إعلان

إستفتاء الدستور الجزائري: جماعة بوتفليقة "يتسلّلون" والإسلاميون منقسمون

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
تجاذب حول التعديلات الدستورية
تجاذب حول التعديلات الدستورية
A+ A-
 
 قبل أقل من شهر على موعد الاستفتاء على تعديل الدستور في الجزائر، يبدو قطاع واسع من الجزائريين غير "مُتحمّس" للحملة التي تستمر إلى 28 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، لأسباب عدة، أبرزها ما تضمنه التعديل من مواد تبقى محل خلاف، بالإضافة إلى إسراع السلطة في تمرير الدستور الجديد على البرلمان من دون مناقشة سياسية حقيقية، تُراعي تنوع المواقف والرؤى.

وعلى خلاف انتخابات الرئاسة التي جاءت نهاية العام الماضي ضمن سياق احتجاجي عارم توّجته تجمعات الحراك الشعبي (22 شباط/فبراير 2019)، وأدى إلى استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتأجيل الانتخابات مرتين، يأتي الاستفتاء المطروح في خضمّ أزمة صحية وبائية وانقسام حاد في الطبقة السياسية.

عودة أنصار بوتفليقة


بناءً على هذا الواقع، رفعت عودة الأحزاب القديمة الداعمة لنظام بوتفليقة، من منسوب شكوك المعارضين، بعدما تصدّرت التشكيلات السياسية الواجهة بدعوتها الجزائريين الى ضرورة التصويت بـ"نعم" على الدستور المعدل.

ونشطت الأحزاب الأربعة (جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديموقراطي، تجمع أمل الجزائر، الحركة الشعبية الجزائرية) التي شكّلت في حقبة حكم بوتفليقة تحالفاً رئاسياً، وأقامت تجمعات دعائية في مناطق عدة للترويج لوثيقة الدستور.

وعلى سبيل المثال، وجد حزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم سابقاً، والحائز معظم المقاعد في البرلمان والمجالس المنتخبة، في الاستفتاء، فرصة كبيرة لاستعادة سمعته الشعبية، بعدما ارتفعت أصوات بإحالته على المتحف في الحراك الشعبي.

تعليقاً على هذه العودة، كتب المحلل السياسي حسين بولحية، في تدوينة له على موقعه الشخصي "فيسبوك": "عادت حليمة لعادتها القديمة..! نفس الوجوه التي كان الشعب يتقيأ عندما يراها في التلفزيون وتم إبعادها من تصدر المشهد بعد حراك 22 شباط (فبراير) 2019 ولمدة أكثر من سنة، عادت إلى الظهور مجدداً من خلال شاشات التلفزة العمومية والقنوات الخاصة. لقد أعيد بعثهم من جديد ليتصدروا مشهد الترويج لتعديل الدستور من خلال خطابات استفزازية".
 
إضافة إلى هذه الأحزاب المساندة، منحت السلطة صلاحيات واسعة للجمعيات الوطنية والتنظيمات المدنية أو ما يُعرف بـ"المجتمع المدني"، لدعمها في الترويج للاستفتاء الشعبي وتسهيل طريقها لتأسيس خريطة سياسية، يقول المعارضون إنّ هناك نية في إقصائهم منها، لأن مواقفهم تتعارض مع التوجهات الحالية للسلطة وتنتقدها.

 التعديل يقسّم الإسلاميين


تداعيات الوثيقة الدستورية ظهرت جلياً على الأحزاب ذات التوجه الإسلامي، إذ أعلنت "حركة مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، انخراطها في حملة الترويج بـ"لا" على مشروع تعديل الدستور، بداعي أن الوثيقة ليست توافقية وتخدم من وصفته بالتيار العلماني، الذي لم يُشارك في مشاورات الدستور، إلا أنّه استطاع فرض أهدافه وتوجهاته.

ووفق تصريحات رئيسها عبد الرزاق مقري، فإنّ التعديل الدستوري يخفي جوانب غير بريئة في مواده، منها التي تريد أن تجعل المدرسة والمسجد بعيدين عن هوية الشعب، وعدم اعتماد الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع. وتتلاقى هذه التصريحات مع ما قاله عبد الله جاب الله رئيس "جبهة العدالة والتنمية" من أن "هذا المشروع لا يحتاج لأن يصادق عليه المواطنون ويجب أن يتوقف اليوم قبل الغد".

ويرى جاب الله أنّ مشروع الدستور "يُشكل خطراً حقيقياً على وحدة الأمة، ويؤسس لجزائر تتنكر لدينها ولغتها وتاريخها، فهو دستور يخدم تياراً واحداً في البلد هو التيار العلماني الاستئصالي الذي يتبنى العلمانية في المفاهيم الفرنسية، لأن العلمانية الفرنسية أسوأ من العلمانية الأنغلوساكسونية".

ويرفض الإسلاميون تكريس النظام شبه الرئاسي، لكونهم يتبنون النظام البرلماني، كما ينتقدون عدم الفصل الحقيقي بين السلطات ومنح الرئيس صلاحيات واسعة يصفونها بالملكيّة في ظل غياب آلية قانونية للمساءلة.

في الجهة المقابلة، تخالف "حركة البناء الوطني الإسلامي"، التي يترأس أحد قيادييها البرلمان الجزائري، مكوّنات التيار الإسلامي، بإعلانها التصويت بـ"نعم" على التعديل الدستوري، ودفاعها المستميت عن بنوده. وقال رئيسها عبد القادر بن قرينة، وهو أحد منافسي عبد المجيد تبون في الانتخابات الرئاسية، إنّ القرار جاء "حماية لمسار التحول الوطني في ظل استمرار الدولة الوطنية".

وذهب بن قرينة الى حد التهديد بالانسحاب من الحياة السياسية في حال التصويت بـ"لا" على الوثيقة، وبدا خطابه مناقضاً لمواقف الأحزاب الإسلامية الأخرى، إذ اعتبر أنّ "للثوابت وهوية الشعب مكانة مهمة، والمشروع جاء لحمايتهما من التلاعبات الداخلية والضغوط الخارجية".

وينتقد الإسلاميون كثيراً الفقرة الثالثة من المادة 51 التي تنص على أنّ "الدولة تحمي المسجد من أي تأثير سياسي أو إيديولوجي"، وهو ما تحفظت عنه أيضاً جمعية العلماء المسلمين (أكبر تجمع للدعاة في الجزائر) التي ترى بعض المواد "بمثابة ألغام تمسّ بالهوية الوطنية، ومكانة الإسلام والغموض في موضوع حرية العبادة، وعدم ضبط ما يتعلق بالوحدة الوطنية، وأيضاً ما يتصل باللغة".

ويرفض الإسلاميون الفقرة الأولى من المادة 71، التي تنص على أن "الأسرة تحظى بحماية الدولة"، إذ ينتقدون إسقاط دور المجتمع في حماية الأسرة والإبقاء على دور الدولة فقط. وإضافة إلى ذلك، يوجهون انتقادات لخلوّ المشروع من نص صريح حول اعتماد الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع.

 مواقف الأحزاب الإسلامية أثارت ردود فعل، بين من شكّك في نياتها في التصويت بـ"لا"، إذ كتب الأستاذ في العلوم السياسية محمد هناد في تدوينة له أنّ "الأحزاب الإسلامية الكبرى يدعون مناضلي أحزابهم إلى التصويت بـ"لا" في الاستفتاء بحجة أن مشروع الدستور كان من وضع التيار "التغريبي العلماني" حسب قولهم"، متسائلاً: "تُرى، لماذا لم يدعوا إلى الامتناع عن التصويت أصلاً"؟ ليُضيف:" أليس موقفهم هذا مجرد نفاق ما دامت نتيجة الاستفتاء معروفة مسبقاً. مشاركة الأحزاب الإسلامية الرئيسة في الاستفتاء ستكون بمثابة التزكية له، بمقابل لا شك، ثم أليس من النفاق أن يقرر الإسلاميون المشاركة في استفتاء تدعمه، بكل قوة، الأحزاب الممقوتة، ألا وهي أحزاب التحالف الرئاسي في زمن الرئيس المخلوع؟".

وذهب محمد هناد إلى الاعتقاد أنّ "السلطة والإسلاميين أضحى يربطهم حلف تاريخي ضد كل تطلع نحو بناء نظام اجتماعي سياسي يتفق وشروط العصر".

رمزية التاريخ.. استغلال أم احتفال؟

ليس وحده المحتوى ما يُثير العديد من النقاشات، فموعد الاستفتاء وربطه بذكرى تاريخية أثار العديد من النقاشات التي شكّكت في نيات السلطة في استغلال ذكرى تاريخية سياسياً، بالنظر إلى أن اختيار يوم عيد وطني لإجراء استفتاء أو انتخابات، يُعدّ سابقة أولى في تاريخ الجزائر.

ووفق أجندة السلطة، سيكون الفاتح من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، المُصادف الذكرى الـ66 لاندلاع ثورة التحرير على المستعمر الفرنسي (1954-1962) يوماً مليئاً بالأحداث السياسية، بداية بطرح تعديل الدستور على الاستفتاء، مروراً بتدشين ثالث أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين، إلى توزيع سكنات اجتماعية على الفئات الهشة، في عملية أعادت للأذهان عملية الاستغلال السياسي لأزمة السكن في البلاد.

ضمن هذا السياق، تقول البرلمانية فاطمة سعدي لـ"النهار العربي" إنّ "الحكومة معتادة على توزيع السكنات التي تتزامن في الغالب مع أعياد وطنية أو دينية، ويمكن قراءتها على نحو تريد من خلاله الحكومة التأكيد أن الجزائر وفية لبيان أول تشرين الثاني (نوفمبر) وستبقى دولة اجتماعية"، إذ تقدّم تسهيلات في السداد تراعي مستوى المعيشة في البلاد.

وتعتقد سعدي أنّ "ربط الاستفتاء بتاريخ تشرين الثاني (نوفمبر) قد يكون رسالة بأنّ الجزائر ستكون في هذا الموعد مع التغيير، ومعالم هذا التغيير هي التعديل الدستوري الذي يمسّ جوانب متعددة، كما كان أول تشرين الثاني (نوفمبر) 54 موعداً حقيقياً لتغيير مصير الجزائر".

وهو ما يذهب إليه المحلل السياسي سليمان أعراج، الذي يستبعد إمكان "استغلال ذكرى تاريخية وهي اندلاع ثورة التحرير لتمرير حدث سياسي"، مشيراً إلى أنّ "تشرين سيبقى مرجعية الدولة الجزائرية، ومن حق الجزائريين الاحتفال به، سواء من هم في السلطة أم في المعارضة".

وقال لـ"النهار العربي" إنّه "يجب عدم النظر إلى الدستور على أنه دستور نظام أو أشخاص، بل دستور دولة. وإذا أردنا إحداث قطيعة مع نظام الحكم السابق، فإن أول خطوة تكون بتعديل الدستور، لأن الدستور السابق الذي وضعه عبد العزيز بوتفليقة هو من أنتج لنا واقعاً سياسياً معيناً، وبالتالي فإن الجميع مطالب بقراءة الدستور قراءة موضوعية لضمان استقرار الدولة واستمراريتها".

وتحظى وثيقة تعديل الدستور بدعم من المؤسسة العسكرية، وهو ما عبّر عنه رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق السعيد شنقريحة، بقوله إنّ "الاستفتاء الشعبي على مشروع تعديل الدستور المقرر مطلع نوفمبر المقبل، سيكون من دون شك يوم انتصار آخر للشعب الجزائري".

 إلى ذلك، يعتبر الرئيس عبد المجيد تبون أنّ تزكية الشعب للتعديل الدستوري ستُمكن من "وضع أسس الجزائر الجديدة".

نقاش محتدم حول الحريات

وفيما تنشغل السلطة بالاستفتاء الشعبي، يحتدم النقاش على الجهة الموازية حول واقع الحريات الفردية والجماعية في البلاد، إذ يقول سياسيون ومحامون إنّ الاستمرار في الغلق الإعلامي وحملة الاعتقالات التي طاولت نشطاء لا يعكس إرادة سياسية لتحقيق التغيير.

ويستندُ هؤلاء في طرحهم إلى حملة الاعتقالات التي طاولت قبل أيام نشطاء من الحراك خلال تنظيم مسيرات مناهضة للسلطة في عدد من الولايات، ورفض الجهات القضائية الإفراج عن عشرات المساجين الذين وجهت لهم تُهم ترتكز في معظمها على "المساس بالوحدة الوطنية" و"التحريض على التجمهر".

وأثار، أخيراً، الحكم على الناشط ياسين مباركي، بالسجن 10 سنوات بعد إدانته بتهمة "التحريض على الإلحاد والمساس بالمعلوم من الدين"، الكثير من الجدل، إذ عبر سعيد صالحي عن صدمته "لهذا الحكم القاسي في حق مواطن اكتفى بالتعبير عن رأيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي". وشدد  الحقوقي على أنّ "القضية تندرج في إطار حرية المعتقد والتعبير" مطالباً بإلغاء المحاكمة والإفراج عن مباركي وإسقاط الملاحقات في حقه.

 وفي السياق، نظمت قوى "البديل الديموقراطي"، يوماً مفتوحاً خُصص للحديث عن التعددية الحزبية وواقع الحريات، وطالب المشاركون في اللائحة النهائية بـ"الإفراج الفوري وغير المشروط عن الموقوفين في جرائم الرأي، وإنهاء الإجراءات القانونية والترويع والاعتقال التعسفي".

وتتشكل هذه القوى من حزب "التجمع من أجل الثقافة الديموقراطية" و"حزب العمال" و"الحزب الاشتراكي للعمال"، وأيضاً "الاتحاد من أجل التغيير والرقي" و"الحركة الديموقراطية والاجتماعية" و"الحزب من أجل اللائكية والديموقراطية"، إضافة إلى الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان وشخصيات جامعية وتاريخية مستقلة.

 وترى هذه التنظيمات في وعود النظام الحاكم بالإصلاح الجذري، مجرد شعارات ومحاولة لتجديد واجهته من دون إحداث انتقال ديموقراطي حقيقي، كما أنها مع فكرة استمرارية مسيرات الحراك الشعبي، لافتكاك مكاسب أخرى ضمن مسار تغيير النظام بدل الاكتفاء برحيل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وبعض رموزه.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم