إعلان

في ذكرى مجزرة ساقية سيدي يوسف: الجزائر وتونس تؤكدان متانة علاقاتهما

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
تبون وسعيد في مطار الجزائر في 2 شباط (فبراير) 2020
تبون وسعيد في مطار الجزائر في 2 شباط (فبراير) 2020
A+ A-
مرّة أخرى، جمعت الذكرى الـ 63 لأحداث ساقية سيدي يوسف، الجزائر وتونس على خط التماس الحدودي والتاريخي، لاستذكار واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية التي ارتكبها الاحتلال الفرنسي في حق الشعبين، كرد فعلٍ على الدعم التونسي للثورة التحررية الجزائرية. وبامتزاج دماء الجزائريين والتونسيين أخذت العلاقة الثنائية بين البلدين صفة "المتانة والصلابة"، بالرغم من التصريحات الساخنة.
 
تقعُ ساقية سيدي يوسف وهي قرية صغيرة على الحدود الجزائرية التونسية على الطريق المؤدّي من مدينة سوق أهراس، في الجزائر إلى مدينة الكاف بتونس، إذ شكلت منطقة استراتيجية لوحدات جيش التحرير الجزائري على الحدود الشرقية باستخدامها كقاعدة خلفية للعلاج واستقبال المصابين، وهو ما أغضب فرنسا التي لجأت إلى أسلوب العقاب الجماعي بقصفها في الثامن من شباط (فبراير) 1958 لنحو ساعة وعشرين دقيقة.
 
في هذا التاريخ، ارتكبت قوات الجيش الفرنسي جريمة بشعة، بحجة حق ملاحقة ومتابعة وحدات جيش التحرير، من طريق 11 طائرة محملة بالقنابل من نوع "ب 26" و6 طائرات من نوع "كورسير" و8 طائرات من نوع "ميسترال"، ما أدى إلى استشهاد 79 شخصاً من بينهم 20 طفلاً و11 امرأة وإصابة 130 آخرين بجروح، وتدمير 3 عربات للصليب الأحمر الدولي وحوالى 130 منزلاً و85 متجراً ومدرستين.
 
وقفة استذكار
 
ترى السلطات الجزائرية والتونسية، في إحياء هذه المحطة التاريخية، "فُرصة لتوطيد العلاقات الثنائية بين البلدين وتعزيزها في مختلف المجالات، وإبراز مدى تلاحم ووحدة الشعبين وتضامنهما"، كما صرح الأمين العام لوزارة المجاهدين (قدماء المحاربين) في الجزائر، العيد ربيقة، بقوله إنّ "ذكرى القصف الجوي الدموي الذي شهدته منطقة ساقية سيدي يوسف شد العزائم بين الشعبين للتمسك بمنظومة القيم المشتركة بينهما والنضال الموحد في سبيل استرجاع السيادة الوطنية".
 
وفي صورة من صور التضامن والتآزر بين البلدين في هذه الذكرى، أرسلت الجزائر قافلة تضامنية إلى تونس مُحملة بـ 11 طناً من أدوية ومواد طبية تساعد في مكافحة تفشي وباء كورونا. وعلّق عليها الرئيس التونسي قيس سعيد بالقول إنّ "أحداث ساقية سيدي يوسف ستظل عنواناً للأخوة الصادقة بين الجزائر وتونس وعربون النضال المشترك ومقبرة لأحلام الاستعمار الفرنسي في قطع حبل التعاون والتآزر ووحدة الكفاح المشترك بين الشعبين الجزائري والتونسي".
 
إلى ذلك، جدّد قيس سعيد في رسالة إلى نظيره الجزائري عبدالمجيد تبون العزم الدائم على مواصلة تعزيز التشاور والتنسيق المستمر، مُبيناً أن تونس والجزائر شعب واحد ربطتهما عبر التاريخ أواصر عميقة في كل المجالات وتحذوهما الآمال نفسها لفتح آفاق جديدة تكون في مستوى تطلعات التونسيين والجزائريين على السواء.
 
تصريحات مضادة
 
عُمق هذه العلاقات التي تتجاوز الحدود الفاصلة بين الشعبين، لم تحجب التصريحات المضادة لمسؤولين تونسيين سابقين، أثارت الكثير من الجدل والتساؤلات عن خلفياتها وتداعياتها، ومن المستفيد منها؟
 
وفي شكل مركز، اتّهم الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي الجزائر بـ "التدخل في الشأن الوطني إبان الثورة (ثورة 14 كانون الثاني (يناير) 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي) وبعدها بهدف اجهاضها"، وكذلك عرقلة بناء اتحاد المغرب العربي بسبب تمسكها باستقلالية الصحراء الغربية.
 
وقبل تصريح منصف المرزوقي، قال وزير الخارجية التونسي الأسبق أحمد ونيس، لراديو "إي إف إم" المحلي الخاص، إن "النظام الجزائري لعب بالنار وتسبب في تعجيل المغرب بالتطبيع مع إسرائيل وأنه تورط في تقسيم المغرب العربي، وما عاشته المنطقة من اشتباكات في منطقة الصحراء... تتحمل السلطات الجزائرية مسؤوليته".
 
هذه التصريحات تسببت في إحراج السلطات التونسية التي سارعت وزارة خارجيتها للتعبير عن استغرابها الشديد من تكرار المواقف المسيئة للجزائر، مجددة "رفضها القطعي لكل المحاولات اليائسة الرامية إلى المسّ بعمق الروابط الأخوية والعلاقات الاستراتيجية التي تجمع البلدين".
 
استهداف لتونس أيضاً
 
 
في السياق، يعتقد استاذ الفلسفة السياسية بالجامعة التونسية، فريد العليبي، أنّ "لمنصف المرزوقي ارتباطات معلومة بمحاور عربية ودولية وهي تتناقض مع السياسة الجزائرية، خصوصاً حول مشكلة الصحراء الغربية ودعم البوليساريو، إذ تشهد هذه القضية تطورات في الآونة الأخيرة ومن هُنا كانت الحملة المتجددة على الجزائر وتصريحات المرزوقي جزء منها".
 
وذكر المحلل السياسي التونسي في حديث الى "النهار العربي" أنّ "الرئيس التونسي السابق يُحاول تقديم خدمات لتلك المحاور على أمل تحصيل دعم ربما يمكّنه من العودة إلى السلطة في تونس شخصياً أو عبر من يدورون في فلكه رغم تعهده سابقاً باعتزال السياسة".
 
وبرأيه أنّ تلك التصريحات لا تستهدف الجزائر وإنما تونس أيضاً، بل يُرجّح أنّها مجرد تفصيل صغير ضمن خطة إعادة تشكيل المغرب العربي، ومِن هُنا فإنّ لها انعكاساتها على تونس، غير أن نجاحها مشكوك فيه، فهناك رأي عام مغاربي يدرك أكثر فأكثر خداع وزيف الربيع العربي باستعمال الانتفاضات الشعبية لغير صالح صُنّاعها الحقيقيين كما هناك حالة غضب ورفض ضد المتورطين في التسويق لذلك الربيع ومن بينهم منصف المرزوقي"، يقول فريد العليبي.
 
عودة للواجهة
 
على الجهة المقابلة، يرى استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، محمد عمرون، أنّ تصريحات منصف المرزوقي "لا يمكن فصّلها عن سياقها المتسم بأزمة داخلية تعيشها تونس والحملة الإعلامية الممنهجة من بعض الدول العربية ضد الجزائر".
 
ويقول عمرون لـ"النهار العربي"، إنّ "حديث المرزوقي عن الدور السلبي للجزائر في الربيع العربي كان يمكن فهمه في إطاره الجمعي لو تكلم عن دور بعض القوى الأخرى في بلاده وهي معروفة"، مشيراً إلى أنّ "الرئيس التونسي السابق أثبت من خلال تصريحاته حول الصحراء الغربية أنّه مجرد موظف لأنه عندما كان رئيساً أظهر فشل إدارته، ومحاولة اتهام الجزائر الآن يخدم مصالح بعض الدول". ويربط المحلل السياسي هذا الاستهداف بموقف الجزائر الرافض للتطبيع مع إسرائيل.
 
ويستبعد عمرون تأثير تصريحات المسؤولين التونسيين السابقين على العلاقات الثنائية بين البلدين، التي يصفها بالمتينة باعتراف كل القوى الفاعلة في هذا البلد المجاور والنخب التونسية التي أكدت أنه لا يمكن للتصريحات الشاذة التأثير في عمق العلاقات والتي يرغب المرزوقي من خلال تشويهها، بالعودة إلى الواجهة السياسية.
 
ويؤكد أنّ بلاده لا يمكنها الرد على المرزوقي ولا حتى مسؤولين سابقين قاموا باستهدافها باعتبار أنها شخصيات ليست لها مكانة رسمية في الدولة التونسية، وهي تتعامل مع المؤسسات وليس الأشخاص.
 
وترفض الجزائر الإساءة إلى علاقاتها الثنائية مع تونس، حتى لو كان تلميحاً، إذ سبق لها توقيف مسلسل تلفزيوني في شهر نيسان (أبريل) 2020، تعرّض لشأن دبلوماسي حول التعاون الإقليمي بين البلدين، بعد الزيارة الرسمية الخارجية الأولى للرئيس التونسي قيس سعيد إلى الجزائر مطلع شهر شباط (فبراير) 2020، والتي كُلّلت بإبرام اتفاقات عدّة ومنح الجزائر وديعة لتونس بقيمة 150 مليون دولار، أثارت وقتها جدلاً واسعاً في البلاد.
 
وتُرجمت هذه الواقعة في قالب هزلي، يُظهر مُمثلاً يؤدي دور أب عائلة مستهتر بـ "مال الأسرة"، في إشارة إلى الرئيس عبدالمجيد تبون، يعرض على الأجانب ومنهم شخص من تونس أموالاً كهدايا، في حين يَحرم أبناءه من أدنى الضروريات.
 
وإضافة إلى التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني المحكم، تتوافق تونس والجزائر دبلوماسياً حيال الملفات الإقليمية، إذ ترفضان أي تدخل عسكري أجنبي في ليبيا، وتساندان الحوار الداخلي بين كل الفرقاء الليبيين، وتدعمان القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم