إعلان

قيس سعيد هل هو المشكل أم الحل لأزمات تونس؟

المصدر: النهار العربي
كوثر زنطور
الرئيس التونسي قيس سعيد
الرئيس التونسي قيس سعيد
A+ A-
"زعيم ثورة تصحيحية" أم "بول ديشانيل" تونس؟ يختلف تصنيف رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيد باختلاف الطرف الذي يتحدث عنه وباختلاف تموضعه في الصراع الدائر في المشهد السياسي التونسي وما حدث من انقسام حول دور الرئيس بين من ينظر اليه كرئيس "شعبي" انتُخب لمحاسبة "السيستام" وهو ماضٍ قُدماً في ذلك، ومن يعتبره رئيساً "شعبوياً" عبث بنواميس الدولة وسينتهي بتدميرها.
 
الانقسام حول دور الرئيس سعيد ترسخ وتحول الى اصطفاف واضح مع احتدام أزمة التعديل الوزاري وتمسكه برفض استقبال الوزراء لأداء اليمين الدستورية التي تُعد شرطاً من الشروط الأساسية لمباشرة المهمات الوزارية... رفض سعيد يتعلق تحديداً بالوزراء الذين تحوم حولهم شبهات ضد مصالح وفساد، وبخلاف ذلك أكد في 3 مناسبات على الأقل أن موقفه الرافض للتعديل مرده الخلل الذي شابه.
 
الغريب أن لا أحد يعلم في شكل دقيق من الوزراء الـ11 المرفوضين من قبل الرئيس، ولا أحد يعلم أيضاً، بمن في ذلك رئيس الحكومة هشام المشيشي، طبيعة الخلل الذي يتحدث عنه، حتى ينطلق صاحب القرار وهو المشيشي في "التصحيح" او تدارك الأمر والذهاب الى الحد الأقصى من قبيل دعوة الوزراء المشكوك في نزاهتهم الى الانسحاب أو اعفائهم من مناصبهم.
 
المعلوم أن المشيشي أعلن عن التعديل الوزاري منذ يوم 16 كانون الثاني (يناير) 2021 ونال الوزراء الجدد ثقة البرلمان يوم 26 من الشهر نفسه، ووجه المشيشي لرئيس الجمهورية 3 مراسلات، الأولى بتاريخ 29 كانون الثاني (يناير) الفائت لتنظيم مراسيم أداء اليمين الدستورية، ثم مراسلة ثانية لتذكيره بالمراسلة الأولى، وثالثة طلب منه فيها تحديد الوزراء المرفوضين كحل من الحلول التي اقترحها عدد من الفاعلين لإنهاء الأزمة السياسية.
 
في غضون ذلك تتالت القراءات الدستورية من أساتذة القانون الدستوري بخصوص هذا المأزق وذهبت غالبيتها الى تأكيد "دستورية التعديل" وأنه من صميم صلاحيات رئيس الحكومة، وأن رئيس الجمهورية أمام واجب دستوري له فيه سلطة مقيدة تفرض عليه استقبال الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية، أما في حال امتناعه، فيؤكد عدد كبير من الخبراء أنه يضع الرئيس أمام فرضية "عزله" من منصبه بسبب ارتكابه خطأ جسيماً.
 
سقطت كل الحلول المقترحة لإنهاء هذه الأزمة، ولم يشفع شيء، لا وساطات داخلية ولا دولية ولا التحذيرات من خطورة الوضع، لتغيير موقف الرئيس المتصلب والرافض قطعاً للتعديل، بل ويؤكد استعداده لما سمّاه خلال لقاء جمعه بعدد من النواب منذ اسبوع تقريباً لأي "نزال" ملخصاً موقفه في جملة أثارت جدلاً واسعاً يقول نصها: "الشعب أمامكم وأنا واحد منه، والدستور وراءكم وأنا صاحب الفصل في فصوله، فأين المفر؟".
 
لقي موقف الرئيس تجاوباً خصوصاً أنه يمثل أول رئيس يقف في مواجهة "حركة النهضة" وزعيمها راشد الغنوشي باعتبار أن المشيشي لا يعدو كونه مجرد واجهة لصراع أعمق، طرفاه سعيد والغنوشي، الأول كالثاني يريد توسيع صلاحياته عبر التحكم برئيس الحكومة وتحويله الى "وزير اول"، في انتظار الحسم عبر تغيير نظام الحكم. قيس سعيد يريد نظاماً رئاسياً صرفاً والغنوشي مع نظام برلماني يكون فيه دور رئيس الجمهورية "محدوداً" وحتى "رمزياً" مثلماً قال صراحة في نقاش داخلي.
 
هذا الصراع، وضع سعيد في ثوب "المنقذ" والحل، وحتى زعيم ثورة تصحيحية تُنهي عقداً من التعامل مع الدولة كغنيمة وتُدشن مرحلة اصلاحات طالت، وتنطلق بتقليم أظافر حزب "النهضة" في دواليب الدولة وإبعادها عن مراكز النفوذ، وفتح الملفات التي أغلقت او قُبرت في "صفقات" متعددة خلال العشرية الأخيرة.
 
هذه المقاربة يراها البعض الأنجع بعد فشل كل محاولات الإصلاح، وتتالي الفشل على مختلف المستويات مما حوّل هذه الديموقراطية الناشئة الى ديموقراطية شكلية في دولة فاشلة تعجز عن توفير الخدمات الأدنى لمواطنيها، القضاء فيها "مضمون" والإعلام "مضمون" واقتصاد "ريعي" بفضل قوانين تُعدّ على المقاس وبإحكام لحماية مصالح اللوبيات النافذة، تُمرر في برلمان اصبح مشرعاً للفساد والإفساد، وهو ما عمق الفوارق الاجتماعية ودمر المؤسسات العامة وأنهى أية فرصة للتنافس أو للخلق والإبداع، وفي ظل مديونية تراكمت في شكل قياسي في غياب حلول حقيقية تنتشل البلاد وتضعها على السكة الصحيحة.
 
لذلك أصبح قيس سعيد بمثابة رأس الحربة في مواجهة "الحكم المصلحي الانتهازي"، إذ إن حكومة المشيشي الجديدة بعد التعديلات التي عرفتها خلال 4 أشهر فقط إثر تسلّمها السلطة، هي حكومة المصالحة مع "المنظومة" أو "السيستام"، وهي أيضاً حكومة القطع مع التغيير والإصلاح وإنهاء حكم الامتيازات والتلاعب بالمصالح العليا للدولة والعيش من "بيروقراطيتها" الكريهة.
 
في الظاهر، يبدو الأمر بارقة أمل تعود لتونس في أزمة متعددة الأوجه، إلا أن أسلوب قيس سعيد وغموضه و"تناقضاته"، خصوصاً مشروعه الهلامي الموصوف بالخطير والذي يتمثل في "اعادة التأسيس"، قلص في شكل كبير التفاؤل بخصوص الدور الذي قد يؤديه في هذا الظرف الصعب، فيما يُحذر خصومه ومنهم رئيس الحكومة وحليفه الأساسي "حركة النهضة" من الأخطر، وهو تدمير الدولة.
 
بالنسبة إلى "حركة النهضة" وزعيمها يُعتبر قيس سعيد أخطر من الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، حين عرفت قياداتها في عهده السجون والمنافي وصدرت في حق عدد منهم أحكام بالسجن مدى الحياة والإعدام وشردوا وهجروا ومنعوا من ممارسة أي نشاط حزبي، لذلك وحّدتهم المعركة ضد سعيد وجعلت خلافاتهم الداخلية رغم حدتها تتأجل الى حين وتصبح خارج سلم الأولويات العاجلة والأكيدة.
 
معركة "النهضة" مع قيس سعيد هي معركة وجود، بعد الفشل في ترويض الرئاسة وجرّها لخدمة أجندة الحزب مثلما نجحت في ذلك مع المنصف المرزوقي ثم مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، فما تبقى لها إذاً هو محاولة الدفع الى عزله عبر الاستحواذ على السلطة من خلال تحالف برلماني يقوده الغنوشي بصفته رئيساً للبرلمان وأخيراً عبر استكمال إرساء المحكمة الدستورية، فينتهي آنذاك دور الرئيس في تأويل الدستور.
 
وحتى اليوم تحافظ "النهضة" على "شعرة معاوية" في علاقتها بالرئيس سعيد وعلى مربع الخصومة في إطار الدستور، وفي الكواليس لا تخفي الخوف وحتى الهلع من مشروعه الذي لن يكون له وجود إلا على أنقاضها.
 
وإذا كان الاصطفاف وراء قيس سعيد قد يكون من باب المعارضة لـ"حركة النهضة"، فإن عدداً من النخبة ومن الاحزاب ومن كبار الفاعلين من معارضي "النهضة" وخصومها، يتوجسون من جهتهم من دور قيس سعيد ويقولون إنه يمثل المشكلة وليس الحل وإن ما يقوم به اليوم سيفتح الباب أمام حكم استبدادي فردي وأن مشروعه أخطر من مشروع "النهضة" وأن معركته معها هي على السلطة وعلى من يكون الأقوى.
 
أكثر من ذلك، هناك من يتحدث حتى عن الوضع الصحي للرئيس، ومن يشبهه بالرئيس الفرنسي بول ديشنايل الذي حكمها لمدة 261 يوماً، من 18 شباط (فبراير) حتى 20 أيلول (سبتمبر) 1920، واضطر للاستقالة بعد كوارث بروتوكولية وأسلوب خاص جداً في الحكم وغير مألوف جعله يوصف بـ"الرئيس المجنون".
 
الأكيد أن هناك انقساماً حول دور الرئيس قيس سعيد والأكيد أيضاً أنه لا يمكن أن يمثل لوحده الحل لتونس ولا أن يكون مشكلتها الأساسية والوحيدة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم