إعلان

كيف واجهت السلطة والأحزاب الحرائق المهددة لأمن الجزائر؟

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
حرائق في الجزائر
حرائق في الجزائر
A+ A-
حتى الآن لم يتم القبض على جميع العناصر التي أشعلت يوم الجمعة الماضي أكثر من واحد وأربعين حريقاً مدمراً في عدد من المزارع والغابات في محافظات الجزائر على نحو منهجي ومخطط له. والغريب في الأمر أنه لم تعلن حتى الآن حالة الطوارئ الحاسمة عبر البلاد ولم يُعقد أي أجتماع طارئ لمجلس الوزراء أو لمجلس الأمن الجزائري للتباحث في هذا الحدث الخطير الذي ينذر بكثير من التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية على المديين القصير والطويل.
 
وفي الواقع، فإن الجزائر قد شهدت مثل هذه الحرائق مرات عدة، ففي الصيف الماضي أُشعلت حرائق كثيرة قضت على غابات ومزارع عدة خصوصاً في منطقة القبائل، ولم تصدر تقارير جدية عن الخسائر المادية، كما لم يُكشف عن الدوافع السياسية أو الاجتماعية أو النفسية التي حرّكت أولئك الذين أشعلوها.
 
وأمام مفاجأة إشعال الحرائق المتزامنة في عدد من المحافظات الجزائرية يوم الجمعة الماضي أظهرت الحكومة التنفيذية الجزائرية بقيادة الوزير الأول عبدالعزيز جرّاد ارتباكاً منقطع النظير، وقد فاقم ذلك غياب الرئيس عبدالمجيد تبّون عن الوطن والموجود حتى الآن في ألمانيا حيث يخضع في مستشفى بمدينة كولونيا جرّاء إصابته بفيروس كورونا. وقد أدى هذا الارتباك إلى عدم احتواء الحرائق على الأقل من خلال تفعيل عمل مؤسسات الدولة المتخصصة في التعامل مع أزمات البيئة الطارئة في شكل يضمن تسريع عمليات وقف اكتساح النيران للغابات التي تمثل رئة البيئة الطبيعية الوطنية وللمزارع التي توفر الرزق لمئات العائلات في الريف وللبيوت الموجودة فيها أو بقربها. والواضح أن اكتفاء الوزير الأول الجزائري عبدالعزيز جرَّاد بالتصريحات الشفهية عبر وسائل الاعلام يعني أن جهاز الحكومة لا يملك آليات التدخل السريع من جهة، ومن جهة أخرى فإن مضمون هذه التصريحات هو مجرد إستعادة للتقاليد السياسية الجزائرية النمطية التي ما فتئت تفسر الأزمات بواسطة ترجيح فرضية الفعل الإجرامي من طرف أعداء الوطن في الداخل أو بتكريس فرضية التدخل الأجنبي بواسطة وكلائه.
 
واللافت للنظر هذه المرة هو أن حدث إشعال الحرائق في عدد من المحافظات عبر الفضاء الجغرافي الجزائري الذي وصفه الوزير الأول بالمهول لم يعلن رسمياً حتى الآن عن الجهة التي خططت له ولم تنشر قوائم الأشخاص الذين نفذوه، ولهذا السبب اكتفى السيد جراد، ربما، باتهام مرتكبي الحرائق بصيغة المجهول واقتصر على وصفهم بأنهم أعداء الحياة وأنهم سوف يعاقبون إذا اكتشفوا وتم القبض عليهم.
 
أما أحزاب المعارضة، فقد لاذ بعضها بالصمت وأكتفى بعضها الآخر بالإدانة الشفهية بواسطة التصريحات والبيانات المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي للمتورطين "المتخيلين" في إشعال الحرائق ومن يقف وراءهم، علماً أن هذه الأحزاب التي ينضوي تحت لوائها آلاف المناضلين عبر المحافظات والبلديات لم تستطع بدورها أن تقوم بالمساهمة في تعقب الأفراد الذين قاموا بهذه الجريمة أو الكشف عن الجهات التي مارست الدور المحوري في هذه العملية العنيفة، ويدل هذا بوضوح على أن هياكل هذه الأحزاب غير منظمة تنظيماً حديثاً ومتطوراً، وغير مؤهلة أن تكون لاعباً أساسياً في التعامل الجدي مع شتى الأزمات.
 
إن حزباً كبيراً يفترض أنه يشرف على مئات البلديات التابعة له ويملك حضوراً قوياً جداً في مختلف البلديات والدوائر والمحافظات عبر التراب الوطني الجزائري، ألا وهو حزب "حركة مجتمع السلم" (حمس) الإسلامي قد حصر رئيسه عبدالرزاق مقره المهمة، بحسب ما نقلته جريدة "الشروق" اليومية الموالية للنظام الحاكم، في المطالبة الرمزية والحماسية للمسؤولين في أجهزة الحكومة المركزية وفروعها في المحافظات المختلفة بتحديد من أشعل هذه الحرائق، وألح في الطلب من السلطات الجزائرية أن تضطلع بشرح ملابسات الحرائق الكبيرة التي قضت على الغابات والمتزامنة في العديد من المحافظات".
 
ويلاحظ أيضاً أن ما يسمى في الجزائر بالشخصيات السياسية الكبيرة، والتي طغت على المشهد السياسي الجزائري على مدى سنوات طويلة بوضع نفسها دوماً في قوائم الاحتياط وبجاهزيتها لتسلم الحكم في حال تعقد الأزمات ووصولها إلى الطريق المسدود، لم تقم بدورها حتى في تنشيط مبادرة إعلامية واحدة من أجل حفظ ماء الوجه من خلال دعوة المجتمع المدني عبر جمعياته وروابطه واتحاداته لفعل شيء يذكر لمحاصرة الحرائق ووقف زحفها وإسعاف العائلات المتضررة. وبهذا الصمت المريب تكشف هذه الشخصيات التقليدية أنها خارج نطاق الفعل الشعبي في الظروف الصعبة التي تستهدف أمن المواطنين في عمق الجزائر.
 
وإلى جانب ما تقدم، فإن فسيفساء الحراك الشعبي قد اكتفى أيضاً بتسجيل موقف أخلاقي تمثل بإدانة هذا النمط من أعمال العنف من دون أن يتجاوز ذلك إلى تجنيد المواطنين في كل المحافظات للقيام بدورين، وهما المساهمة الفعالة في إطفاء الحرائق بالتعاون مع عناصر الحماية المدنية، والبحث عن الأشخاص المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء ضد البيئة الوطنية والثروة الغابية والزراعية التي تعتبر جزءاً أساسياً في رأسمال ثروة الشعب الجزائري. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم