إعلان

الصيرفة الإسلامية في الجزائر... هل تعيد أموال "الشكارة" الى المصارف؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
بنك السلام" الإسلامي في الجزائر"
بنك السلام" الإسلامي في الجزائر"
A+ A-
اقترب من العَاملة في المصرف طالباً سحب كل ما في رصيده من مال، حاولت الموظفة إقناعه بأن يترك القليل حتى يظل حسابه جارياً، فاستهجن رافضاً وأصر على المغادرة وبيده "حقيبة" من الأموال، يُسميها الجزائريون "الشكارة".

 في الغالب يلجأ جزائريون إلى الادخار المنزلي، بناءً على اعتقاد سائدٍ بأنّ أموالهم في مأمن أكثر من المصارف، فهي أقرب عند وقوع أزمات محتملة، بينما يلعب العامل الديني دوراً مهماً في انعدام الثقة بالمصارف بسبب "الفوائد الربوية" التي تفرضها المؤسسات المصرفية.

ولا شك في أن قضية "بنك الخليفة"، وهي من بين أكبر الفضائح الاقتصادية في تاريخ الجزائر، أثرت في العلاقة بين المواطنين والمصارف، إذ تسبَّبَ  إفلاسه عام 2003 بخسائر مالية للدولة والمودعين تقدّر بخمسة مليارات دولار، بينما يقضي رئيس المجموعة عبدالمؤمن خليفة، عقوبة 18 سجناً نافذاً، صدرت عام 2015، وتم تثبيتها العام الجاري في محكمة الاستئناف.

 وساهمت هذه الفضيحة في إحداث قطيعة بين فئات المجتمع والمصارف، ما أدى إلى انتعاش التعاملات غير الرسمية وتوسع الحركة الاقتصادية بعيداً من الأطر المصرفية، إذ تشير تقديرات حكومية إلى تداول كتلة مالية قيمتها 40 مليار دولار أميركي خارج القنوات الرسمية.

 بديل طال انتظاره؟

في سياق احتواء هذا الوضع غير الطبيعي الذي سيطر عليه السوق الموازي، طرقت الجزائر أبواب الصيرفة الإسلامية، في محاولة لتحسين استقطاب الأموال والودائع اعتقاداً أنّ العامل الديني هو أحد الحواجز أمام  الإيداع المصرفي.

 وبعد عقود من الانتظار والتردد، أعلنت الحكومة منتصف عام 2020 عن خدمات غير ربوية تقدمها مصارف تملكها الدولة، بعدَ حصولها على فتوى شرعية من أعلى هيئة مُخولة في البلاد (المجلس الإسلامي الأعلى) التابع لرئاسة الجمهورية.

ومطلع آب (أغسطس) الماضي، أطلق "البنك الوطني الجزائري" (حكومي)، ثمانية منتجات للصيرفة الإسلامية للمرة الأولى. يتعلق الأمر بالمرابحة، المضاربة، المشاركة، الإجارة، السلم، والاستصناع، حسابات الودائع وودائع الاستثمار. وتَعدُ الحكومة بتوسيع الخدمة مستقبلاً لتشمل مصارف جديدة مع إمكان الاستفادة من تجارب البلدان الإسلامية السباقة الى هذه التعاملات.

ورغم أنّ التجربة حديثه جداً ومن السابق الحكم عليها، يقول أستاذ الاقتصاد والنائب في لجنة الشؤون المالية في البرلمان الجزائري أحمد شريفي، إنّ "الصيرفة الإسلامية، أثبتت جدارتها في الأزمة الإقتصادية التي ضربت العالم عام 2008، وهي تتميز عن المعاملات المصرفية التقليدية بالصلابة والمناعة، ما يجعل لجوء حكومة بلاده إليها خياراً صائباً للحد من حالة الركود".

لكن شريفي يؤكد في حديث الى "النهار العربي"، أنّ "الصيرفة الإسلامية لا تتمثل في نوع واحد من الخدمات، اذ تشمل أصنافاً عدة منها الادخار وجلب الودائع وتوظيف الأموال والمرابحة، بالتالي فإن تعويل الحكومة على استقطاب جزء هام من الأموال المتداولة في السوق الموازية، أو محاربة الاكتناز لن يكون تصوراً مجدياً".

ويرى شريفي أنه "لا بد من أن تكون الصيرفة الإسلامية قناعة لدى السلطات بأنها أداة لتكريس الشمول المالي، أي تمكين جميع فئات المجتمع من الاستفادة من الخدمات المصرفية، مهما كانت ثقافتهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم الإيديولوجية".

الأسباب الدينية ليست وحدها التي جعلت نسبة الودائع في المصارف ضعيفة، لأن المشكل أكبر من ذلك بكثير، إذ يرهن شريفي نجاح الخدمات الإسلامية بتوجه الحكومة نحو الرقمنة والشفافية في التعاملات المصرفية، وغرس الثقة لدى أصحاب رؤوس الأموال بأن ودائعهم في مأمن وأرباحهم كذلك، وتقديم ضمانات بعدم وجود مضايقات أو عراقيل إدارية، وإلا فإن التخوفات ستبقى قائمة حتى لو كان تحت شعار الصيرفة الإسلامية.

ويُضيف شريفي: "لتعزيز الثقة أكثر، يتعيّن إدراج هذه المنتجات في قانون القرض والنقد، (يحكم النظام المصرفي) وأن لا تبقى مجرد تدابير وتعليمات على مستوى البنك المركزي، لأنّ ذلك لا يرفع من حدة الشك والخوف".

وفي الجزائر 30 مؤسسة مصرفية، منها 7 حكومية وأكثر من 20 مصرفاً أجنبياً، من دول الخليج على وجه الخصوص، وأخرى فرنسية، بيد أن تسويق منتجات الصيرفة الإسلامية اقتصر على فروع الجزائر لمجموعة "البركة" البحرينية و"بنك الخليج الجزائر" الكويتي، و"بنك السلام" الإماراتي.

ويعتقد سعيد كريم، المدير التجاري في "بنك البركة"، أن التمويل الإسلامي يشكّل عنصراً هاماً في البنية المصرفية، اذ بإمكان المنتوج المالي الاسلامي أن يستقطب زبائن يتحفظون عن المعاملات الربوية.

ويؤكد كريم أن "هناك اقبالاً معتبراً للجزائريين على الخدمات الإسلامية، وإلا لما استطاع بنك البركة الصمود لمدة 30 سنة رغم عدم وجود قانون مؤطر"، مُضيفاً لـ"النهار العربي" أنّ "الصيرفة الإسلامية بإمكانها امتصاص جزء من أموال من لديهم حساسية من البنوك التقليدية ويخشون من إدخار أموالهم في الحلقة الاقتصادية الرسمية".

لكن كريم يوضح أن "المشكل متشعب ومعقد، إذ لا بد من استرجاع الثقة بين البنوك والعملاء، لأن ثقافة الشكارة توغلت في المجتمع لسنوات عديدة ولا يمكن حلها بين ليلة وضحاها". والشكارة هي مُصطلح للدلالة على أكياس الأموال الكبيرة التي يتم تخزينها في البيوت.

ويشتكي جزائريون من بيروقراطية إدارية في تسيير المصارف بعيدة من النجاعة التجارية والاقتصادية، إضافة إلى تأخر أنظمة الدفع الالكتروني وعمل بطاقات الائتمان، ما يجعل السيولة الوسيلة الوحيدة لتسوية التعاملات.

ويواجه الاقتصاد الجزائري أزمة حادة بسبب تداعيات كورونا، والآثار المتوالية لاستمرار انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية منذ منتصف 2014، وهو ما جعل خبراء وسياسيين يوجهون نداءات إلى السلطة لفتح حوار وطني يناقش كل الملفات قبل تفاقمها، بعيداً من الحلول الترقيعية أو الظرفية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم