إعلان

فايزة رياش المهجوسة بتراث بلادها لـ"النهار العربي": النّساء الجزائريّات كنّ ملكات ومناضلات جميلات

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
فايزة رياش
فايزة رياش
A+ A-
تعتبر الدكتورة فايزة رياش من أبرز النساء الجزائريات المدفعات بقوة عن كل ما هو موروث ثقافي، سواء أكان مادياً أم غير مادي، بالإضافة إلى ولعها بالآثار والحضارات التي مرت على الجزائر.
 
ريّاش، هي مديرة مركز الفنون والثقافة - قصر ريّاس البحر، في الجزائر العاصمة، حاصلة على الماجستير في علم الآثار والدكتوراه تخصص الباليوأنتربولوجيا والأمراض القديمة.

تجمع رياش بين عدد من المهمات، فبعدما تقلدت منصب محافظة التراث الثقافي في متحف الباردو من سنة 2006 إلى سنة 2017، وهو من أرقى المتاحف وأهم المعالم التاريخية في شمال أفريقيا، ويعود تاريخ تشييده إلى القرن السابع عشر.

وهي أستاذة علم الآثار في جامعة الجزائر "03" وفي كلية علوم الإعلام والاتصال من سنة 2017 إلى اليوم، بالإضافة إلى تدريس حماية التراث في مدرسة ضباط الشرطة، وتترأس جمعية وطنية للتراث "تراث جزائرنا"، إضافة الى إدارة مركز الفنون والثقافة ويعرف كذلك باسم "الحصن 23". ولقيمته التاريخية صنّفته الـ"يونيسكو" سنة 1990 تراثاً عالمياً محمياً، ضمن مدينة القصبة الأثرية المحمية ومعالمها الأخرى.

وفي رصيد رياش كتاب "أطلس الفن الصخري في الجزائر"، مطوية "لعبة العائلات السبع لما قبل التاريخ"، وجرّد أكثر من 500 موقع أثري يحتوي على النقوش الصخرية في الأطلس الصحراوي في مدن: الجلفة، الأغواط، البيض والنعامة، ومطوية "الأثري الصغير": التربية البيداغوجية للطفل في حماية ممتلكات الثقافية المادية، كما أنها صاحبة 4 طبعات من "المتحف في الشارع".

* تدافع رياش عن حاضر الأمة وماضيها من خلال البحث عن كل ما هو مرتبط بذاكرة الجزائر التاريخية، لماذا اختارت هذا المجال بالتحديد؟

- في حقيقة الأمر، درست الأدب العربي في جامعة الجزائر، لأنني كنت مولعة باللغة العربية واللسانيات، وتتلمذت في السنة الأولى على يد كبار الأساتذة، أمثال العلامة الشيخ محمد الشريف قاهر الذي درّسني علم القرآن، وخولة طالب الإبراهيمي التي كانت تدرّس مادة اللسانيات، ورغم الأساتذة العظام الذين كانوا يدرسونني، إلا أن ميولي كانت يتجه دوماً نحو الأرض والأركيولوجيا والجيولوجيا وكل ما يخص الآثار والحضارات. وهذا الميل أخذته من أبي، رحمه الله، من خلال الكتب التي كان يقتنيها في مجال التاريخ وما قبله، وهذا ما جعلني أرغب في التوسع أكثر وقررت أن أتحول إلى معهد علم الآثار، رغم تفوقي في السنة الجامعية الأولى تخصص أدب عربي.

في النهاية غلبت ميولي إرادتي لأنني أحب هذا المجال واخترته، الكثير استغرب هذه الخطوة التي أقدمت عليها، لأن تخصص علم الآثار كان منبوذاً في تلك الفترة، وبالتحديد عام 1999، إذ شاعت فكرة أنّه لا تتوفر فرص عمل، وكل من لديهم معدلات ضئيلة ومن رسبوا في التخصصات العلمية يتم تحويلهم أوتوماتيكياً إليه. 

* ما هو الشيء الذي شدّك إلى علم الآثار بالتحديد؟
- اختياري مجال علم الآثار كانت له علاقة بمنطقتي التي تعج بالآثار، إنها منطقة بني عزيز في ولاية سطيف شرق الجزائر، الإمارة الأولى للفاطميين، التي كنت أبحث عن تاريخها وحضارتها، فهذا المجال أحببته وما زلت أحبه، وأحاول تقديم الأفضل دائماً فيه من خلال الترويج للتراث الثقافي الجزائري، المادي وغير المادي.

مجال التراث جعلني أكتشف كل وطني وجل المواقع الأثرية الموجودة في الجزائر، وهو ما قادني للمبادرة الى إعداد برامج في التلفزيون الحكومي والإذاعة الثقافية الجزائرية.

هذا الشغف قادني لأن أصبح منتجة برامج عن التراث في الإذاعة من سنة 2018 إلى اليوم، مثل حصص "تراثنا هوياتنا" و"في الأصل الجزائري"، وحصة رمضانية "هوياتنا في أطباقنا" التي تحكي عن تاريخ الأطباق الجزائرية، بالإضافة إلى حصة "طقوس صيفية" التي تتحدث عن العادات والتقاليد الجزائرية المتعلقة بفصل الصيف. إضافة إلى ذلك، سجلت حضوري في التلفزيون الحكومي الجزائري من خلال ركن "ألوان بلادي".

* ما هي الصعوبات أو العقبات التي واجهتك في رحلة نفض الغبار عن التراث الحضاري الجزائري؟

- لم تكن العقبات التي واجهتني إلا دافعاً للمضي قدماً والإصرار على العمل أكثر، هي ليست مرتبطة بكوني امرأة بل بطبيعة العمل الميداني، ووجود الكثير من المواقع الأثرية في المناطق النائية، ما يصعّب مهمة الوصول إليها، وهي مناطق تتطلب وجود الرجل، وكمثال على ذلك طاسيلي ناجّر (التي تعني "هضبة الثور" وهي سلسلة جبلية تقع في وسط الصحراء في الجنوب الشرقي للجزائر بإليزي، وقليلاً على الأراضي الليبية. فيها واحدة من أهم التشكيلات للرسومات الكهفية لما قبل التاريخ في العالم".
وحتى أكون صادقة، فإن هذه الصعوبات تجعلنا نحقق نتائج أفضل في التراث الثقافي الجزائري والمساهمة في حماية الممتلكات.
 
 
 
أمام مدخل تراثي في حي جزائري قديم

 * اشتهرت المرأة الجزائرية خلال الفترة العثمانية بأنها كانت عالية الذوق الجمالي وشديدة العناية بالأزياء، فما هو السر وراء ازدهار فن العيش والاهتمامات الجمالية؟

- ليس فقط في الفترة العثمانية، إذ لطالما كانت المرأة الجزائرية عالية الذوق، خصوصاً الريفية التي لا تزال تحافظ على الشكل الجمالي للموروث الثقافي، من خلال صناعة النسيج والفخار والخزف. الكثير كان يجهل ربما أنّ الزرابي التي تصنعها النساء الجزائريات تحمل رسائل من خلال رموز تحثّ الفتاة على صون بيتها، وغيرها من الرسائل العتيقة ذات الدلالة، ليس هذا فقط، فحتى القعدات الجزائرية لنسوة بزيّهن والحلي التقليدية، تعبر عن الذوق الجمالي للنساء الجزائريات، اللواتي ألهمن الفنانين والرسامين، ونجدهن في لوحات المستشرقين، من دون أن ننسى مساهمتهن في مظاهر الفن كالموسيقى الأندلسية والفرق النسوية كالمداحات، وحتى الرأي في صورة الشيخة رميتي وبقار حدّة اللواتي تركن بصمتهن.
 
لهذا فإن المرأة الجزائرية تساهم في الحفاظ على التراث، بخاصة المرأة الريفية الحاضرة في كل المناسبات، سواء الاحتفالات الدينية أم مختلف الفعاليات المتعلقة بالمحافظة على الأطباق التقليدية، وكذلك النساء الموجودات في المتاحف وكل المؤسسات الثقافية. إنّهن المدافعات عن الموروث الحضاري للجزائر.

* هل هناك قصص نساء جزائريات شهيرات وملهمات وذوات إنجاز وامتياز؟
- تاريخ المرأة الجزائرية حافل بالإنجازات، مثلاً نجد الملكة الأمازيغية ديهيا الأوراسية الملقبة بـ”الكاهنة”، والتي حكمت قومها وكانت ملكة وقائدة عسكرية على جيش بأكمله، وعملت على مقاومة كل أنواع الاحتلال دفاعاً عن الأرض والوطن، كما يذكر التاريخ. تين هينان، هي ملكة الطوارق (حكمت في القرن الرابع الميلادي وهي الأم الروحية للطوارق في مدينة تمنراست جنوب الجزائر وعرفت بكثرة الترحال والسفر)، من دون أن ننسى العديد من الشخصيات النسوية قبل الوجود العثماني في الجزائر (1515-1830) كالأميرة زفيرة زوجة السلطان الجزائري سليم التومي، حاكم الجزائر العاصمة قبل دخول العثمانيين، والتي ابتكرت وصمّمت أشهر لباس تقليدي عاصمي وهو البدرون وسروال الشلقى، وقد صنفت "يونيسكو" البدرون الجزائري تراثاً عالمياً.
 
ومعلوم أن بربروس أعجب بالأميرة زفيرة وأراد الزواج بها غصباً بعد مقتل زوجها، إلا أنها فضّلت الانتحار في قصر عزيزة في العاصمة. كل هذا يضاف إلى النساء الجزائريات المناضلات اللواتي ساهمن في تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي، أمثال لالا فاطمة نسومر وجميلات الجزائر: جميلة بوحيرد وجميلة بوعزة وجميلة بوباشة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم