إعلان

​جزائريوّن عالقون خلف البحار... افتحوا الحدود فنحن لسنا منفيّين

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
جزائريون يفترشون الارض في مطار في باريس طلبا للعودة
جزائريون يفترشون الارض في مطار في باريس طلبا للعودة
A+ A-
هُناك وَراءَ البحار، تعلّقت قلوب الآلاف من الجزائريين بطريق العودة إلى البلاد، بعد أكثر من عام ونصف عام من الغلق الكُلي للحدود البرية والجوية والبحرية، بسبب جائحة كورونا، وتعالت أصواتهم طلباً لحقّ الرجوع إلى الوطن.

هؤلاء الجزائريون، غادروا قبل تفشي الوباء لأسباب متعددة، منهم من غادروا للعلاج وانتهت فترة علاجهم، ومنهم الطلبة الذين انقضت مدة منحتهم الدراسية، ومنهم العمّال والموظفون الذين انتهت عقود عملهم أو تمّ تسريحهم من وظائفهم، وبين كل هؤلاء هناك من فقدوا أهلاً وأحبة من دون التمكن من إلقاء النظرة الأخيرة عليهم وتوديعهم في آخر لحظة.

واقع مؤلم يَعيشه المغتربون الجزائريون في دول عدّة من العالم، مُنذ شهر آذار (مارس) 2020، والشاب الجزائري المقيم في فرنسا، زين الدين شنة، واحد منهم. يقول: "شُعور قَاس وَصعب ألا تستطيع رُؤية والدك وهُو على فراش المَوت، وكم هو مُؤلم ألا تحضر جنازته لإلقاء نظرة الوداع".
 
فَعل شنة كل ما في وسعه ليكون إلى جانب والده، وأنجز كل الإجراءات الإدارية التي لحضور الجنازة، وهو سببٌ مقنع لحصوله على الترخيص لكن لا شيء تحقق غير وعود واهية حالت دون قدومه إلى الجزائر. 
 
شعر شنة بالأسى و"الحقرة"، وهي كلمة شعبية تُعبر عن الظلم ويقول: "أحسست باللاعدل وبأنني لستُ مُواطناً جزائرياً والجالية في الخارج لا تُمثل شَيئاً. لقد قَدمت للسفارة كُل الوثائق اللازمة وأَجريت ثلاثة تحليلات أثبتت نتائجها عدم إصابتي بفيروس كورونا وكل هذا لم يشفع لي".
 
"نحنُ واعون بتعقيدات الوضع الصحي ومن المستحيل أن نُعرض حياة الناس للخطر، لكن هُناك آليات لمُعالجة المشكلات وإيجاد الحلول، لا سيما أن هُناك أشخاصاً يُسافرون إلى الجزائر وفي داخلها من دون أي إشكال، وهذا هو التمييز الذي ضاعف من غضب الجالية في الخارج"، أضاف.

من حقّي العودة
يتَظاهر المغتربون بأنّهم بخير، لكّنهم ليسوا كَذلك، فقليل من الجرعات الافتراضية على "فايسبوك" و"واتس آب" لم تعُد كافية، وإن كان تعاطيها ضرورياً لتخفيف الشوق والحنين لجراح غير قابلة للترميم إلا في لحظة لقاء وعناق.
 
تكفي كلمات ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي لتفضح تلك المشاعر الكامنة "توحشتك (اشتقت لك) يا بلادي"، و"من حقي العودة إلى بلدي"، هي صرخات تعتصر حجم الألم وتروي شهادات إنسانية محزنة.
 
وبينما نزَل قرار رئاسي يقضي بتمديد غلق الحدود البرية والجوية كالصاعقة على من ضاقت بهم السبل، وازدحمت لديهم مساحة الذكريات المتبقية من عهد ما قبل كورونا، تهاطلت رسائل الإغاثة لإنهاء مأساة إنسانية دَامت أكثر من سنة ونصف سنة، موحّدة صوت المغتربين في كل دول العالم للمطالبة بالتعجيل في فتح الحدود لتنفس رائحة البلد وأهله.
 
الخيبة التي عبّر عنها ممثلو الجالية الجزائرية في الخارج، ترجمها بيان وجّهوه إلى السُلطات الجزائرية يحمل شكوى وتظلماً، جاء فيه مقطع منه: "إذا كان غلق الحدود مُلزماً للجميع فإننا نتعجب من استمرار دخول الأجانب إلى بلدنا في الوقت الذي نُمنع فيه، نحن الجزائريين، فحركة الطيران الدولي لم تتوقف طيلة هذه الفترة من مطار الجزائر واليه".

ويرصد البيان أنّ "درجات المُعاناة فاقت قُدرة تحمل الجزائريين في الداخل والخارج مع ضعف التواصل، مِن طرف السلطات الجزائرية، والذي تُعانيه الجالية الجزائرية في المَهجر، ما يوحي بعدم اهتمام السُلطات بها، ما يزيد من فجوة ارتباطها بوطنها".

ويعلم المغتربون أنّ البلد ماض إلى التعقيد في ظل تهلهل المنظومة الصحية التي عرتها الجائحة بشكل أكبر، وأثبتت الحاجة العاجلة لإحداث ثورة إصلاح حقيقية بعيداً عن الترقيع، وهو ما جعلهم يؤكدون استعدادهم لطرح بدائل وحلول لفتح الحدود بطريقة مشروطة حفظاً للبلاد من الوباء وحق العالقين في العودة.

واقترح ممثلو الجالية على الحكومة تخصيص رَحلات عادية مع الخطوط الجوية الجزائرية بما يُلبي حاجيات الجالية في التنقل، مع السماح باقتناء تذاكر مع الخطوط الجوية الأجنبية، وكذا إلغاء شرط استخراج الترخيص الاستثنائي للدخول إلى أرض الوطن.

ويضم تكتل الجزائريين في المهجر، رابطة جزائريي فرنسا، ومنتدى الجالية الجزائرية في تركيا، بالإضافة إلى رابطة الجزائريين في إسبانيا ومنتدى الجزائريين في بريطانيا، واتحاد الجزائريين في كندا ورابطة الجالية الجزائرية في شيكاغو، والجمعية الجزائرية الألمانية للطلبة والأكاديميين، ورابطة الجالية الجزائرية في قطر، والجالية الجزائرية في النمسا.

وبرغم تفهم الجالية لإجراءات الوقاية والاحتراز التي أقرتها بلادهم لمجابهة فيروس قاتل أصاب العالم بالشلل، إلاّ أنّ ما يُثير حفيظتهم هو كيف أنّ معظم البلدان سايرت الوضع واتخذت الإجراءات اللازمة لإبقاء الحدود مفتوحة أمام تنقل الأفراد ولو بالحدّ الأدنى.

وأوقفت الجزائر عمليات إجلاء رعاياها من الخارج في بداية شهر آذار (مارس) 2021، وقرّر الرئيس عبد المجيد تبون، الإبقاء على غلق الحدود إلى إشعار لاحق، على خلفية ظهور السلالات المتحورة، فالمصاب الأول بالسلالة الهندية يحمل الجنسية الهندية، وتم التأكد من إصابة أشخاص آخرين كانوا على صلة به يعملون في ورشة بناء في الجزائر العاصمة.

هُنا اشتدت حدّة التساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقال ناشطون: كيف استطاع هذا الهندي الدخول إلى الجزائر والأجواء مغلقة؟ ولماذا لم يتم إخضاعه لفحص وحجر صحي بمجرد دخوله؟ وامتدت النقاشات للحديث عن إمكان وجود أشخاص آخرين يحظون بامتياز الدخول والخروج دون غيرهم.

وفي حديث تلفزيوني، أثار الصحافي الجزائري محمد علال هذه النقطة المثيرة للجدل، واستغرب كيف للشاب فاروق بوجملين المعروف باسم ريفكا، والذي يقُول إنّه مؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي، أن يدخل ويخرج من الجزائر وينشر صوراً له في دبي والمطار، فيما لم تُمنح رخص لأطباء للدخول إلى البلد.

إلى ذلك، قال وزير الصحة الجزائري، عبد الرحمان بن بوزيد، إنّ "عدد الإصابات مستقر، لكن تنبغي مواصلة الالتزام بالتدابير الصحية، إذ سجلت الجزائر منذ ظهور الوباء في البلد نهاية شهر شباط (فبراير) 2020 أزيد من 123 ألف حالة مؤكدة وأكثر من 3 آلاف وفاة.
ووفق وزارة الصحة الجزائرية، أبرمت الحكومة اتفاقيات، ودفعت 15% من قيمة الجرعات المتعاقد عليها، وتسعى إلى الحصول على اللقاحات الفعالة ضد السلالات المتحورة المسجلة في الجزائر، وهي البريطانية والنيجيرية والهندية.
 
في الجهة المقابلة، أكد المختص في طب الأمراض التنفسية البروفسور سليم نافتي، يوم الجمعة الماضي، أن المثير للقلق من جائحة كورونا والأخطر من الفيروسات المتحورة، هو تخلي أفراد المجتمع عن الإجراءات الوقائية، موضحاً أنّ التهاون لا تقع مسؤوليته فقط على عاتق المواطن، بل يحتاج إلى إجراءات ردعية من أجل وقف التراخي.

وقال نافتي إن الفيروس "سيبقى بيننا لسنوات طويلة، بخاصة مع السلالات الجديدة التي تتميز بالخطورة وسرعة الانتشار". ودعا إلى احترام الإجراءات الوقائية، لأنه لو انتشرت السلالة الهندية فسنكون على أبواب كارثة صحية، وبالتالي يجب التعامل مع الوافدين من خارج الوطن بأكثر صرامة وحزم، مضيفاً أن السلالات المتحورة ذكية وتتحول دورياً وتصيب الفئات العمرية الصغيرة أكثر.

وترى الحكومة أنّ غلق الحدود جنّب الجزائر مأساة إنسانية، إذ أدى إلى عدم انتشار الفيروس كثيراً، ومنع حدوث الموجة الثالثة للوباء التي يشهدها العالم حالياً، إذ تُواصل الجزائر الإغلاق التام لحدودها إلى جانب 49 دولة حول العالم، منذ 17 آذار (مارس) 2020، وعُلّقت الرحلات الجوية والبحرية المنتظمة، إضافة إلى البرية. 

الموضوع لا يحتاج نقاشاً طويلاً، فقرار غلق الحدود الجوية والبرية تحول أزمة ما عادت قابلة لحلول قريبة، فشركة الخطوط الجزائرية تعيش وضعاً صعباً أدخلها متاهة الإفلاس، مع عدم قدرتها على مجابهة أجور موظفيها. وتقول التسريبات إنّ الشركة قد تطلب قرضاً حكومياً لمُواجهة العجز في الميزانية. ويكفي القول إنّها أيام ثقيلة على الحكومة الجزائرية التي قَدرت خسائر شركتي النقل الجوي والبحري الحكوميتين بـ370 مليون دولار، بسبب القيود التي فرضها انتشار فيروس كورونا. وتسير الخطوط الجوية الجزائرية رحلات إلى 43 وجهة دولية في أفريقيا وأوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إضافة إلى 32 وجهة داخلية، ويضم أسطولها الجوي 56 طائرة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم