إعلان

الجزائر وفرنسا... هل حان وقت القطيعة؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-نهال دويب
أعلام جزائرية وفرنسية
أعلام جزائرية وفرنسية
A+ A-
أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، العلاقات الجزائرية - الفرنسية إلى نُقطة البداية، وذلك بتصريحات غير مسبوقة هزّت الرأي العام المحلي وفاجأته، وأماطت اللثام عن هشاشة العلاقات الثنائية بين البلدين المُثقلة بالعديد من الملفات، وهو ما نقلتهُ صحيفة "لوموند" الفرنسية التي اعتبرت أن تصريحات ماكرون، الذي يبدو أنه يُعبد طريقهُ للولاية الثانية "خير دليل" على فشل جُهود البلدين في تجسيد المُصالحة مع الذاكرة التي تعهدها وكلَف بها بنيامين ستورا.
 
ففي الوقت الذي كانت تترقبُ فيه الجزائر على أحر من الجمر اعتذار فرنسا عن الجرائر ضد الجزائريين طيلة 132 عاماً، خرج ماكرون في تصريحات علنية "مُستفزة"، قالت عنها الجزائر إنها "تجاوزت الخُطوط الحمراء".
 
تصريحات مُستفزّة
وحسبما نقلتهُ صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استقبل الخميس الماضي، في قصر الإليزيه بباريس، وعلى مدار ساعتين كاملتين، 18 شاباً فرنسياً من أصل جزائري بعضهم من حاملي الجنسية المُزدوجة، لبحث قضية "مُصالحة الشُعوب" وفق الصحيفة الفرنسية.
وتناول الرئيس الفرنسي الذي لم يتبقَ من عهده الرئاسي الكثير، مُطولاً الجزائر في حديث وخاطب الشباب قائلاً: "لا أتحدث عن المُجتمع الجزائري في أعماقه، ولكن عن النظام السياسي العسكري الذي تم تشييدهُ على هذا الريع المُرتبط بالذاكرة".
 
وقال عن النظام في الجزائر إنه "متعب" و"مُنهك" والسبب في ذلك هو الحراك الشعبي الذي شهدتهُ البلاد في 22 شُباط (فبراير) الماضي، وخصَ الرئيس الجزائري بالقول: "لديّ حوار جيد مع الرئيس عبدالمجيد تبون، غير أنني أرى أنهُ عالق داخل نظام صعب للغاية".
 
وكشف أمام الشباب إنه يُريدُ إنتاجاً تحريرياً تبثهُ فرنسا، ويكون باللغتين العربية والأمازيغية والهدف منهُ حسبما قال مُواجهة "التضليل" و"الدعاية" التي يقودها الأتراك الذين يسعون جاهدين لإعادة كتابة التاريخ.
 
وتساءل في هذا السياق: "هل كانت هُناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟"، وتابع قائلاً: "كان هُناك استعمار قبل الاستعمار الفرنسي"، وخاطبهم بالقول: "أنا مفتون برُؤية قدرة تُركيا على جعل الناس ينسون تماماً الدور الذي أدتهُ في الجزائر والهيمنة التي مارستها، وادّعاء أن الفرنسيين هُم المستعمرون الوحيدون، وهُو أمر يُصدقه الجزائريون".
 
زلزال سياسي عنيف
وأحدث هذا المقطعُ بالذات زلزالاً سياسياً لم تتوقف ارتداداته إلى الآن، بحيث ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الغاضبة والرافضة لتصريحات ماكرون الذي صرّح لقناة جزائرية اثناء زيارته الجزائر في 16 شباط (فبراير) 2017، خلال حملته الانتخابية، قائلاً إن "الاستعمار الفرنسي جزء من التاريخ الفرنسي، وإنه جريمة ضد الإنسانية وإنه وحشية حقيقية وهُو جزء من هذا الماضي الذي يجبُ أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه المُمارسات". وهذه التصريحات قُوبلت بانتقادات لاذعة من طرف مسؤولين ينتمون إلى اليمين لا سيما اليمين المُتطرف، إذ قال يومها جيرار دارمانين المُقرّب من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي: "العار لإيمانويل ماكرون الذي شتم فرنسا في الخارج بقوله إن الاستعمار الفرنسي جريمة ضد الإنسانية".
 
وأجمعت الطبقة السياسية الجزائرية على ضرورة مُعاقبة فرنسا كرد فعل على التصريحات المُستفزة التي أدلى بها رئيسها، إذ طالبت "حركة مُجتمع السلم الجزائرية" (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد)، بـ"استخلاص الدروس" واتخاذ الإجراءات الفعلية التي يتطلع إليها الشعب الجزائري للقطع مع العهد الكولونيالي ومنها قانون تجريم الاستعمار الفرنسي وتفعيل قانون استعمال اللغة العربية وقانون منع استعمال اللغة الفرنسية في الوثائق والخطاب والاجتماعات الرسمية مع تحويل الشراكات الاقتصادية الدُولية نحو دول غير معادية للجزائر.
 
ووصفت التشكيلة السياسية التي يقودها عبدالرزاق مقري، السقطة "غير المعهودة" من الرئيس الفرنسي بـ"الإهانة للدولة وللشعب الجزائري معاً والتي تأتي في سياق الإمعان في ترجمة العقلية الكولونيالية والاستعلانية لفرنسا الرسمية".
وقالت الحركة إن هذه التصريحات تكشفُ الوجه الحقيقي والسياسة الرسمية لفرنسا تجاه الجزائر، وهُو ما يكشفُ زيف علاقة الصداقة والاحترام المُتبادل بين الطرفين.
 
واعتبرت مجتمع السلم هذه التصريحات بـ "الخطيرة" و"الاستفزازية" التي تمس بسيادة الدولة الجزائرية وتشكل إهانة لرموزها وشعبها، وتدخُلاً مرفوضاً في شؤونها الداخلية، وهُو ما عبّر عنه أيضاً "التجمع الوطني الديموقراطي"، إذ دعا الحزب الذي يقوده الطيب زيتوني حُكومة أيمن بن عبدالرحمن إلى مُراجعة كُل الاتفاقات الثُنائية مع فرنسا، خصوصاً التجارية منها وبتنويع الشراكات الاقتصادية بمبدأ توازن المصالح واتخاذ ما يلزم من إجراءات جادة وسريعة لفتح السوق أمام استثمارات أجنبية واعدة وبعيدة من كل تبعية.
وشدد الحزب على ضرورة إنهاء الوصاية اللغوية الفرنسية في الإدارات والهيئات العُمومية مع إبراز البعد الحضاري والثقافي للأمة الجزائرية بمختلف الآليات.
 
خروج عن كل الأعراف
ولم تمر تصريحات ماكرون مرور الكرام، إذ استدعى الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون سفير الجزائر لدى فرنسا بهدف التشاور، وورد في بيان للرئاسة الجزائرية أنه "عقب التصريحات، غير المفندة، التي نسبتها مصادر فرنسية عديدة لرئيس الجمهورية الفرنسية، تعرب الجزائر عن رفضها القاطع للتدخل غير المقبول في شؤونها الداخلية، مثلما ورد في هذه التصريحات التي تحمل في طياتها اعتداء غير مقبول على ذاكرة 5630000 شهيد، ضحوا بالنفس والنفيس، في مقاومتهم البطولية ضد الغزو الاستعماري الفرنسي، وكذا في حرب التحرير الوطني المباركة".
 
واستحضر بيان الرئاسة الجزائرية جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر التي لا تُعد ولا تُحصى وتستجيب لتعرفات الإبادة الجماعية ضد الإنسانية.
 
 
وبحسب البيان، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون روج لنسخة تبريرية للاستعمار على حساب النظرة التي قدمها التاريخ المشروع لكفاحات التحرير الوطنية، في الوقت الذي لا يمكن لأحد أو لشيء أن يغفر للقوات الاستعمارية ولجرائمها، لا سيما ذكرى مجازر 17 تشرين الثاني (أكتوبر) بباريس، وهو التاريخ الذي ستُحيي الجزائر والجالية الجزائرية المقيمة بفرنسا ذكراها في كرامة".
 
واعتبر المُحلل السياسي الدُكتور زُهير بوعمامة، تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنها "انحراف خطير وخروج عن كل الأعراف التي تحكم التخاطب بين الدول المحترمة". وقال بلغة صريحة وواضحة إن ما قالهُ ماكرون "خليط من المُراهقة والغباء والتهور الدبلوماسي". ومن بين الأسباب التي تقفُ وراء كلام ماكرون، ذكر المُحلل السياسي، شعور الإحباط الذي ينتابُ فرنسا بعد بروز الجزائر كقوة في المنطقة وهُو ما أجبرها على الانسحاب بلا مكاسب سياسية كما كان الفرنسيون يتوهمون.
 
وحاول الرئيس الفرنسي من خلال هذه التصريحات حسبما كشفه بوعمامة، إخفاء الفشل الذريع الذي مُنيَ به منذ وصُوله إلى سدة الحكم وعدم قُدرته على تحقيق مُنجزات اقتصادية وسياسية تُمكنه من استدراج الناخبين الفرنسيين لصالحه من جديد.
 
ووصف المحلل السياسي والأمني الجزائري مصباح مناس، تصريحات ماكرون بـ "السقطة" و "التجاوز" للخُطوط الحمراء والأعراف الدبلوماسية التي تُثبتُ وتبرزُ بوُضوح ارتماءه في حُضن الجناح المُتطرف لحسابات انتخابية بامتياز.
 
وتحدث مناس، للإذاعة الحُكومية الجزائرية، عن تضييق الخناق على الجانب الفرنسي، وقال إن "المُستقبل يعمل لصالح الجزائر حالياً وليس لصالح فرنسا التي خسرت العديد من المكاسب والمزايا".
 
واستدل المحلل السياسي بفشل صفقة الغواصات الفرنسية نحو أستراليا وهي أكبر صفعة تتلقاها فرنسا، وفي المُقابل حققت الدبلوماسية الجزائرية العديد من المكاسب التي لا ترضي فرنسا بخاصة في المناطق التي تعتبرها مناطق نُفوذ مثل دولة مالي التي تتجهُ نحو إبرام صفقات عسكرية لتعزيز قُدراتها مع روسيا.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم