إعلان

تونس: صورة الحكم الجديد لم تتبلور ... هل أجهز سعيّد على التوازن السياسي الكلاسيكي؟

المصدر: النهار العربي
تونس-كريمة دغراش
الرئيس التونسي قيس سعيّد
الرئيس التونسي قيس سعيّد
A+ A-
مضى على إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد التدابير الاستثنائية في البلاد، نحو شهر ونصف الشهر، حيث جمّد عمل البرلمان الذي لا يزال مصيره مجهولاً بسبب عدم إعلان الرئيس تصوره للمرحلة المقبلة، الأمر الذي فتح الباب أمام تأويلات وإطلاق سيناريوات عدة، خصوصاً في ظل سياسة القطيعة التي اختار سعيّد أن يتعامل بها مع مختلف المكوّنات الحزبية.
ورغم تباين المواقف بشأنه واختلاف التوصيفات له يتفق أغلب المتابعين للشأن التونسي على أن المشهد السياسي ما بعد 25 تموز (يوليو) الماضي لن يكون مشابهاً لذلك الذي ساد قبل هذا التاريخ المفصلي.
 
خارج السياق
لم يستقبل سعيّد منذ أحداث تموز (يوليو) أي شخصية سياسية أو أي ممثل لأحزاب سياسية حتى تلك المحسوبة عليه والتي تدور في فلكه كما لم يتفاعل الرجل مع أي مطالب او دعوات قدمتها هذه الأحزاب مكتفياً بالحديث بصيغة المجهول عن الفاسدين وعن الذين ارتكبوا الأخطاء بحق الشعب وعن إصراره على عدم العودة إلى الوراء.
 
ولا يبدو موقف سعيّد غريباً بالنسبة إلى كثير من المراقبين ممن يرون أن الرجل وصل الى الحكم من خارج المنظومة الحزبية وأن تعاطيه مع الشأن السياسي وهو الذي لم يمارس السياسة سابقاً، مختلف عن التعاطي الكلاسيكي.
 
ويقول الأستاذ الجامعي مهدي المبروك إننا اليوم صرنا إزاء ثقافة سياسية جديدة لم تألفها النخب الوطنية منذ دولة الاستقلال. ويؤكد الى "النهار العربي" أن التجربة السياسية في تونس كانت قائمة منذ دولة الاستقلال أو حتى قبلها على ثالوث ثابت: الدستور - البرلمان - الأحزاب، لافتاً الى أن هذا التقليد السياسي راسخ في ثقافة النخب التونسية ولا يمكن بأي شكل من الأشكال نسفه. ورأى أن تونس حافظت طيلة تاريخها على هذا المنوال حتى وإن كان ذلك في شكل صوري أحياناً ولم يحدث إن كانت هناك قطيعة معه.
 
ويرى المبروك أن ما قام به سعيّد لم يكن مفاجئاً، إذ إن الرجل سبق له أن أعلن موقفه السلبي من الدستور منذ لحظة التصويت عليه وكثيراً ما عبّر عن تبرّمه من الأحزاب التي يتهمها بمصادرة إرادة الشعب. ويشير إلى أن المشهد اليوم منفتح على خيارين: الأول تقديم الرئيس تنازلات لمصلحة هذا المنوال السياسي الكلاسيكي، والثاني الذهاب نحو ثقافة سياسية جديدة تنسف ما راكمته النخب السياسية التونسية طيلة أكثر من قرنين.
 
ويقول المبروك إن أحداث 25 تموز (يوليو) الماضي لم تبلور بعد مفرداتها ومقولاتها في شكل واضح إذ إن سعيّد لم يقدم رؤيته، وحين يُسأل عنها لا يجيب مكتفياً بعبارة "الشعب يريد".
 
ويعتقد المتحدث أنه ورغم تبرّمه من البناء السياسي الكلاسيكي فإن الرئيس سعيّد لن ينجح في نسفه تراثاً سياسياً يعود إلى أكثر من قرنين، لذلك هو يتلكأ حالياً في اتخاذ القرار. في حين قال مستشار سعيّد وليد الحجام في تصريح اعلامي أن الدستور الحالي أصبح عائقاً أساسياً ويفترض تعليقه واصدار نظام موقت للسلطة.
 
ولا يتوقع المبروك أن يقوم سعيّد بنسف الدستور لافتاً الى أنه قد يذهب الى تنقيحه مع مواصلة تهميش الأحزاب وإضعافها وفتح المجال أمام ظهور أجسام جديدة هلامية توهم بأنها تعبّر عن إرادة الشعب.
 
خريطة جديدة
أدت أحداث 25 تموز (يوليو) إلى شرخ كبير في الخريطة الحزبية في تونس، فطفت على السطح الانقسامات والانشقاقات وسقط القناع عن أحزاب كانت حتى وقت غير بعيد تصنّف على أنها عتية على التقسيم وفي مقدمها حزب "حركة النهضة". وفي المقابل لا يُعرف مصير أحزاب أخرى كحزب "قلب تونس" الذي طاولته الانقسامات ويقبع رئيسه حالياً نبيل القروي بسجن في الجزائر وعلى حزب ائتلاف الكرامة الشريك الثالث في منظومة الحكم السابق، أما الأحزاب التي كانت مقرّبة من الرئيس، فقد خف بريقها بينما ما زالت رئيسة "حزب الدستوري الحر"، أقوى الأحزاب المعارضة تصارع من أجل البقاء وإثبات أنها البديل الأفضل.
 
ولا تبدو علاقة الرئيس سعيّد الذي لم ينتمِ الى أي حزب ونفى سابقاً نيته تأسيس حزب مستقبلاً، ودّية بالأحزاب السياسية ما يعطي الانطباع أنه يسعى الى الإجهاز على هذه المنظومة.
 
لكن المحلل السياسي خليل الرقيق يؤكد الى "النهار العربي" أنه من المبكّر الحديث عن إنجاز الخريطة السياسية، لافتاً الى أن احداث 25 تموز (يوليو) الماضي أحدثت ثورة في المشهد الحزبي بعد أن أفقدت أحزاباً مسوّغ وجودها بخاصة تلك التي انطلقت من كلاسيكية "14 كانون الثاني (يناير)" وقسمة السلطة.
 
ويرى الرقيق أن الخرطة الجديدة ستذهب إلى التشكل وفق موقعين، الأول الوطني، والثاني الذي بدأ بالأفول وهو ما يسمى المعسكر الثوري- الحقوقي بعد أن هشمته تجربة الحكم وفقد ثقة الشارع الذي صار يتطلع إلى قوى سياسية تجسد مطالبه المعيشية.
 
ويعتقد الرقيق أنه لا بد من الانتظار قليلاً حتى يبلور سعيّد مشروعه ويحدد تصوراته بشأن الدستور والانتخابات الذي سيعقبه في كل الحالات المرور الى جمهورية ثالثة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم