إعلان

هل تنجح الجزائر في استعادة أموالها المنهوبة؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-نهال دويب
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون
A+ A-
دخلت الجزائر في سباق مع الوقت، لاسترجاع "المال المنهوب" والمطلوبين المقيمين في عدد من المُدن والعواصم الأوروبية وحتى العربية.
 
وزف الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، بُشرى سارّة للجزائريين بخصوص ملف استرجاع الأموال المنهوبة، وحسبما ورد على لسانه في لقائه الدوري مع وسائل إعلام محلية، فإنه سيتم الإعلان عن تفاصيل جديدة حول استعادة الأموال الموجودة في بنوك أجنبية، وكُلها ناجمة عن عمليات فساد وتهريب.
 
وكشف تبون، عن تحريك الدوائر الدبلوماسية في الخارج لاسترجاع العقارات المُحولة، واستدل في هذا الإطار بما حققه سفير الجزائر في باريس الذي استرجع حوالى 44 عقاراً تملكهُ الجزائر من بينها شقق وقُصور.
 
وفي ملف الأموال المنهوبة، برّر تبون التأخر الحاصل في استرجاع الأموال الجزائرية والذي كان عنواناً من بين الوعود التي أطلقها الرئيس في حملته الانتخابية، بالظروف الصحية وجائحة كورونا والتي حالت دُون استكمال الإجراءات القانونية، إذ قال في رده على سؤال أحد الصحافيين: "نحن لن نغامر بكوادرنا لإرسالهم إلى أوروبا، حيث لا يزال مُعدل الإصابات في دولها مُرتفعاً جداً في إشارة إلى الإستنابات القضائية التي يجب أن تُرافق استرجاع هذه الأموال والتي استنزفت الجزائر طيلة العقدين الماضيين ولا تزال قيمتها مجهولة حتى الآن.
 
حراك دبلوماسي مكثف
وألقى ملف الأموال المنهوبة من جانب رموز نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة وهم يتواجدون حالياً خلف أسوار السجون، على الجولات الدبلوماسية الأخيرة لوزير خارجية الجزائر صبري بوقادوم. وأخذ ملف الأموال المنهوبة والمطلوبين المتواجدين في دول أوروبية وبعضها يرفض تسليمهم، حيزاً مهماً من النقاش الذي دار بين وزيرة العدل والشرطة السويسرية كارين كيلر ستور ووزيري العدل والداخلية في الجزائر.
 
وسبق أن أظهرت سويسرا استعدادها للتعاون مع الجزائر من أجل استرجاع ما نهب خلال العقدين الماضيين، إذ قال النائب والمستشار الفدرالي السويسري إغنازيو كاسيس، في كلمة ألقاها أمام أعضاء البرلمان السويسري، منذ سنة تقريباً، إن بلاده مستعدة للتعاون مع السلطات الجزائرية لاسترجاع مالها المنهوب، وذكّر "بالاتفاق مع السلطات الجزائرية، فقد دعمت سويسرا بعض الأنشطة في الجزائر المتعلقة بمكافحة الأموال ذات الأصل غير المشروع، كما استحدثت نظاماً يقوم على ركيزتين أساسيتين هما الوقاية والقمع".
 
النقاش ذاته تكرر خلال الزيارة التي قام بها وزير خارجية الجزائر صبري بوقادوم إلى إسبانيا والتي تحتضن أراضيها عدداً من العقارات والاستثمارات التي يتواجد أصحابها في السجون على غرار رجل الأعمال الجزائري المسجون علي حداد الذي يملك فُندقاً فخماً في برشلونة الإسبانية، تم شراؤه في عام 2011 بقيمة 54 مليون يورو على أساس تحويل مالي مشبوه تمّ انطلاقاً من الجزائر.
 
وقبل أسابيع قليلة من هذه الزيارات المُتعاقبة، دخل اتفاق تسليم المطلوبين بين الجزائر وفرنسا حيز التنفيذ، بعد اعتماد باريس الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في 27 كانون الثاني (يناير) 2019، تزامناً مع مطالبة الجزائر فرنسا بتسليمها عدداً من الناشطين المعارضين المقيمين على أراضيها.
 
ومن بين الشروط التي وضعها الاتفاق أن تخص طلبات التسليم القضايا التي تتجاوز عقوبتها الحبس لمدة عام، على حالات رفض التسليم، إن كانت إجبارية وحالات أخرى يكون فيها الرفض أو القبول اختيارياً، وتتمثل حالات الرفض الإجباري في الملفات ذات الطابع العسكري أو السياسي، أو التي يُتابع أصحابها بسبب العرق أو الجنس أو الجنسية أو آرائهم السياسية، أو التي تترتب عليها انعكاسات خطيرة على المطلوب بسبب وضعه الصحي أو سنّه.
 
وتأمل السُلطات الجزائرية في أن يساهم هذا الاتفاق في تسليمها مجموعة من الناشطين المقيمين في فرنسا، بينهم الناشط أمير بوخرص المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم أمير دي زاد، إضافة إلى الصحافي السابق هشام عبود وعضو "الهيئة القيادية لحركة رشاد"، محمد العربي زيتوت.
 
وكان القضاء الجزائري قد أصدر أوامر اعتقال دولية بحقهم، ووجه لهم تهماً جنائية ثقيلة الوزن يتعلق مُعظمها بالمساس بالنظام العام وأمن الدولة واستقراراها وتشكيل جماعة إرهابية، وجناية تمويل هذه الجماعة التي تقوم بأفعال تستهدف تبييض الأموال في إطار جماعة إجرامية.
 
وأثمر هذا الحراك في مرحلته الأولى عن استرجاع أملاك مهجورة وأخرى ممنوحة لأقارب وأصدقاء الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة في فرنسا، وكشف موقع "جون أفريك" الفرنسي، أن السفير الجزائري في فرنسا محمد عنتر داوود، تمكن من استرجاع 44 ملكية من أملاك الدولة الجزائرية كان يشغلها مقربون من الرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة، تتمثل في قلاع وعقارات ومبانٍ خاصة في باريس.
 
وكشفت عمليات جرد الأملاك والتحقيقات عن أن مقربين من بوتفليقة كانوا يحصلون على امتيازات كبيرة بطريقة غير قانونية لمدة 18 سنة كاملة، وذلك من 2001 إلى 2019، أي بعد نحو عامين من تولي الرئيس السابق مقاليد الحكم في البلاد.
 
ومن بين العقارات التي تم استرجاعها والتابعة للسفارة، شقق وبطاقات دبلوماسية كان يمتلكها محمد بجاوي، وزير الخارجية الأسبق (2005 – 2007)، وتعويضات مالية أخرى مقابل الإيجار.
 
وأوضح الموقع أن الجزائر استرجعت شقتين تقعان في حي راقٍ في باريس (ربما الدائرة السادسة عشرة) بمساحة تزيد على 160 متراً مربعاً، الأولى يسكنها عضو سابق في مجلس الأمة مقرب من بوتفليقة، والثانية يسكنها نائب لكن لم يذكر اسمه. وفي مرسيليا، استعادت الجزائر أيضاً قلعة "جولهانس" الواقعة على مساحة 320 هكتاراً، تم بناؤها عام 1639 وتتضمن كنيسة صغيرة، وقد تم التخلي عنها قبل أن تحتلها جمعية من الأقدام السوداء، والتي تم طردها في النهاية. وينطبق الشيء نفسه في دروم (جنوب فرنسا) حيث تم استرداد قلعة أخرى (لابيروس) مؤخراً، بعد معركة قانونية طويلة خاضتها القنصلية الجزائرية في ليون.
 
مسار طويل وشائك
ورغم ما تحقق في عملية استرجاع الأموال المنهوبة، غير أن المسار لا يزال في نظر متتبعين للمشهد السياسي في البلاد طويلاً وشائكاً، لأنه يتطلب العديد من الإجراءات، يذكر من بينها الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية مبروك كاهي، إصلاح المنظومة القضائية الحالية في شكل جدي، ويقول الى "النهار العربي" إنه "من دون قضاء لا يمكن استرجاع الأموال سواء الموجودة داخل الوطن أو خارجه".
 
ووفق المتحدث فإن القانون المتعلق بالفساد تشوبه ثغرات كثيرة لا سيما عندما تم تعديله عام 2006 حيث تم تكييف الفساد في البلاد من جناية إلى جنحة وتم اعتماد أخطاء إدارية في تهرب تام من المسؤولية.
 
ويستبعد الباحث في الشؤون السياسية والأمنية إمكان استرجاع كل ما نُهب لأنه يستحيل كسب كل المعارك القانونية، ويُحمل الدولة مسؤولية ما نهب لأنها لم تحصّن نفسها، والأموال لم تتم سرقتها في جنح الليل كما يفعل اللصوص وإنما تم نهبها بفعل التسيب والتراخي الذي أصاب المنظومة المالية، ولذلك فإن استعادة هذه الأموال تبدأ من تحصين المنظومة القانونية والقضائية وإلا يُصبح الأمر مضيعة للوقت ومجرد استهلاك إعلامي.
 
ومن جهته، يعتقدُ المُحامي والناشط الحقوقي بوجمعة غشير، أن استرجاع كل الأموال المنهوبة لن يكون بالأمر الهين والسهل، لأسباب عدة يذكرُ منها لـ"النهار العربي" عدم وجود اتفاقات ثنائية تربط الجزائر ببعض الدول لتسليم المطلوبين وهم مسؤولون نافذون في نظام الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة من بينهم عبدالسلام بوشوارب الذي فر نحو فرنسا قبل أن تكشف وسائل إعلام محلية وأجنبية عن تواجده في البرازيل لتفادي اعتقاله.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم