إعلان

الجزائر في عام: أزمتان دبلوماسيتان ومحطتان انتخابيتان وآمال مُعلقة

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
حريق بمنطقة القبائل في الجزائر.(رويترز
حريق بمنطقة القبائل في الجزائر.(رويترز
A+ A-
عام استثنائي شهدته الجزائر يختصر في ثلاث كلمات "صدمات"، "أزمات" و"انتخابات"، لا تشكل فيه القافية أهمية وإنما المغزى في ما تحمله هذه المصطلحات من أحداث سياسية ودبلوماسية، اقتصادية واجتماعية تتزامن مع مضي السلطة في ترتيب البيت الداخلي بعد حراك شعبي عارم طالب بالتغيير وتعهد الرئيس عبدالمجيد تبّون تجسيده من خلال 54 عهداً قطعها على نفسه عقب وصوله الى الحكم خلفاً للراحل عبدالعزيز بوتفليقة.
 
قَطع الحَبل الدبلوماسي مع المغرب
زخرت سنة 2021 بالأحداث، كان أبرزها قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجار المغرب، في تطور سياسي ودبلوماسي غير متوقع على الصعيدين العربي والدولي أثار الكثير من الجدل والنقاشات والتحليلات. والأكيد أنّ هذا الملف لن يُطوى غداً في أعقاب القرارات والتصريحات التي لحقته.
 
في الرابع والعشرين من شهر آب (أغسطس)، تلوّن شريط القنوات التلفزيونية بـالـ"عاجل"، مُباشرة بعدما جمَع وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة صحافيين في مؤتمر إعلامي في العاصمة الجزائر، وأبلغهم أن بلاده قرّرت قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، بسبب ما اعتبره "سِلسلة مَواقف وتوجّهات عدائية" ضدّها من جانب المسؤولين في الرباط.
 
قرار الجزائر جاء عقب تصريحات لمندوب المغرب لدى الأمم المتحدة "تعدى فيها على سيادة الجزائر"، بحديثه عن دعم استقلال منطقة القبائل في الجزائر، كما قال لعمامرة. وما أثار غضب السلطات الجزائرية هو "صمت النظام المغربي الذي عكس بوضوح الدعم السياسي لهذا الفعل" كما قرأته الجزائر. وتبعَ قطع العلاقات، غلق المجال الجوّي الجزائري على كل الطائرات المدنية والعسكرية المغربية، وغلق السفارة المغربية في الجزائر.
 
رسائل لإسرائيل
وتعتقد الجزائر أنّ الرباط باتت تشكل قاعدة خلفية لدعم سلسلة الاعتداءات الخطيرة ضدها، وذلك منذ تقاربها مع تل أبيب وتطبيع العلاقات الثنائية بينهما وما نتج منها من إبرام صفقات وعقود في مجالات عدة منها العسكرية وزيارات مسؤولين إسرائيليين لم يفوتوا الفرصة لمهاجمة الجزائر بمجرد حلولهم في الرباط.
 
"الاتهامات الباطلة" - كما وصفتها الجزائر - التي كالها ضدها وزير خارجية إسرائيل يائير لابيد، في حضور نظيره المغربي وبتحريض منه، عندما أعرب عن قلقه من "دور الجزائر في المنطقة وتقاربها الكبير مع إيران"، عمقت من شرخ الأزمة، وأثارت حفيظة الجزائر التي قالت إنّها مطالبة بحماية أمنها القومي. 
 
تخوفات من الحرب
توقع خبراء ومراقبون أن يلجأ المغرب إلى ترميم العلاقات من طريق تبني خطوات عملية لتهدئة الوضع، لكن وقع ما لم يكن في الحسبان، وبلغ التوتر ذروته عقب مقتل ثلاثة جزائريين في "قصف همجي" لشاحناتهم أثناء تنقلهم على المحور الرابط بين العاصمة الموريتانية نواكشوط ومحافظة ورقلة جنوب شرقي الجزائر، واتهمت الأخيرة القوات المغربية في الصحراء الغربية بـ"ارتكاب هذا الاغتيال الجبان بواسطة سلاح متطور"، وقالت إنّ اغتيالهم الذي تزامن مع احتفالية الشعب الجزائري بالذكرى الـ 67 لاندلاع ثورة التحرير في الفاتح من تشرين الثاني (نوفمبر) "لن يمضي من دُون عقاب".
 
هذه الحادثة جعلت مراقبين للشأن السياسي والعلاقات الدولية، يتوقعون إمكان حصول مواجهة عسكرية، بيد أن الجزائر اختارت القنوات الدبلوماسية للرد، اذ أشار لعمامرة إلى مراسلته هيئات دولية وإقليمية بخصوص الاعتداء.
 
صيف حارق وجريمة نكراء
وفي التاسع من شهر آب (أغسطس) غيرت الحرائق المشتعلة في الجزائر مجرى الأحداث، وعوض أن يستمتع جزائريون بعطلة الصيف في الشواطئ، وجدوا أنفسهم في أعالي الجبال لإخماد سلسلة حرائق غير مسبوقة اجتاحت ولايات شمالية عديدة، وخلفت عشرات الضحايا بين مدنين وعسكريين وتفحم الغطاء النباتي وإتلاف آلاف الهكتارات من الأشجار المثمرة غالبيتها من أشجار الزيتون في تيزي وزو، إضافة إلى نفوق رؤوس الماشية ومحاصرة القرى، وبدأت أولى الحرائق الكبيرة في ولاية تيزي وزو (شرق العاصمة).
 
 
 
وعلى قدر هول الحرائق، كانت الهبة التضامنية ضخمة من المواطنين لإخماد النيران، ومساعدة المنكوبين وإيوائهم، إذ تحولت الأماكن المتضررة من الحرائق، إلى محج لقوافل المساعدة من شتى المدن الجزائرية، بتوفير الأكل وماء الشرب للعائلات التي غادرت منازلها وفتحت المقاهي والمحلات أبوابها رغم الحجر الصحي، لإيواء الهاربين من ألسنة اللهب.
 
صورة التلاحم، أزعجت البعض على ما يبدو، فوقعت في الحادي عشر من آب (أغسطس)، أبشع جريمة راح ضحيتها شاب ثلاثيني يُدعى جمال بن إسماعيل. لم يُصدق الشارع الجزائري مَقاطع الفيديو والصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تُظهر أشخاصاً في بلدية "الأربعاء ناث إيراثن" في ولاية تيزي وزو، وهم يحرقون شاباً حَيّاً بزعم أنهم أمسكوا به وهو بصدد إشعال النار في الغابة. وخلفت الواقعة صدمة وجدلاً بين الجزائريين، وتبين لاحقاً أن الشاب بريء من التهمة، وأنه كان قد توجه من مدينته مليانة في ولاية عين الدفلى إلى تيزي وزو، لمساعدة الأهالي المتضررين من حرائق الغابات.
 
 
 
 
أثارت الحادثة غضب الجزائريين، لكن والد الضحية، سارع لإخماد نار الفتنة من خلال التصريح بأنّ من ارتكبوا تلك الجريمة، لا يمثلون أبناء المنطقة، وتم القبض على مرتكبيها، وهم حالياً يقبعون في السجن، بانتظار محاكمتهم.
 
وقالت الحكومة الجزائرية إن الحرائق "مفتعلة" ووصفها الرئيس تبّون بـ "الكارثية". واتهم المجلس الأعلى للأمن، في 18 من الشهر نفسه، حركتي "ماك" و"رشاد" (ذات توجه إسلامي)، المصنفتين إرهابيتين في شهر أيار (مايو) 2021، بالتسبب بحرائق غابات طاولت ولايات شمال البلاد.
 
و"ماك" حركة ذات توجه انفصالي تأسست عام 2002، ويرأسها المغني فرحات مهني، الموجود في فرنسا مع معظم قادتها وصدرت في حقه مذكرات توقيف دولية، وتطالب الحركة باستقلال محافظات يقطنها أمازيغ شرق الجزائر، وأعلنت في 2010 تشكيل حكومة موقتة لهذه المنطقة.
 
وهنا استندت الخارجية الجزائرية في قطع العلاقات الدبلوماسية، إلى مسبب آخر وهو تعاون قالت إنّه "موثق" للمملكة (المغربية) مع منظمتين تصنفهما الجزائر إرهابيتين وهما: ماك (الحركة من أجل استقلال القبائل) ورشاد (توجه إسلامي)، واللتان ثبت تورطهما في حرائق الجزائر (يقصد الغابات)، وهو ما ذهبت إليه السلطات.
 
 أزمتا مياه وأوكسجين
ولأن المصائب لا تأتي فرادى كما يُقال، جاءت الحرائق متزامنة مع انتشار الموجة الثالثة من فيروس كورونا (كوفيد 19) التي خلفت عدداً كبيراً من الضحايا، بسبب نقص في مكثفات الأوكسجين، ما أدى إلى اكتظاظ في المستشفيات. وبات الحصول على مكثفات الأوكسجين أمراً صعباً، وسط تزايد عدد الإصابات و"ازدهار" التجارة الموازية إذ فرض "سماسرة الأزمات" منطقهم ما زاد من معاناة المصابين وعائلاتهم.
 
 
 
إضافة إلى ذلك، عاشت الجزائر أزمة في التزود بالمياه الصالحة للشرب بسبب التغيرات المناخية الحاصلة في العالم وارتفاع الحرارة وضعف تساقط الأمطار وكذلك التلوث الصناعي. ويستهلك الجزائريون سنوياً ما بين 3.6 إلى 4 مليارات متر مكعب، 30 في المئة منها تأتي من السدود، فيما تأتي البقية من الآبار ومحطات تحلية مياه البحر، وفق إحصاءات رسمية.
 
تزامن ذلك مع موجة غلاء في أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات والخضر والفواكه، وهو ما أدى إلى تدني المستوى المعيشي للمواطنين في ظل تدهور في قيمة الدينار/ العملة المحلية.
 
صدام مع باريس وتودُّد فرنسي
لم تتوقف الأحداث، إذ ساءت العلاقات الجزائرية - الفرنسية هي الأخرى، ونتجت منها أزمة دبلوماسية حادة منذ شهر أيلول (سبتمبر)، إثر تقليص باريس حصة التأشيرات الممنوحة للجزائريين، بذريعة عدم تعاون الجزائر في إعادة مهاجريها غير النظاميين. وردت الجزائر باستدعاء سفير باريس لديها للاحتجاج على القرار الفرنسي الذي وصفته بأنه "يقوض الجهود الثنائية للتصدي للهجرة غير النظامية".
 
ومطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تأزمت العلاقات أكثر بعد تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، شكك من خلالها في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي. لترُد الجزائر باستدعاء سفيرها في باريس عنتر داود "من أجل التشاور"، ومنعت تحليق الطائرات الحربية الفرنسية المشاركة في عمليات عسكرية في منطقة الساحل الإفريقي فوق اراضيها.
 
 
ورفض الرئيس الجزائري في السياق الاستجابة لدعوة الرئيس ماكرون المشاركة في مؤتمر باريس حول ليبيا، وأوفد بدلاً منه وزير الخارجية لعمامرة، كما رفض الرد على اتصالات هاتفية من الرئيس ماكرون، وفقاً لما نشرته صحف فرنسية. واشترطت الجزائر لإعادة تطبيع العلاقات إعلان باريس التزامات بشأن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، أو التعليق على قضايا تخص الداخل الجزائري.
 
وفي محاولة لترميم ما أفسدته تصريحات ماكرون، أوفدت فرنسا وزير خارجيتها جان إيف لودريان إلى الجزائر في زيارة مفاجئة، وتباحث لودريان مع نظيره لعمامرة، كما استقبله  الرئيس عبد المجيد تبون، وتمنى الدبلوماسي الفرنسي "أن يفضي الحوار إلى استئناف المبادلات السياسية بين حكومتينا في 2022"، وسط صمت جزائري على مضمون المباحثات وأجندة الزيارة ومن دون تأكيد أو نفي جزائري لحصول اتفاق.
 
نقطة ضوء في العلاقات
بقدر ما كانت العلاقات متوترة مع الرباط وباريس، إلا أنّها شهدت تقارباً غير مسبوق بين الجزائر وتونس، وذلك من خلال تبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين، ورفع درجة التنسيق، مع تصريحات لفتح آفاق واعدة للتعاون وتمنيات بأن تشهد العلاقات الثنائية زخماً جديداً لمواجهات التحديات المشتركة، إذ عبرت الجزائر عن "وقوفها مع تونس ضد أي تدخل خارجي لفرض خيارات عليها".
 
 
محطتان انتخابيتان
وإن سيطر الشق الدبلوماسي على عام 2021، ارتكزت السياسة الداخلية على محطتين انتخابيتين، الأولى الاستحقاقات البرلمانية والثانية لتجديد المجالس المحلية الولائية والبلدية، واللتين تمخضتا عن إعادة تشكيل مشهد سياسي، بالقوى الموالية للسلطة مع تشكيلات ذات توجّه إسلامي وكتلة المستقلين، فيما لا يزال صوت المعارضة خَافتاً، في ظل دعوات الى وقف الغلق على المجالين السياسي والإعلامي، وتحسين الواقع الحقوقي من خلال إطلاق سراح المعتقلين الذين شاركوا في مسيرات الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 شباط (فبراير) 2019 وتوقف في آذار (مارس) 2021.
 
كما لا تزال الآمال معلقة على قلاع اقتصادي وتنموي، يسهم في خلق فرص شغل للشباب، لعلها تُنهي أو على الأقل تقلّص موجة الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، بالإضافة إلى تحسين الواقع الاجتماعي لبلد ينعمُ بثروات لم تُستغل بعد.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم