إعلان

نظرة أميركا الجديدة للصحراء الغربية.. التطبيع كمسبّب أو مسرّع؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
صورة مركّبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - "أ ف ب""
صورة مركّبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - "أ ف ب""
A+ A-
انضمّ المغرب الخميس إلى مجموعة الدول العربيّة التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل خلال الأشهر القليلة الماضية. برز اختلافٌ بين المحلّلين حول تقييم هذا الحدث والأسباب التي ساهمت في إنضاجه. وكان الاعتراف الأميركيّ بسيادة المغرب على الصحراء الغربيّة التي تضمّ أكثر من نصف مليون نسمة وتضاهي مساحتها مساحة بريطانيا إحدى أبرز مسائل النقاش في تلك التحليلات. ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحاً الذي أمكن طرحه ذو صلة بمدى خروج الولايات المتّحدة عن سياسة الإدارات السابقة، كما سياسات الأمم المتّحدة، بالحفاظ على الحياد والتوسّط في حلّ قضيّة الصحراء الغربيّة.


"مقايضة فجّة"
بالنسبة إلى الكاتب السياسيّ في شبكة "بلومبيرغ" بوبي غوش، ترك اتّفاق التطبيع الأخير واعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء "فوضى" يجب على الرئيس المنتخب جو بايدن التعامل معها بعد دخوله البيت الأبيض. وأضاف أنّه حتى بمعايير إدارة ترامب، يبدو "الترتيب" الثلاثيّ بين الولايات المتّحدة وإسرائيل والمغرب حول الصحراء "مقايضة فجّة". انتقد غوش تبرير ترامب بأنّ الاتّفاق هو مكافأة لاعتراف الرباط بالولايات المتحدة سنة 1777 وأنّ الاتّفاق سيجلب السلام والازدهار للمنطقة. "السبب الحقيقيّ" الذي دفع المغرب للتطبيع هو الاعتراف الأميركيّ بسيادة الرباط على الصحراء وفقاً لرأيه.

لم يتوقّع غوش انضمام أيّ قوّة دوليّة إلى الاعتراف الأميركيّ ذاكراً إعلان الأمم المتّحدة أنّ موقفها "لم يتغيّر" من القضيّة، مضيفاً أنّ المغرب لن يستطيع الاعتماد على الدعم الديبلوماسيّ الأميركيّ أو الأمميّ أبعد من 20 يناير/كانون الثاني. ورجّح أيضاً استمرار مشاكل المغرب في الصحراء الغربيّة وازدياد حدّة الصراع "بشكل مؤكّد" مع جبهة "البوليساريو".


إيران حاضرة؟
لا شكّ في أنّ هذا الملفّ أدّى دوره في التوصّل إلى اتّفاق التطبيع. لكنّ إعطاءه البعد الأحاديّ قد يقلّل من أهمّيّة الأسباب السياسيّة الأخرى، وحتى من تداخل معطيات عدّة في ملفّ الصحراء الغربيّة تحديداً. وتناقض الوقائع والعوامل الأخرى المقارنة التي رسمها غوش بين اعتراف واشنطن بالصحراء الغربيّة كجزء من المغرب من جهة وقيام روسيا بضمّ القرم من جهة ثانية.

منذ 45 عاماً، انسحبت إسبانيا من الصحراء الغربيّة فأرسلت المغرب قوّاتها إلى المنطقة الأمر الذي أدّى إلى إطلاق "البوليساريو" صراعاً مسلّحاً ضدّها استمرّ حوالي 15 عاماً حتى انتهى بتوصّل الأمم المتّحدة إلى وقف لإطلاق النار سنة 1991. يتّهم المغرب الجزائر وحتى إيران بدعم المتمرّدين. في سنة 2018، أعلنت المملكة المغربيّة قطع علاقتها بطهران بسبب هذا الدعم، مشيرة إلى أنّ لديها معلومات موثّقة بأنّ "حزب الله" اللبنانيّ يدرّب عناصر من "البوليساريو". كما تحدّثت حينها عن "أدلّة ومعطيات وتواريخ تظهر تورّط عنصر واحد على الأقل بالسفارة الإيرانيّة في الجزائر في تنظيم كلّ هذه العمليّات أقلّه على مدى عامين". وتمتّع المغرب بعلاقات وطيدة مع الدول الخليجيّة، فقطع علاقاته بإيران سنة 2009 بسبب اتّهامه إيّاها بتقويض الحكم في البحرين، قبل أن يستأنفها في 2014 ثمّ يعيد قطعها بعد أربع سنوات.


"مرشّح طبيعيّ"
في تشرين الثاني الماضي، كتب نائب الرئيس البارز لـ "المجلس الأميركيّ للسياسة الخارجيّة" إيلان بيرمان مقال رأي في موقع "الحرّة" شرح كيفيّة استثمار المملكة المغربيّة مليارات الدولارات في تنمية الصحراء لتحسين دمج وتمكين السكان المحلّيين في المنطقة. وذكر أنّ "الصراع المجمّد" أحبط التنمية، وهو أمر قابل للتغيّر "عندما يبدأ التطبيع مع إسرائيل، إذا اقترنت الخطوة بالتزام الولايات المتحدة الاعتراف بالسيادة المغربية على المنطقة وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في المنطقة". وأضاف: "الأمر الحقيقي في هذا الصدد يكمن في مسار واحد: يتطلب الوضع السياسي الفريد للمغرب الحصول على ضمانات من الولايات المتحدة بشأن الصحراء الغربية قبل أي تحرك نحو التطبيع من جانب الرباط".

يقترب بيرمان من غوش في إعطاء الصحراء الغربيّة الدور الأساسيّ في عمليّة التطبيع. لكنّه لا ينظر إلى الخطوة الأميركيّة بسلبيّة لجهة توافقها مع القانون الدوليّ. علاوة على ذلك، يرى بيرمان أنّ العلاقات الثقافيّة (10% من الإسرائيليّين من أصول مغربيّة) والحوار القائم أصلاً بين الطرفين ودعم المغرب للتثقيف حول "الهولوكوست" عوامل تجعل المغرب "مرشّحاً طبيعيّاً للتطبيع".


مسار الاقتراب من المغرب
لكنّ آخرين يذهبون أبعد من ذلك على مستوى النظرة الدوليّة إلى ملفّ الصحراء الغربيّة. الكاتب والناشر المغربيّ والمستشار الدوليّ لـ "مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية" أحمد شراعي رأى أنّ الاعتراف الأميركيّ بسيادة المغرب على الصحراء الغربيّة لم يكن معدِّلاً في قواعد اللعبة، وأنّ تضمينه في اتّفاق التطبيع لم يجعله عرضاً لا يمكن رفضه. وكتب في موقع "ناشونال إنترست" أنّ القوى الكبرى كانت تقترب من موقف المغرب حول الصحراء منذ سنة 2006 حين اقترحت المملكة خطّة إعطاء سكّان الأرض المتنازع عليها استقلالاً ذاتيّاً ضمن إطار السيادة المغربيّة، حيث وصفتها بروكسل والأمم المتّحدة بـ "الجدية وذات الصدقيّة". وأضاف أنّ روسيا والصين، حليفتي الداعم الأساسيّ للبوليساريو أي الجزائر، أعربتا عن اهتمامهما بحلّ سياسيّ يستند إلى المقترح المغربيّ.


الجانب العسكري
إضافة إلى الاعتبارات السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة التي ساهمت في إنجاح التطبيع، وكذلك في تسريع الاعتراف بالسيادة المغربيّة على الصحراء الغربيّة، قد يفرض العامل العسكريّ نفسه على المعادلة الجديدة. في 2016، ذكر "معهد ستراتفور" الأميركيّ كيف أخذ التوازن العسكريّ بين المغرب والجزائر يختلّ لصالح الثانية. بالتالي، إنّ انضمام المغرب إلى مسار التطبيع يعزّز قدراته العسكريّة ويوثّق روابطه بواشنطن. ويبدو أنّ المغرب بدأ يقطف ثمار التطبيع عسكريّاً إذ نقلت "رويترز" منذ يومين عن مصادر مطّلعة أنّ إدارة ترامب أرسلت إخطاراً للكونغرس بنيّتها بيع طائرات مسيّرة وأسلحة دقيقة موجّهة بقيمة مليار دولار للمغرب.

تُظهر معادلة التطبيع المغربيّة-الإسرائيليّة أنّ الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربيّة هو أحد العناصر المهمّة التي حكمت المعادلة. لكنّ المبالغة قد تكمن في ادّعاء أنّه لولا التطبيع لما اعترفت واشنطن بالسيادة المغربيّة على الصحراء الغربيّة في المستقبل. كلّ ما فعله التطبيع، على الأرجح، هو أنّه سرّع المسار. فبالنسبة إلى شراعي على الأقلّ، "إنّ مصطلح ‘حتميّ" قد يصف الاعتراف الأميركيّ بالصحراء الغربيّة بشكل أكثر ملاءمة من (وصفه) الاتّفاق المغربيّ – الإسرائيليّ نفسه".



الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم