إعلان

الجزائريّون يودّعون "سي لخضر"... مجاهد الثورتين

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
من تشييع لخضر
من تشييع لخضر
A+ A-
 
في ليلة حزينة من ليالي تشرين الثاني (نوفمبر) المجيد، ودّع الجزائريون بحسرة كبيرة من يُلقبونه بـ"مُجاهد الثورتين". ثورة التحرير ضد المستعمر الفرنسي (1954 - 1962) وحراك 22 شباط (فبراير) 2019، الموصوف بـ"الثورة البيضاء" السلمية. وما بين الثورتين محطات ونضالات ومواقف ستُخلدها صفحات التاريخ عن رجل ظّل ثابتاً كـ"الجبل ونافعاً كالماء"، كما ينظُر إليه محبوه وهم كثر، ممن شيعوه في "جنازة شعبية".

وقعُ رحيل "شيخ المجاهدين" لخضر بورقعة عن عمر ناهز 87 عاماً، أحدث صدمة حقيقية، فالرجل المحارب خاض معارك عدّة ضد فرنسا الاستعمارية ليُناضل بعد الاستقلال لأزيد من نصف قرن من أجل تغيير نظام الحكم، إلا أنّ الأقدار شاءت أن تكون معركته الأخيرة ضد فيروس "كوفيد 19"، الذي قاومه هذا القائد الثوري إلى آخر رمق.

قدوة شباب فبراير

استطاع بورقعة، برصيده التاريخي والنضالي، أن يُشكل مصدر قوة لجيل الشباب الذي يمثل أكثر من 70 في المئة من التعداد الإجمالي لسكان الجزائر المقدر بـ44 مليون نسمة، فلم يمنعه تقدمه في السن من النزول إلى الساحات والشوارع عندما انطلقت شرارة حراك 22 فبراير 2019.

تصدر "عمي لخضر" كما يحلو للجزائريين مناداته، الصفوف الأمامية بكل عزيمة وقوة، شارك الملايين من شعبه مطالبهم في تغيير النظام السياسي في البلاد، رافعاً معهم شعارات "جزائر حرة ديموقراطية" و"عدالة حرة مستقلة".

يصف بورقعة في أحد تصريحاته الحراك بأنه "إنجاز تاريخي جديد للشعب الجزائري، تأييده والاستجابة لمطالبه عمل وطني لا يتخلف عنه إلا من لا يحترم هذا الشعب الذي أثار إعجاب العالم وتقديره واحترامه، من جهة، وحرك آلة الكيد والتآمر لدى خصومه وأعدائه في الداخل والخارج من جهة أخرى".

شعبية هذا الرمز الثوري، جعلت النظام يسعى الى التفاوض معه ممثلاً الحراك، غير أنّه رفض رفضاً قاطعاً ذلك، وردّد بأنّه من غير الممكن أن يمثل "الهبة الشعبية"، لأن الثورة قادها الشاب وعلى النظام أنّ لا يصُمّ أذنيه وأن يستمع الى مطالبهم في التغيير ويُسلم المشعل لهم، لأنهم المستقبل.

 
مُعارضة السلطة الفعلية

بعد تنحي الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم في الثاني من نيسان (أبريل) 2019، توجه بورقعة إلى الحاكم الفعلي آنذاك، قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، لمطالبته بالوقوف الى جانب الشعب الجزائري ومرافقته في مطالبه بتحقيق انتقال ديموقراطي.

جُرأة جلبت للمجاهد الثوري، غضب السلطة الفعلية، فكان شهر حزيران (يونيو) 2019، بمثابة القطيعة بين قايد صالح ولخضر بورقعة، بسبب تصريح صدر عنه في 26 حزيران (يونيو) قال فيه إنّ "السلطة وضعت خطتها ولها اسم الرئيس المقبل وتبحث عن طريقة من أجل منحه الشرعية".

في 30 حزيران 2019، تفاجأ الجزائريون بإيداع لخضر بورقعة السجن، ليتجمع أكثر من خمسين محامياً ومحامية للدفاع عنه بصفته "سجيناً سياسياً"، بالتزامن مع حملة تخوين طاولت هذا المجاهد من طرف التلفزيون الحكومي، طبقاً لتعليمات يقول معارضون إنّها صدرت من قائد أركان الجيش آنذاك.

وشكّك التلفزيون في هويته زاعماً أنّ اسمه الحقيقي أحمد وليس لخضر وإنّه تخفّى تحت هذا الاسم بينما كان "يُحارب في جبال الألب في صفوف الجيش الفرنسي بين 1954 و1956"، ليعتذر لاحقاً عن هذه التصريحات التي أثارت غضب الجزائريين.

تاريخ من الاعتقالات

للرجل تاريخ مع الاعتقالات السياسية بدأت بعد استقلال البلاد، بسبب مُعارضته سلطات الحكم، أولها مع الرئيس الأول أحمد بن بلة، ليعتقل لاحقاً في عهد الرئيس الثاني هواري بومدين، إذ حُكم عليه في 7 نيسان 1969 بالسجن لمدة 30 سنة قضى منها ثماني سنوات متنقلاً بين سجون وهران ولا مبيز وتيزي وزو والحراش حتى سنة 1975، عندما أفرج عنه إثر عفو رئاسي لمناسبة الذكرى العاشرة لِما سمي "التصحيح الثوري"، ولوحق في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، وعارض بشدة نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وبعده.

7 أشهر في الزنزانة

بسبب مواقفه السياسية، قبع لخضر بورقعة قرابة 6 أشهر كاملة في سجن الحراش في الجزائر العاصمة، بيد أنّ المحتجين ظلوا يرفعون صورته ويهتفون باسمه طيلة فترة المسيرات، وبشكل كبير في مسيرة الخامس من تموز (يوليو) المصادفة لعيد استقلال البلاد، وفي مسيرة الفاتح من نوفمبر من العام 2019.

اعتبر محتجون وقتها أنّ من "العيب" على السلطة أن يحتفل الجزائريون بمحطتين ثوريتين بينما يقبع مجاهد حارب الاستعمار من أجل الحرية في السجن، فيما يشهد كل من عرفوه أنّ بورقعة "كتاب حي في التاريخ وذاكرته تحتفظ بكل التفاصيل".

من زنزانته، واصل بورقعة مُتابعة مجربات الأحداث التاريخية التي عاشتها البلاد، وظل يبعث برسائل أمل ويدعو الشباب إلى مواصلة النضال، والأكثر من ذلك الاستمرار في الطابع السلمي للتظاهرات وعدم التعرض لأسلاك الأمن، لتفادي أي انزلاقات قد تجهض الحراك.

ويذكُر الجزائريون الرسالة التي وجهها بورقعة من سجنه، لمناسبة الذكرى الـ66 لاندلاع ثورة التحرير، وقال فيها: "كل جيل يختارُ مساره. جيل الثورة اختار تحرير الأرض وشباب الحراك اختاروا تحرير الوطن".

ولم يفرج القضاء عن بورقعة إلا بعد تمرير انتخابات 12 كانون الأول (ديسمبر) 2019، التي جرت في أجواء مشحونة وفاز بها عبد المجيد تبون. ففي الثاني من كانون الثاني (يناير) استفاد بورقعة من قرار إفراج موقت وأُرجئت قضيته إلى شهر تشرين الثاني الجاري، لكنه رحل عن الحياة من دون أن يبرأ من تهمة "إضعاف معنويات الجيش".

وصية الوداع وجنازة شعبية

 حتى بعد رحيله، اختار لخضر بورقعة أنّ يظل إنساناً شعبياً، فأوصى عائلته بدفنه في مقبرة سيدي يحيى في أعالي العاصمة مع رفاق آخرين، من بينهم المجاهد عبد الحميد مهري، بدل مُربع الشهداء في مقبرة العالية حيث يرقُد زعماء حرب الاستقلال والرؤساء السابقون للجزائر والفريق الراحل أحمد قايد صالح.

وبرغم ظروف "كوفيد 19"، حظي بورقعة بجنازة شعبية مهيبة، حضرتها جموع غفيرة من المواطنين والشخصيات الوطنية والمحامين، وفي غياب الرسمين، فيما ألقت تشكيلة من الجيش الوطني الشعبي التحية العسكرية على جثمان الفقيد، وردد المشيعون شعارات "يا بورقعة ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح"، وشعارات أخرى يتم ترديدها في مسيرات الحراك منها "دولة مدنية ماشي (ليست) عسكرية".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم