إعلان

الأزمة تعصف بالجزائريين والسلطة تقيّد الحريات... هل يتجدد الحراك الشعبي؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
الحراك الشعبي في الجزائر
الحراك الشعبي في الجزائر
A+ A-
يستشّعر الجزائريون يوماً بعد آخر اشتداد الأزمة الاقتصادية في البلد منذ بداية السنة الحالية 2021، ومن مؤشراتها الظاهرة للعيان، ارتفاع أعداد الباحثين عن لقمة العيش وتضاؤل فُرص التوظيف وغلاء أسعار مُختلف السلع والبضائع وتدهور قيمة العملة المحلية الدينار.
 
هذه الأزمة التي تتّجه نحّو مَزيد من التعقيد، وفق مؤشرات عديدة، كَانت مُتوقعة من قِبل خُبراء ومراقبين، ففي عام 2019 ومع انطلاق الحراك الشعبي في 22 شباط (فبراير) من السنة نفسها، المُطالب بتغيير جذري للنظام السياسي، نبّه رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، من تدهور الوضع الاقتصادي للبلاد بسبب تآكل العملة الصعبة ووصف الحالة المعيشية بـ"الخطيرة". وقال بن بيتور حينها في تصريحات إعلامية جرى تداولها على نطاق واسع "إن أكبر مُشكلة تواجهها الجزائر خلال الفترة الحالية، بخاصة على الصعيد الاقتصادي، هو كيفية المرور بالبلاد من سنة 2021 إلى 2024 في ظل انخفاض خطير لاحتياط العملة الصعبة"، مقترحاً تحديد فترة انتقالية تكون كافية لوضع خريطة طريق مناسبة يتفق عليها الجميع لتسيير كل المراحل المقبلة للخروج من الوضع الراهن وتمويل عجز الموازنة.
 
شدّ الحزام
ويبدو أن تفاقم حالة التذمر في أوساط المواطنين الجزائرييين، الذين يشتكون من عدم قدرتهم على مجابهة مصاعب الحياة واللجوء إلى تقليص النفقات اليومية وشدّ الأحزمة، قد وصل إلى الذروة، إذ تقول المواطنة سليمة بو طالب (53 سنة)، "لم تمر سنة عشنا فيها الغلاء الفاحش مثل هذه التي نمر بها. ألغينا في هذه السنة الكثير من المواد الاستهلاكية من قائمتنا بعدما كانت تعد من الضروريات، كما أننا قاطعنا مواد أخرى بسبب الفوضى التي ولدتها إشاعات ندرة تلك المواد". مع العلم أن الحد الأدنى الوطني للأجور لا يتعدى 20 ألف دينار جزائري وهو ما يعادل قرابة 125 يورو.
 
وتَغيب حُلول الحكومة وخُططها في تنويع مصادر الدخل التي لا تزال مُرتبطة بنسبة تزيد على 90 في المئة بعوائد صادرات الغاز والنفط، ما يجّعل من إيجاد مصادر تمويل جديدة معضلة حقيقية، مُقابل تآكل احتياطي النقد الأجنبي الذي انخفض إلى ما دون 50 مليار دولار في حين تسببت الأزمة الصحية في فقدان 500 ألف وظيفة على الأقل وفق آخر الإحصاءات الرسمية، بينما يُقدر صندوق النقد الدولي البطالة حالياً بأكثر من 14 في المئة.
ولمعالجة هذه الاختلالات، تتّجه الحكومة الجزائرية إلى إقرار مُوازنة تكميلية لسنة 2021 لتغطية العجز المسجل في الموازنة السنوية، في وقت استبعد القصر الرئاسي على لسان الرئيس عبد المجيد تبون في مقابلات إعلامية سابقة اللجوء إلى الدين الخارجي أو طبع النقود.
 
غليان اجتماعي
شهدت قطاعات عدة مؤخراً، موجة من الاحتجاجات شملت الصحة والتعليم والبريد وسلك الحماية المدنية (الدفاع المدني)، وسط تهديدات للنقابات العمالية بالتصعيد ضد الحكومة للمطالبة بتحسين القدرة الشرائية ودفعها للوفاء بوعود تخص تحقيق مطالب اجتماعية ومهنية، وزيادات في المنح والعلاوات، غير أن الحكومة اتهمت النقابات العمالية بالسعي لتعكير المناخ السياسي، والتشويش على الانتخابات النيابية المقبلة.
 
ودخلت المؤسسة العسكرية على الخط باتهامها من وصفتهم "أطرافاً تخريبية" باستغلال الحركات الاحتجاجية والمطالب الاجتماعية بهدف إفشال الاستحقاق التشريعي في 12 حزيران (يوينو) المقبل. وجاء في افتتاحية إحدى المجلات عنوان: "وسقطت الأقنعة"، معتبرة أن "هذه الإضرابات ظاهرها المطالبة بالحقوق وباطنها إفشال الانتخابات التشريعية المقبلة وبالتالي إدخال البلاد في متاهات هي في غنى عنها".
 
سياسياً، أرجعت "حركة مجتمع السلم"، كبرى الأحزاب الإسلامية في الجزائر، سلسلة الاحتجاجات والإضرابات التي مست قطاعات عديدة إلى تراجع القدرة الشرائية بسبب غلاء المعيشة والتضخم والندرة ومشاكل السيولة وتدني قيمة العملة الوطنية. وأكدت الحركة أنّ الإضراب والاحتجاجات والمسيرات السلمية حق من الحقوق المشروعة، مُعبرة عن رفضها التعامل معها بالمنع والقمع في كل الأحوال.
 
وفسّرت التطورات الاجتماعية التي شهدها البلد مؤخراً على أنها نتيجة عدم اكتمال التحول السياسي الذي دعا إليه الحراك الشعبي وعدم وجود تقاليد سياسية للحوار والتفاوض من أجل الوصول إلى الحلول المنطقية والواقعية.
 
ورأت أن "الوضع الاقتصادي والاجتماعي الهش محصلة طبيعية للانهيارات الاقتصادية التي تسببت فيها عشريات من الفساد والنهب والتبذير والعمل لصالح اقتصاد الأجانب". وطالبت الحركة بالتوقف الفوري عن استخدام الخشونة والاعتقالات في مواجهة المحتجين السلمية وإطلاق سراح الموقوفين واعتماد الحوار طريقاً لحل الأزمات.
 
تعقيدات سياسية وحلول أمنية
الأزمة الاقتصادية تتعقد في ظل وضع سياسي غير مستقر، يُميزه استمرار المسيرات الشعبية المطالبة بالتغيير الجذري للنظام وهي الاحتجاجات التي دخلت عامها الثالث منذ انطلاقها الرسمي في 22 شباط (فبراير) من العام 2019. لكن المتغيِّر الطارئ يتمثل في لجوء السلطة مؤخراً إلى الحل الأمني في التعامل مع المسيرات السياسية وحتى تلك المرتبطة بالمطالب الاجتماعية، وفض الاحتجاجات من طريق القمع، وهنا يتخوف حقوقيون ومحامون من تعاطي السلطة مع الحراك في نسخته الثانية، ويعتقدون أنها تسعى إلى وأد صوت الشارع من خلال استحضار نظرية المؤامرة والترويج لأطروحة الأيادي المندسة وسط فعاليات الحراك.
 
ومُنذ عَودة الحراك الشعبي في 22 شباط (فبراير) 2021، بعد توقّف دام 11 شهراً بسبب جائحة كورونا، يواجه تحديات جديدة، أبرزها حملات التخوين والتخويف وحتى التشويه التي تطاول عدداً من النشطاء المشاركين في الحراك وفاعليات سياسية ونقابية وصحافيين وحقوقيين يرون في الحراك حلاً للخروج من الأزمة التي يعيشها البلد وهو ما ترفضه السلطة التي تعتقد أنّ الحراك انتهى وتحققت مَطالبه بإجراء انتخابات رئاسية في 12 كانون الثاني (يناير) 2019 وانتخبت رئيساً جديداً خلفاً لعبد العزيز بوتفليقة وجرى تعديل دستوري في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2020.
 
وعلى هذا الأساس، تُصر السلطة على المضي في تنفيذ خريطة طريقها، ويتمسك الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بالانتخابات البرلمانية المقررة في 12 حزيران (يونيو) المقبل على أنّها إحدى آليات التغيير المؤسساتي الذي يُطالب به الجزائريون منذ أكثر من عامين، إلا أنّ هذه الوعود الرسمية تبدو غير كافية، على الأقل بالنسبة إلى الآلاف من الحراكيين الذين يخرجون يوم الجمعة وكذلك الطلاب الذين دأبوا على التظاهر يوم الثلثاء والذين يرفعون شعار "مكاش (لا يوجد) انتخابات مع العصابات".
 
وعلى الأرض، تنطلق الحملة الانتخابية في 17 أيّار (مايو) الجاري، بالرغم من تداعيات الوضع الصحي وبوادر موّجة ثالثة لوباء كورونا، حيث سجلت الجزائر أولى حالات الإصابة بالسلالة المتحورة من فيروس كورونا، التي اكتشفت للمرة الأولى في الهند، ويتخوف مراقبون من أن تتسبب الحملة الدعائية واللقاءات الحزبية في انتشار الفيروس في شكل أكبر ما يضاعف من تعقيد الوضع الداخلي.
 
إلى ذلك، هدّدت الحكومة بتطبيق نصوص قانونية صارمة لكل من يعرقل سير الانتخابات التشريعية تصل إلى 20 سنة حبساً لكل من قام بإتلاف أو بنزع صندوق الاقتراع، أو الإخلال بالاقتراع أو بتعكير صفو عمليات التصويت.
 
ومن خلال هذه الإجراءات، تتحسب السلطة لإمكان وقوع أحداث تعطل العملية الانتخابية، لا سيما في المناطق التي يغلب فيها موقف المقاطعة على المشاركة، كما حدث في مواعيد انتخابية سابقة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم