إعلان

العنف البرلماني "الاخواني" يضع تونس أمام أزمة جديدة

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
النائب المعتدى عليه
النائب المعتدى عليه
A+ A-
 

 

تمثل حادثة اعتداء نائب تونسي من "ائتلاف الكرامة" المحسوب على "حركة النهضة" والتيار "الإخواني" على نائب آخر من حزب "التيار الديموقراطي"، وجرحه جرحا بليغا في الرأس، إثر مشادة كلامية بينهما في رحاب مجلس نواب الشعب، تحولا خطيرا في العلاقة بين مكونات المشهد السياسي التونسي. فقد اعتبرها البعض مؤشرا الى دخول تونس في مرحلة جديدة خالية تماما من أي شكل من أشكال التوافق المؤدي الى الاستقرار الذي يحتاجه البلد لتحريك عجلة الإقتصاد المعطلة منذ عشر سنوات.
 
ويحمّل البعض مسؤولية هذا العنف إلى رئيس المجلس ورئيس "حركة النهضة" راشد الغنوشي الذي غضّ الطرف سابقا عن اعتداءات مادية ولفظية طالت كتلا ونوابا، وواصل السياسة ذاتها إزاء ما تعرض له نائب "التيار الديموقراطي". ولعل ذلك ما دفع الكتلة النيابية للمعتدى عليه التي تضم، الى نواب حزبه، نواب "حركة الشعب"، إلى التوجه إلى قرطاج للقاء الرئيس قيس سعيّد الذي كان توعد بالويل والثبور، لكنه بدا عاجزا عن فعل أي شيء باعتبار صلاحياته المحدودة التي منحه إياها الدستور في نظام شبه برلماني.
 
ولعل ما يفسر هذا السلوك الهجين من رئيس المجلس النيابي هو أن المتورط في الإعتداءات هو في أغلب الأحيان من جهة واحدة، هي حلفاؤه في الحكم، أي بعض نواب "ائتلاف الكرامة" الذين يعتبرهم البعض تنظيما متفرعا عن الحركة الأم "النهضة". ويذهب أصحاب هذا الرأي بعيدا معتبرين أن راشد الغنوشي أو الدوائر القريبة منه في "حركة النهضة" هي من أنشأت "ائتلاف الكرامة" لتحافظ من خلاله في الانتخابات على أنصارها الراديكاليين الصداميين الغاضبين من تحالفها مع "حركة نداء تونس" ورئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي.
 
وبالفعل فقد ذهبت أصوات الراديكاليين الغاضبين من "حركة النهضة" إلى "ائتلاف الكرامة" ولم تذهب إلى آخرين يرفعون الشعارات الثورية ذاتها على غرار "التيار الديمقراطي" الذي يرأسه الوزير الأسبق محمد عبو. وهكذا، ومن خلال "ائتلاف الكرامة" الذي تمّ تشكيله مما كان يسمى "رابطات حماية الثورة" التي حلت بمقتضى أحكام قضائية بعد تورطها في العنف، حافظت "حركة النهضة" على أصوات المتشددين من أنصارها الذين رفضوا تحالفها مع "حركة نداء تونس". 
 
وعليه، لا يتوقع أن يتخذ الغنوشي أي إجراء رادع تجاه المتسببين في جرح زميلهم داخل مجلس النواب وفي انتشار تلك الصور الصادمة في كل أصقاع المعمورة وأساءت إلى صورة تونس في الخارج. كما أن النيابة العمومية ليس بإمكانها اتخاذ أي إجراء رادع لسببين، أولهما أن القضاة التونسيين في إضراب مفتوح، وثانيهما أن النائب المعتدي يتمتع بالحصانة وجماعته هم الفاعلون داخل المجلس، ولن يقبلوا بأي حال من الأحوال برفع الحصانة عن واحد من "الإخوة". 
 
كما أن اعتصام كتلة "التيار الديموقراطي" داخل المجلس، احتجاجا على الإعتداء على زميلهم وعلى نائبتهم سامية عبو وعلى عدم تحرك رئيس المجلس جديا للتصدي لهذه الممارسات، لن يغير من الأمر شيئا. فقد سبق أن اعتصمت كتلة "الحزب الدستوري الحر" برئاسة النائب عبير موسي في مقر المجلس ولم يغير ذلك شيئا في غياب أي إرادة من راشد الغنوشي لفرض الإنضباط داخل المجلس.
 
ولعل هذه اللامبالاة من الغنوشي بما حصل من اعتداء تزامن مع الإضراب الطويل للقضاة التونسيين دفعت رئيس "التيار الديموقراطي" محمد عبو إلى مساندة أي انتشار للجيش في المدن التونسية بأمر من رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة. كما يدفع التيار باتجاه سحب الثقة من رئيس المجلس الذي تتهمه النائب عن هذا الحزب سامية عبو بأنه"راعي العنف" داخل البرلمان.
 
وهكذا تبدو البلاد مقبلة على أزمة سياسية حقيقية ويخيم عليها شبح فترة حكم الترويكا بقيادة "حركة النهضة" خلال سنتي 2012 و2013 والتي شهدت اغتيالات سياسية مازال التونسيون يعانون من آثارها إلى اليوم. ولولا المنظمات الوطنية، على غرار الإتحاد العام التونسي للشغل، التي رعت حوارا وطنيا في ذلك الوقت لانزلقت البلاد إلى حرب أهلية بتأكيد عدد من الخبراء والعارفين بكواليس السياسة التونسية.
 
وتقدم المركزية النقابية اليوم مبادرة جديدة للخروج من المأزق على غرار ما حصل منذ سنوات، وتبدو لديها الرغبة في أن يكون رئيس الجمهورية قيس سعيد هو راعي هذا الحوار باعتباره الضامن لوحدة البلد والحاصل على عدد هام من الأصوات في الإنتخابات الأخيرة. لكن لا يبدو ساكن قرطاج متحمسا لرعاية هذا الحوار وتقديم طوق النجاة للأحزاب السياسية التي عبر منذ حملته الإنتخابية على موقفه السلبي منها ولاقت مواقفه استحسان قاعدته الإنتخابية التي صوتت له في الدور الأول على أساسها.
 
ولعل ما يزيد الطين بلة هو تزامن هذه الأزمة السياسية مع أزمتين خانقتين، واحدة إقتصادية وأخرى اجتماعية غرقت فيهما البلاد منذ سنوات وازدادتا تعقيدا مع أزمة كورونا التي عصفت بالعديد من القطاعات الإقتصادية. فلا مفر إذا، وبحسب تأكيدات أطراف عديدين، من جراحة مؤلمة تخرج البلاد من حالة الموت السريري التي تعيشها منذ الإنتخابات الأخيرة على وجه الخصوص.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم