إعلان

هل يؤذن تقرير المحاسبات بتغيير المشهد السياسي في تونس؟

المصدر: النهار العربي
كوثر زنطور
من الانتخابات التشريعية التونسية 2019
من الانتخابات التشريعية التونسية 2019
A+ A-
فتح التقرير الصادر عن محكمة المحاسبات حول الانتخابات التشريعية والرئاسية التونسية لسنة 2019 الباب أمام انطلاق مسار الطعن في نتائجها، بما يعني، استناداً الى قراءات عدد من القضاة، إمكانية حدوث تغييرات جذرية في المشهد السياسي التونسي.
 
يتعلق الأمر تحديداً بالمخالفات الجسيمة التي كشفها التقرير والتي يرتقي جزء كبير منها الى مرتبة الجرائم الانتخابية الخطيرة التي تمسّ بشفافية العملية الانتخابية، وهو ما جعل المحكمة تصل الى حد وصف الانتخابات بغير الشفافة استناداً الى انحرافات عدة، أبرزها على الإطلاق تدفق المال الأجنبي.
 
هذه المخالفات أو الجرائم في انتظار فصل القضاء فيها، تتعلق أساساً بحزبين فازا في الانتخابات التشريعية وحلّا في المرتبتين الأولى والثانية، وهما توالياً: حركة النهضة الإسلامية وحزب قلب تونس، اللذين يقول التقرير إنهما ملاحقان بشبهة توقيع عقد مع شركتين اجنبيتين للدعاية في الخارج، بأموال غير شرعية.
 
من هنا، انطلق الحديث، وهذه المرة على لسان عدد من القضاة، من بينهم قضاة بالمحكمة ذاتها، عن الفصل 163 من القانون الانتخابي التونسي الذي يقول نصه: "يفقد أعضاء القائمة التي تحظى بالتمويل الأجنبي عضويتهم في المجلس المنتخب، ويعاقب المترشح لرئاسة الجمهورية المتمتع بالتمويل الأجنبي بالسجن لمدة خمس سنوات، ويُحرم كل من أدين بالحصول على تمويل أجنبي لحملته الانتخابية من أعضاء لوائح أو مرشحين، من الترشح إلى الانتخابات لمدة خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم بالإدانة".
 
الجرائم التي كشفتها المحكمة تضع بوضوح نواباً ومرشحين سابقين للانتخابات الرئاسية، منهم اليوم فاعلون في صياغة القرار الوطني، أمام إمكانية صدور أحكام قضائية تبعدهم عن الساحة لسنوات، بل وتنزع عنهم الشرعية البرلمانية، ولنا أن نذكّر بأن المحكمة ذكّرت بوجود تمويل غير شرعي وشبهات تحايل وتبييض أموال.
 
يعني ذلك أن الديموقراطية التونسية الناشئة، بحسب تقرير محكمة المحاسبات، ملوثة بالمال السياسي الفاسد والتمويل الأجنبي المشبوه. ولم يكن المتنافسون في السباق الانتخابي لسنة 2019 على قدم المساواة نفسها، ورُجحت فيها الكفة لأصحاب النفوذ المالي والإعلامي، وأيضاً للمتحكمين بمواقع التواصل الاجتماعي، باعتبار أن التقرير أكد أن موقع "فيسبوك" ساهم في التأثير السلبي على إرادة الناخبين وتوجيهها بتمويلات مشبوهة عجزت المحكمة عن رصدها.
 
فمنذ أشهر، فوجئ المتابعون للشأن السياسي التونسي، بتقارير كشفت عن وجود مليون حساب "فيسبوك" خلال انتخابات 2019 تبخرت مباشرة بعد هذا الاستحقاق، وشارك معظمها، وفق ما أكد الدكتور في الأنثروبولوجيا والمتخصص في الخطاب السياسي كريم بوزويتة، أنها ساهمت في حملة رئيس الجمهورية قيس سعيد، لافتاً الى أن الانتخابات الأخيرة أسست لما سماه بـ"الديكتاتورية الخوارزمية".
 
هذا الأمر يحيل الى تساؤلات رافقت حملة قيس سعيد الموصوف في تونس بـ"الرجل اللغز"، حول سر صعوده في انتخابات رئاسة 2019 من دون حملة انتخابية تقريباً، إذ إن تقرير المحكمة أبرز أن صوت الناخب الواحد بالنسبة إلى هذا المرشح يساوي 30 مليماً، أي أقل من سنت أميركي، مقابل تأكيد التقرير أنه من أكثر المرشحين بل أكثر من استعمل "فيسبوك" بصفحات تقدر بـ85 صفحة تمت إدارتها عبر 4 قارات (أميركا وأوروبا وآسيا وأفريقيا).
 
ما بعد التقرير هو الأهم بالنسبة إلى أكثر الفاعلين في تونس، من قانونيين وسياسيين وناشطين في المجتمع المدني ونقابيين، وانطلقت فعلاً تحركات على هذا الأساس بتقديم أحزاب وشخصيات وطنية طعناً في نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية، وبروز أصوات نبرتها مرتفعة من قضاة يدعون الى التسريع في المسار القضائي بعد إحالة التقرير من المحكمة الى الجهات المختصة للبتّ فيها.
 
ويمكن فهم هذا الحراك غير المسبوق، بمخاوف من أن يلقى تقرير انتخابات 2019 بما تضمن من مخالفات خطيرة تمسّ بنزاهتها وشفافيتها، مصير التقارير السابقة لانتخابات 2011 و2014 التي لم تظهر نتائجها، وتحصّن من هم محل شبهات وارتكاب جرائم انتخابية بمواقعهم، والإفلات من العقاب مع إعادة الكرّة في المواعيد الانتخابية اللاحقة.
 
علاوة على هذه المخاوف، طُرحت في تونس تساؤلات حول "الديموقراطية التونسية" وشرعية المؤسسات المنبثقة عن انتخابات 2019، خصوصاً البرلمان، فهناك كثر يقولون اليوم إننا في ديموقراطية شكلية، وانتخابات يفوز فيها أصحاب النفوذ الإعلامي والمالي وهيئات وأجهزة دولة عاجزة عن الفعل الرقابي، وفاسدون ومتحايلون أصبحوا نواباً ومن كبار المؤثرين في صناعة القرار.
 
لكن مع موجات الاستنكار والدعوات للتسريع بالمحاسبة وإنفاذ القانون، هناك تأكيد أيضاً أن تونس تبقى برغم المخالفات، استثناءً عربياً بالنظر الى النقاشات التي تدور حول الانتخابات وما شابها من تجاوزات تصوّب على كبار الفاعلين اليوم، بمن فيهم رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان والأحزاب الحاكمة، وهذا في حد ذاته مسألة فريدة في تونس مقارنة بمحيطها الإقليمي والعربي، في دولة تقدم فيها محكمة مختصة تقاريرها الرقابية بكل استقلالية وفقاً لمبادئ الشرعية والنجاعة والشفافية والمساءلة.
 
أما تداعيات التقرير، فقد تكون بداية تغييرات جذرية في المشهد السياسي التونسي، بسقوط قوائم أحزاب مشتبه في حصولها على تمويلات أجنبية، منها النهضة وقلب تونس، اللذان لهما مجتمعَان ما يقارب 90 نائباً (برلمان تونس يضم 217 نائباً) وقد تبعد القيادات الكبرى لحزبيهما من إمكانية الترشح في الاستحقاقات المقبلة، بمن فيهم رئيس البرلمان راشد الغنوشي الذي تقول قيادات من حزبه إنه يعتزم الترشح لرئاسة 2024.
 
وبرغم استخفاف "بعض" المشمولين بشبهات ارتكاب جرائم انتخابية خطيرة، انطلاقاً من نظرية "القضاء مضمون" والذي لا يزال عديدون يؤكدون أنه (القضاء) سلطة أحزاب بعينها على غرار النهضة، فإن رئيس الجمهورية قيس سعيد يُقدم كـ"صمام أمان" لعدم إسقاط هذا التقرير ومتابعة مساره القضائي والأحكام الصادرة وتنفيذها في الواقع السياسي، أي مغادرة نواب من البرلمان وحرمان شخصيات سياسية من الترشح لمدة 5 سنوات على الأقل.
 
كثيرون يعوّلون على رئيس الجمهورية، أو "الرئيس المعارض"، باعتباره الخصم الأول لأكثر المعنيين بهذا التقرير أي النهضة الإسلامية وحليفها قلب تونس... ومتابعة الرئيس سعيد وتمسكه بالمتابعة القضائية ومنع إسقاط هذا التقرير أو تعطيله في القضاء أو التلاعب به، سيكون بداية تغيير شامل في المشهد السياسي، بحسب القاضي محمد العيادي مثلاً، لكن ما يربك فعلاً هو أن الرئيس سعيد نفسه سيكون محل تقاضٍ من قبل حزب قلب تونس الذي يقول إن لديه معلومات تؤكد حصوله خلال الانتخابات الرئاسية على 40 مليون دينار تونسي (ما يعادل 13 مليون دولار) كتمويل لصفحات فيسبوكية ساندته في حملته.
 
الكل يستنكر ما تضمن التقرير ويطالب بالمحاسبة التي تعني مثلما أشرنا تغييراً شاملاً... والكل أيضاً يؤكد براءته من ارتكاب أي مخالفات أو الحصول على تمويلات...
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم