إعلان

بعد سلسلة من العثرات... اليسار التّونسي يحاول القيام

المصدر: النهار العربي
سيلين كريم
شكري بلعيد
شكري بلعيد
A+ A-
 
منذ انتهاء تجربة "الجبهة الشعبية"، لم تعرف التيارات اليسارية في تونس أي محاولات لتجميع هذه العائلة التي شهدت التفرقة قبل عامين، بخاصة بعد خسارتها المدوّية في الانتخابات التشريعية والرئاسية السابقة، لكن ما تعيشه التيارات المنافسة، بخاصة الإسلامية منها من تخبّط وتراجع في نسب نيات التصويت، جعل قيادات اليسار تفكّر في لمّ الشمل من جديد، فهل يستغل هذا التيار الفرصة من أجل تجميع قواه من جديد؟
في هذا السياق، شهدت مدينة الحمامات جنوب تونس الأسبوع الماضي لقاءً بين عدد من أهم الأحزاب والقيادات اليسارية في تونس، في محاولة لتوحيد المواقف.

ضرورة التوحيد
 يقول الأمين العام لحزب "تونس إلى الأمام" والوزير السابق عبيد البريكي إن "توحيد قوى اليسار في تونس لم يعد خياراً بل ضرورة"، مضيفاً في تصريح الى "النهار العربي" أن أسباب التوحيد عديدة، والسبب الأول هو أن تونس أدركت في ظل الحكومات المتعاقبة منذ 2011 الى اليوم ذروة الانهيار الاقتصادي.
 
وثانياً، أكد التقييم الموضوعي لمسار ما بعد الثورة بوضوح أن غياب اليسار كقوة توازن ومعارضة فتح المجال أمام قوى أخرى ركبت الثورة و"سرقت" من اليساريين شعاراتهم المبدئية، على غرار ائتلاف الكرامة الذي يتحدّث عن الثروات، واتّضح أنه مجرد شعار، وهذا الطلب كان دائماً طلب اليساريين تحت لافتة السيادة الوطنية وهي التحكم في الثروات. 
وثالثاً إن المعركة التاريخية مع الإسلام السياسي لم تبدأ اليوم عند اليساريين، بل هي معركة متجذرة في تاريخ اليسار، واليسار أقدم من الإسلام السياسي وحركة النهضة في تونس.
 
ويرى البريكي أن "غياب اليسار عن خوض المعركة، وبخاصة في ما يتعلق بالمجال الاقتصادي والاجتماعي، وأيضاً بالملف الأمني المتمثل في دور الإسلام السياسي في اغتيال شهداء اليسار، ترك فراغاً كبيراً في الساحة".
 
ويلفت البريكي الى أن "المنظومة السابقة ورموزها أصبحت تتصدّر مشهد المعركة مع النهضة، وهي معركة بين طرفين من اليمين يلتقيان في الخيارات الاقتصادية والاجتماعية". 
 
ويوضح البريكي "أن اجتماع الحمامات هو تتويج لمسار دام سنة لتحضير الأرضية الملائمة، وهو يعتبر مبادرة لتصحيح المسار الثوري من أجل استنباط آلية تنظيمية لتجميع اليسار وتحويل هذه المبادرة الى تنظيم، إمّا على شكل جبهة أو ائتلاف أو حزب يساري كبير، والهدف توحيد المواقف". 
 
ويضيف البريكي: "اليوم هناك قاسم مشترك تجب مواجهته، وهو حملات التشويه التي تستهدف اليسار التونسي من طرف المنظومة الحاكمة والنهضة وحلفائها" معتبراً أن هذا يجب أن يكون حافزاً للتجميع، "فاليسار فكرة لا تموت. ربما يشهد تراجعاً لكنه أساسي من مكوّنات الفكر البشري".
ووقّعت أطراف سياسية يسارية خلال اجتماعه الأخير بياناً مشتركاً من أجل توحيد المواقف والبحث عن شكل التنظيم الأنسب الذي سيجمعها مرّة أخرى.  

توحيد القوى الوطنية
ويعتبر الأمين العام لحزب "التيار الشعبي" زهير حمدي أن الاجتماع هو محاولة لتجميع القوى السياسية والمدنية لإطالة زخم هذا الحراك والضغط على المنظومة الحاكمة حالياً"، معتقداً أنه "لا وجود لالتزام بعمل بعيد المدى أو ائتلافي أو جبهوي في حدود مقتضيات المرحلة والعمل المشترك".  
ويقول: "من المفروض أن البلاد تحتاج اليوم الى توحيد كل القوى الوطنية. المرحلة صعبة على كل الصعد وميزان القوى مختل لفائدة منظومة الفساد مقابل تشتّت القوى الوطنية". ويدعو قوى اليسار الى الالتزام بعمل بعيد المدى أو ائتلافي أو جبهوي.

الى ذلك، يذكر المحلل السياسي صبري الزغيدي أن "اليسار التونسي كان في الصفوف الأمامية في كل الحوادث والتحركات الشعبية المطالبة بالعدالة الاجتماعية وبالحريات العامة والفردية وقدم شهداء".
 
ويعتقد الزغيدي أن "أسباب انحسار اليسار في تونس عديدة، منها الموضوعي وفيها الذاتي، فيجب ألا نتجاهل ماكينة الدعاية والتشويه العالمية للنيوليبرالية المتوحشة التي ما زالت تحاصر الأفكار اليسارية والشيوعية، وتضيّق على زعمائها وأحزابها ومنظماتها مخافة نهوض الشعوب التائقة للتحرر ضد الاستغلال واستعباد جماهير المفقرين والمهمشين".
ويضيف: "وفي تونس، ما زالت ماكينة الإسلام السياسي وفيّة لهذا المنهج، وتتّهم اليساريين والشيوعيين بالإلحاد والتفسخ مخافة أيضاً من نهوض شعبي يكون اليسار هو قيادته احتجاجاً على كذب الطبقة السياسية الحاكمة التي ما قدّمت للناس إلا الوعود الزائفة منذ الثورة الى الآن".
 
ويعتقد الزغيدي أن "الشروط الموضوعية لعودة البريق لليسار التونسي تبقى قائمة، باعتبار أن مطالبه وشعاراته منسجمة مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية"، لكنه يرى أيضاً أنه "على مكوّنات اليسار أن تغيّر من خطابها وأن يكون مواكباً لتحولات عالم الشغل وأن تكون أكثر التصاقاً بالأجيال الجديدة التي خرجت الى الشارع واحتجت على نظام الحكم، والتي كانت عرضة للاعتداءات الأمنية والاعتقالات، فضلاً عن وجوب أن تتحلى مكوّنات اليسار والشيوعيين بالتواضع ونبذ النرجسية وتكريس الديموقراطية والتداول في مواقع القرار داخل أحزابها، وفسح المجال للشباب والمرأة للإبداع وخوض تجاربهم، عندها يمكن القول إن الشيوعيين واليساريين في تونس سيقفزون قفزة نوعية في اتجاه قيادة الشعب التونسي نحو خلاصه وتحقيق العدالة الاجتماعية ودولة الرفاه". 

خيبات اليسار
لقد أضاع اليسار التونسي فرصة العودة الى المشهد السياسي بعد استشهاد القيادي اليساري شكري بلعيد، إذ لم يشهد هذا التيار تعاطفاً شعبياً في تاريخه مثل ما شهده بعد أكبر عملية اغتيال سياسي في تونس استهدفته، فتتالت خيبات هذا التيار في الانتخابات التشريعية والرئاسية. 
 
فبمقارنةٍ بسيطةٍ مع الدور الأول للانتخابات الرئاسية لسنة 2014، نجد أن مرشح "الجبهة الشعبية" (الائتلاف الحزبي لليسار)، حمّة الهمامي، حل ثالثاً (بعد الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي)، ونال 255 ألفاً و529 صوتاً بنسبة تصل إلى 7.82% من المجموع العام للأصوات. وفي المقابل، حصل المرشح نفسه في الدور الأول للانتخابات الرئاسية 2019 على 23 ألفاً و252 صوتاً بنسبة لا تتجاوز 0.69%. ويفسر هذا التراجع بمشاركة أكثر من شخصية يسارية في الانتخابات الرئاسية، ذلك أن باقي مرشحي اليسار جاءت نتائجهم مخيبة للآمال، إذ حصل مرشح "الوطنيين الديموقراطيين" المنجي الرحوي، على نسبة 0.81، ونال مرشح حزب "تونس إلى الأمام"، عبيد البريكي، نسبة 0.17%. وهذا يعني أن تشتت الأصوات الناخبة لقوى اليسار لا يفسّر بدقة حالة التراجع الشامل الذي عرفه الحضور الجماهيري لقوى اليسار. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم