إعلان

أولاد الجزائر المحرومون من الشواطئ والمسابح تبتلعهم البرك والمستنقعات

المصدر: النهار العربي
الجزائر-نهال دويب
الدفاع المدني ينقل جثث أولاد غرقوا في حوض مائي
الدفاع المدني ينقل جثث أولاد غرقوا في حوض مائي
A+ A-
لم يكن 14 آذار (مارس) الماضي يوماً عادياً بالنسبة إلى القاطنين في بلدة "الخروبة" وهي قرية جزائرية صغيرة تقعُ في أعلى دائرة بودواو التابعة لمُحافظة بومرداس (مدينة ساحلية في شمال الجزائر على بعد 50 كيلومتراً عن العاصمة)، فالحُزنُ ملأ القلوب وعويل النساء سُمع في كل الأمكنة والغضب همس في الآذان بسبب غرق طفلين في عُمر الزهور داخل حوض مائي بُمحاذاة أحد سُدود الجزائر الشهيرة والمسمى بسد قدارة.
 
ووفق ما كشفهُ مصطفى أحد القاطنين في هذه البلدة الصغيرة التي تقعُ على بعد 7 كيلومترات عن مدية بودواو الجزائرية، والتي يُوجد فيها سد قدارة وجبل بوزقزة الشهير الذي يُعتبرُ من أعلى القمم الجبلية في الجزائر بارتفاع قدرهُ 1033 متراً ويُطلُ على شرق خليج الجزائر، الى "النهار العربي"، فإن "الولدين يبلغان من العُمر 14 و15 سنة. في هذا اليوم وسط قيظ شديد ومُحرقً من أيام الربيع وفي وقت غط كثيرون في القيلولة التي أصبح يلجأ إليها الجزائريون لإراحة الجسم قليلاً في الصيف وتعبئة الطاقة لمواجهة اليوم الطويل، لم يجد الولدان من وسيلة لإنعاش جسميهما وإطفاء لهيبهما سوى التوجه نحو بركة السد المعروفة باسم "لابيسين" أي "المسبح"، ولم يعودا إلا وهُما جثتان هامدتان بعد العثور عليهما من جانب مصالح الدفاع المدني.
 
غرق عائلات بأكملها
خيار الولدين بالتوجه نحو هذا الحوض المائي جاء بسبب عدم توافر مسابح ومساحات خاصة بالترفيه للأولاد الذين يقضون يومهم في العمل في المزارع أو الأسواق الشعبية في بيع الخبز الساخن أو الأكياس البلاستيكية لمحال الخضر والفواكه وأيضاً بيع المشروبات الغازية الباردة وقوارير المياه أو حتى في ورش البناء بهدف مُساعدة ذويهم على توفير قوت اليوم وحتى مستلزمات الدخول الى المدرسة بحسب ما يقول مصطفى. ويُؤكدُ أن بلدته والبلدات الأخرى القريبة لا يتوفرُ فيها حتى أدنى شروط العيش، فكيف يُمكنُ الحديث عن أماكن الترفيه والاستجمام أو المسابح؟.
 
 
 
ليست هذه المرة الأولى التي يستيقظ فيها الجزائريون على حوادث مأسوية مثل هذه، ففصل الصيف تحول إلى كابوس في المناطق النائية المعروفة بمناطق "الظل"، إذ أصبحت السباحة في الأحواض المائية والتي يُطلق عليها في الجزائر اليوم "برك الموت" تخطف أرواح عائلات بأكملها، إذ لقي ثلاثة أولاد مصرعهم غرقاً في بركة مائية، في مطلع حزيران (يونيو) المنصرم، في بلدة عين الزرقاء في مُحافظة تبسة (منطقة حُدودية مع تونس)، وحسب التفاصيل التي كشفتها مصالح الدفاع المدني فإن الضحايا هم ثلاثة أشقاء تتراوح أعمارهم ما بين 8 و12 سنة.
 
وقبل هذه الحادثة وبالتحديد في شهر شباط (فبراير) الماضي استيقظ سكان بلدة السحاولة في الضاحية الغربية للعاصمة الجزائرية، على نبأ وفاة 3 أولاد لقوا حتفهم إثر غرقهم في حوض مائي بأرض فلاحية تابعة للبلدة السالفة الذكر. ووفق ما نقله التلفزيون الحُكومي فإن الضحايا هم طفل وطفلتان توفوا غرقاً في حوض مائي نتيجة عدم وجود حواجز مائية، والأطفال هم التوأمان مراد ومنار ويبلغان من العمر أربع سنوات، وإيناس 6 سنوات خرجوا للعب وسقطوا في البركة ليُعثر عليهم جُثثاً هامدة.
 
وفي أيار (مايو) 2020، تفاجأ الجزائريون بوفاة أربعة أطفال من عائلة واحدة غرقاً في حوض مائي في قرية يُطلق عليها "بوجلال الغرف" التابعة لمحافظة بومرداس (الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية)، وهم ثلاثة أولاد وفتاة تتراوح أعمارهم بين 7 و11 عاماً.
 
إحصاءات مُخيفة
ورُغم أن موسم الاصطياف لم يمضِ على افتتاحه سوى يومين فقط ولا يزال في مراحله الأولى، غير أن عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم ارتفع إلى عدد يُثيرُ الكثير من القلق والمخاوف.
وتكشف إحصاءات رسمية لمصالح الحماية المدنية (الدفاع المدني) إن 52 شخصاً لقوا حتفهم منذ شهر أيار (مايو) الماضي، بينهم 22 شخصاً فقدوا حياتهم على الشواطئ، بينما قضى البقية حتفهم في خزانات المياه والسدود والأحواض المائية او ما يُعرفُ بـ "الترع".
 
وتكشف التقارير اليومية الصادرة عن مصالح الدفاع المدني أن الأولاد هم الفئة الأكثر عُرضة للخطر، وبسبب تفشي هذه الظاهرة في شكل رهيب أطلقت هذه الهيئة دعوات من أجل منع وقوع المزيد من المآسي وأوصت بمراقبة الآباء لأطفالهم باستمرار.
 
 
ويتوفر في الجزائر العديد من المسطحات المائية العشوائية التي يصعب تعدادها، وتنتشرُ بكثرة هذه الوديان والبرك والسدود في المدن الداخلية والجنوبية، ويتم استحداثها لري الأراضي الفلاحية وحتى الورش السكنية.
 
ويُرجعُ الناشط الجمعوي فادي تميم أسباب تفشي هذه الظاهرة إلى غياب المرافق الضرورية في المدن الداخلية والهضاب العُليا والمُحافظات الجنوبية مُقارنة بمُدن الساحل، وإذا توافرت فإن الولوج إليها يكون مقابل مبالغ مالية مرتفعة، تكون في حدود 3 دُولارات أميركية للفرد الواحد، هذا المبلغ ليس سهلاً تأمينه وليس في متناول مُعظم السُكان.
 
ويقول فادي تميم، في تصريح الى "النهار العربي" إن "المفروض ألا يتم استحداث أماكن للترفيه والاستجمام والمسابح في مدن الساحل، بل كان يجبُ استحداثها في المناطق النائية، فالأطفال في العطلة الصيفية مُجبرون على اللُجوء إلى الأنهار والسدود من أجل السباحة في ظل درجة حرارة مُرتفعة بأكثر من 40 درجة مئوية في الظل رغم أن هذه السلوكيات ممنوعة قانونياً، ولذلك اتخذت السلطات المحلية إجراءات عدة للتقليص من رقعة هذه الظاهرة كإجبار الفلاحين الذين تعودُ إليهم الأحواض المائية المُستعملة في الري على إحاطتها بسياج حديدي يحولُ دُون الوُصول إليها".
 
ويُتابعُ الناشط الجمعوي قائلاً إن "قطاعاً عريضاً من الجزائريين محرومون من السياحة، فهي مقتصرة على الذين يملكون أموالاً فقط، حتى الشواطئ أصبحت حكراً لهذه الفئة بعد أن استولت عليها مجموعة من الشباب البطالين الذين يفرضون على المُواطن أن يدفع ويدفع، بحيث يبقى يدفع طيلة اليوم مُقابل خدمات لا ترقى إلى المُستوى المطلوب".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم