إعلان

خط الجزائر نواكشوط ينتعش...المغرب يراقب

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
عبور الشاحنات بين البلدين
عبور الشاحنات بين البلدين
A+ A-
 
تسعى الجزائر إلى توطيد علاقاتها بموريتانيا، في محيط تسوده الضبابية وعدم الاستقرار على الحدود وفي المواقف السياسية والدبلوماسية التي باتت تميل إلى التغير المستمر. وفي هذا الجو يبدو لافتاً "انتعاش" خط الجزائر - نواكشوط عبر رفع وتيرة الاتصالات والزيارات بين مسؤولي البلدين للتباحث في ملفات، أبرزها الملف الأمني.

تجلّى التقارب في زيارة رئيس أركان الجيش الموريتاني الفريق محمد بمبا مقيت الجزائر لمدة ثلاثة أيام (ابتدأت الثلثاء 5 كانون الثاني /يناير)، بدعوة من الجزائر، التقى خلالها مسؤولين عديدين. ونقلت وزارة الدفاع الجزائرية، تأكيد رئيس أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة لنظيره الموريتاني أن "تعزيز التعاون العسكري بين الجيشين الشقيقين، يعدّ أكثر من ضرورة، لمواجهة التحديات الأمنية المفروضة على المنطقة". 
 
واقترح المسؤول العسكري الجزائري "الاستفادة أكثر من آليات التعاون الأمني المتاحة، لا سيما لجنة الأركان العملياتية المشتركة ليتمحور التعاون على تبادل المعلومات وتنسيق الأعمال على جانبي الحدود المشتركة للدول الأعضاء"، فيما أشاد مقيت بـ"عمق العلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين"، مقدماً شكره للجزائر على كل أشكال الدعم الذي تقدمه لموريتانيا شعباً وجيشاً"، وفق بيان وزارة الدفاع.

وتُنسّق جيوش الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر في جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في المنطقة، في إطار لجنة الأركان العملياتية المشتركة التي تم تأسيسها عام 2010، وهي اللجنة التي يسعى البلدان إلى إعادة تفعيلها أكثر عقب إنشاء فرنسا تحالفاً عسكرياً موازياً لمكافحة الإرهاب في الساحل، يضم كل دول المنطقة، اعترضت الجزائر على الانضمام إليه من باب أنّ مواجهة التهديدات في المنطقة لا يمكن أن توكل الى أطراف أجانب، كما يتردّد على لسان مسؤولين رسمين.

مع العلم أن الحدود البرية التي تربط بين البلدين يناهز طولها 460 كلم، وتنشط فيها العديد من شبكات التهريب والتجارة غير المشروعة. كما يتقاسم الجانبان منذ نحو عشر سنوات مشروع شق طريق في المنطقة الحدودية بينهما، بين تندوف الجزائرية وشوم الموريتانية القريبتين من الصحراء الغربية.

دبلوماسية كورونا
إضافة إلى الجانب الأمني، وسّعت الجزائر نطاق التنسيق مع موريتانيا ليشمل المجال الصحي، في ظل أزمة الوباء العالمية المرتبطة بفيروس كورنا (كوفيد 19)، وكانت أول زيارة لوزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم للعاصمة الموريتانية نواكشوط، منتصف عام 2020، برفقة وفد رفيع المستوى ضم أربعة وزراء، برغم توقف حركة التنقل وغلق الأجواء.

وقتها تابعت الصحف الجزائرية "مهمة" هذه البعثة الموسّعة باهتمام بالغ، باعتبارها تحمل رمزيات دبلوماسية، فيما قال بوقادوم: "بيننا وبين موريتانيا أمرٌ خاصٌ، الماضي والحاضر والمستقبل. اليوم، نحن نؤسس للمستقبل، تجاوزنا مرحلة العمل الانفرادي من بلدينا تجاه بعضهما بعضاً. الآن، نبني المستقبل يداً بيدٍ لنواجه وباء كورونا، وربما سيتوسّع هذا العمل إلى عدد من الدول التي ترغب في مشاركتنا هذه المساعي".

بموجب هذه الزيارة تعهدت الجزائر تقديم مساعدات إلى موريتانيا. وضمن هذا المسعى دائماً انتقل وزير الصحة عبد الرحمان بن بوزيد، الأسبوع الجاري، إلى العاصمة نواكشوط على رأس بعثة طبية تضامنية من اللجنة الحكومية لرصد ومتابعة تفشي فيروس كورونا، وتضم اختصاصيين وتقنيين. وخصصت الحكومة الجزائرية طائرتين: الأولى لنقل الوفد الوزاري والطاقم الطبي، والثانية محملة بمساعدات تتمثل في عتاد ومستلزمات طبية للوقاية من فيروس كورونا.

وكان البلدان قد افتتحا في آب (أغسطس) 2018، أول معبر حدودي بري عند مدينتي تندوف الجزائرية والزويرات الموريتانية، بهدف زيادة حجم التبادل التجاري، وتسهيل تنقل الأشخاص، وتعزيز التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب. ومكّن المعبر الذي كلّف الجزائر 8.5 ملايين يورو التجار الجزائريين من الشروع في عمليات التصدير مباشرة، ونقل السلع عبر شاحنات إلى موريتانيا.

تبادلات بملايين الدولارات
تشير إحصائيات رسمية لوزارة التجارة الجزائرية الى أن حصة المنتجات الجزائرية من إجمالي الواردات الموريتانية من البلدان الأفريقية بلغت 20 في المئة، ما يجعل الجزائر أحد المموّنين الرئيسيين لموريتانيا، وتتوقع الجزائر أن ترفع صادراتها في غضون سنة 2021 إلى 50 مليون دولار، أو حتى تتجاوز 53 مليون دولار التي حُققت في 2017.

وتصدّر الجزائر إلى موريتانيا المنتجات الغذائية الزراعية والمنتجات الصناعية مثل المنتجات البلاستيكية والأسمنت، وكذلك مواد التغليف والنظافة، في وقت تعتزم  شركات جزائرية عدة ومصارف فتح فروع لها في موريتانيا، وفق تصريحات مسؤولين.

ولا يخفي المغرب توجّسه منذ فتح المعبر الحدودي بين البلدين، وانعكاساته على العلاقات المغربية الموريتانية، لا سيما أن الجزائر كسبت من خلاله منفذاً بحرياً على المحيط الأطلسي، ما يعني اقترابها من حصص السمك التي تشكل نسبة هامة من الاقتصاد المغربي والموريتاني. كما أنّ التقارب الأمني بين الجزائر ونواكشوط يثير ريبة الرباط، إذ تعتبر موريتانيا لاعباً محورياً في المنطقة لا يمكن الاستهانة به. ولا يخفي المغرب قلقه من فقدان موقف موريتانيا في قضية الصحراء الغربية الذي يبقى محايداً.

آمال بعلاقات دائمة
برغم مساعي التقارب مع موريتانيا، يعتقد النائب الجزائري أحمد صادوق، أنّ "الجزائر متأخرة جداً في تطوير علاقتها بالجيران الحلفاء، بخاصة موريتانيا". وهنا تمكن الإشارة إلى العقدين الماضيين، إذ تميزت العلاقة بالفتور والجمود طيلة فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة التي دامت 20 عاماً من دون أن يجرى فيها أي زيارة لنواكشط، وهو ما يصفه متابعون للشأن السياسي بالخطأ الدبلوماسي الذي تحاول الجزائر استدراكه.

ويبرز صادوق لـ"النهار العربي" أن "بلداً استراتيجياً كموريتانيا وجد نفسه وحيداً في مجابهة أزماته الاقتصادية وضعفه(..)". ويُضيف: "موريتانيا تحتل موقعاً مُهماً في غرب أفريقيا، ويمكن أن تشكل ممراً ومنفذاً محورياً للجزائر للإطلالة على المحيط الأطلسي، بخاصة بعد ما حدث في معبر الكركرات في الصحراء الغربية وتوتر العلاقة مع المغرب".

ويعتقد صادوق أن بإمكان الجزائر وموريتانيا أن تصنعا علاقات اقتصادية وعسكرية وأمنية مُميزة، بخاصة بعد تبادل الزيارات بين المسؤولين على أعلى مستوى، ومع فتح المعبر البري في جنوب الجزائر ما يشكل فرصة لحركة تجارية واسعة بين البلدين قد تشمل حتى السياحة.

وينبّه البرلماني الجزائري إلى ضرورة أن "لا يكون التقارب بين البلدين ظرفياً وموقتاً فرضته حوادث معينة، بل ينبغي أن يكون تقارباً استراتيجياً برؤية واضحة تدعم وحدة المغرب العربي والشروع في تجسيده عبر ثلاث دول لها الاستعداد الكامل للتكامل والتعاون والوحدة، وهي الجزائر وتونس وموريتانيا، على اعتبار أن الوحدة مع بقية الدول مُؤجلة بسبب النزاعات البينية أو الصراعات الداخلية".

ولا تزال العلاقات بين الجزائر والمغرب تتسم بالجمود، منذ إغلاق الحدود البالغ طولها 1559 كلم بين البلدين بعد وقوع تفجيرات في مدينة مراكش المغربية عام 1994، إذ فرض الملك الراحل الحسن الثاني على الجزائريين التأشيرة لدخول المغرب، وردّت عليه الجزائر بغلق الحدود البرية لكون قرار فرض التأشيرة "أحادي الجانب".

وباتت العلاقة بين البلدين تقتصر على رسائل "بروتوكولية"، إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدتها القضية الصحراوية ولجوء المغرب إلى التطبيع الرسمي مع إسرائيل، أثارا حفيظة الجزائر، إذ دعا الرئيس عبد المجيد تبون، إلى استمرار "اليقظة والحذر على جميع المستويات" لمواجهة "التطورات غير المسبوقة" في "المجال الإقليمي المجاور"، وذلك خلال ترؤسه اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن لبحث الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية، عقب عودته من رحلته العلاجية الى ألمانيا التي دامت شهرين.

وفي 12 كانون الأول (ديسمير) الماضي، قال رئيس الوزراء الجزائري عبد العزيز جراد، في تصريحات صحافية: "بلادنا مستهدفة، وهناك قضايا خطيرة في محيطنا الإقليمي (..) هناك إرادة حقيقية لوصول الكيان الصهيوني (إسرائيل) الى قرب حدودنا". في إشارة إلى استئناف المغرب علاقاته بإسرائيل.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم