم عام 1999، ارتفعت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين لتبلغ ثلاثة أضعافها عام 2013، ما جعل البلاد تتصدر قائمة الشركاء التجاريين لفرنسا في القارة السمراء، وتحتل أيضاً المرتبة الثالثة في قائمة أسواق الصادرات الفرنسية خارج بلدان القارة العجوز. 

ويعلق الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي الدكتور أحمد سواهلية على هذه التطورات بالقول، إن العلاقات بين البلدين تحولت إلى حالة من التوتر غير المعهود، بعدما كان التقارب في حقبة بو تفليقة كبيراً جداً، ووصل هذا التقارب إلى حد الثقة المتبادلة بين القادة السياسيين.
 
"الخاسر الأكبر"
وبحسب سواهلية، فإن السبب الرئيسي للهجومات المتكررة من الجانب الفرنسي على الجزائر، يعود إلى تضييق الخناق على المصالح الاقتصادية لفرنسا.
ويقول لـ"النهار العربي"، إن السلطة الجزائرية ارتأت أنها في غنى عن بعض الدراسات والاستثمارات التي كانت تكلف خزينة الدولة الجزائرية مليارات الدولارات، واستدل بالدراسات التي كانت تكبد الدولة 7 مليارات دولار كدراسات لشركة "سوناطراك"، إضافة إلى الشركات الكبرى الأخرى كالمجمع الفرنسي "سويز" وشركة "آرتيبي باريس". ويعتقد أن فرنسا لا تريد أن تستقل الجزائر اقتصادياً، "فهي تضغط بكل ما أوتيت من قوة لوقف هذا المسار الاقتصادي الجديد". 

وشهدت الاستثمارات الفرنسية في الجزائر تطوراً ملحوظاً في الأعوام الأخيرة، إذ قُدرت بـ64 مليون يورو عام 2016، و182 مليوناً عام 2017، وتخطت عتبة الـ280 مليوناً عام 2018، لتبلغ أعلى مستوى لها عام 2019 بأكثر من 400 مليون يورو. 

ووفق سواهلية، فإن احتمال تطور الأزمة الدبلوماسية يبقى وارداً، وستكون فرنسا هي الخاسر الأكبر، لأن الجزائر كشفت مراراً أن لها شركاء دوليين نافذين، من بينهم روسيا والصين وتركيا المُهتمة حالياً بتعزيز وجودها في البلاد، في إطار شراكة متطورة وتعاون ممتاز بين البلدين، إذ يجري حالياً العمل على تجسيد مشروع للبتروكيمياويات بين "سوناطراك" الجزائرية وشركة "رينيسانس هولدنغ" التركية، في ولاية أضنة جنوبي تركيا، تُقدر تكلفته المالية بـ1.4 مليار دولار، بحصة 66 في المئة للشركة التركية و34 للجزائرية، وسيتم إنتاج مادة البلوبروبيلان البلاستيكية التي تدخل في صناعات عدة، على غرار السيارات والنسيج.

  
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم