إعلان

انتخابات الجزائر... التيار الديموقراطي يتراجع والإسلامي يتقدّم

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
من الانتخابات الجزائرية السابقة
من الانتخابات الجزائرية السابقة
A+ A-
في سابع انتخابات تشريعية، تعرفها الجزائر مُنذ إقرار التعددية الحزبية والسياسية في عام 1989، تغيب الأحزاب ذات التوجه العلماني عن المنافسة الانتخابية، تاركة الفضاء الانتخابي لأحزاب محسوبة على التيار الإسلامي وأخرى موروثة عن مرحلة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، فضلاً عن تصدّر القوائم المستقلة المشهد الانتخابي تحسباً لاستحقاقات الـ 12 من حزيران (يونيو) الجاري.
 
هَذه الانتخابات هي الأولى من نوعها بعد الحَراك الشعبي الذي أطاح بالولاية الرئاسية الخامسة لبوتفليقة والتي ركزت حملاتها الدعائية على إطلاق وعود "مواطنية"، إذ تستخدم الوجوه المرشحة والأحزاب في الحملات صوراً تقترب بها من انشغالات المواطن، وساكني مناطق الظلّ من القرى والمدن التي تفتقر للتنمية.
 
واقع سياسي "بارد" هو عَكس الانتخابات التشريعية السابقة، كما يعتبره البعض من المهتمين بالشأن السياسي العام، بعد أن تصدرت الواجهة أحزاب وُصفت بـ "المهادنة " للسلطة، ومرشحون أحرار من الشباب والكوادر التي لم تتخرج من المكونات السياسية التقليدية، بهدف الظفر بمقاعد في المجلس الشعبي الوطني.
 
طموح الوصول إلى الحكومة
في السياق، يرى المرشح عن "حركة مجتمع السلم" (تيار إسلامي) أحمد صادوق أنّ "هذا العام سيدفع ريادة التيار الوطني والإسلامي في الواجهة، بخاصة "حركة مجتمع السلم" التي أظهرت الحملة الانتخابية تميزها وسبقها من خلال التجمعات الجماهيرية التي تنظمها ومن خلال الخطاب العلمي المتوازن الذي تتبناه وكذلك الاحتكاك والاتصال الجواري المباشر مع المواطنين".
 
وعزا القيادي في حركة "حمس" هذه القراءة، لعوامل مساعدة في ذلك، أهمها: تقليص تأثير المال السياسي في شكل كبير من خلال "رفض أغلب المرشحين من ذوي العلاقة مع شبكات المال الفاسد"، مُفيداً في تصريح الى "النهار العربي" أن "الإرادة السياسية للرئيس عبدالمجيد تبون، تبدو إلى الآن إيجابية وتفتح الآفاق أمام التيار الإسلامي لصناعة قصة نجاح تنموية كبيرة إذا ما نجحت في الاستحقاقات المقبلة كما فعل كثير من الحركات المشابهة في العالمين العربي والإسلامي".
 
وتميزت الانتخابات التي نُظمت عام 2017 بدخول قوي لرجال الأعمال والمال إلى الساحة السياسية، وشراء الأصوات وحتى المراتب داخل قوائم الأحزاب السياسية لا سيما المحسوبة على السلطة منها، ما أدى إلى صعود أسماء تحوم حولها شبهات "فساد"، اعتقل بعضهم بعد إسقاط الحصانة البرلمانية عنهم، وحوكموا بتهم "الفساد"، عقب اندلاع الحراك الشعبي في 22 شباط (فبراير) 2019.
 
واختارت "حركة مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية، خريطة طريق السلطة من خلال المشاركة في الانتخابات النيابية المبكرة التي دعا إليها الرئيس تبون، وهي التي قاطعت الانتخابات التي أجريت نهاية عام 2019، كما امتنعت عن تزكية دستور تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، ودعت في تلك الفترة إلى إجراء حوار وطني للتفاهم بين السلطة والمعارضة.
 
كما عادت أحزاب أخرى من التيار ذاته إلى المشاركة في المسار الانتخابي وهي "جبهة العدالة والتنمية" و"حركة النهضة"، في حين تحاول "حركة البناء الوطني"، التي يرأسها وصيف الرئاسيات الأخيرة عبد القادر بن قرينة، حيازة أكبر عدد ممكن من المقاعد والوصول إلى الحكومة كما يظهر من خلال تصريحات قيادييها.
 
"أخطاء وراديكالية"
غياب التيار الديموقراطي عن المنافسة البرلمانية، يعّتبره البعض خطوة نحو "الرفض الفعلي"، إذ يعتقد المحلل السياسي الكاتب عمار لشموت أن هُناك انتقادات وجّهت لهذا التيار بعد تركه الساحة السياسية موقتاً ومقاطعته للانتخابات التشريعية. ورغم تلك الانتقادات "لا يمكن الحديث عن أخطاء تقديرية نتيجة راديكالية التيار الديموقراطي، وهذا لأسباب عدة، منها أن العمل السياسي ليس معادلة رياضية ثابتة بل هي الأقرب إلى مقاربة تعتمد على جملة من التصورات والقراءات نسبية المقصد، والعمل السياسي اجتهاد انساني يحتمل الصواب أو الخطأ".
 
ويضيف لشموت في حديث لـ"النهار العربي" أنه "حتى مصطلح الراديكالية كلمة مطاطة، قد نختلف في وصف موقف سياسي على أنه راديكالي أم مرن، كما لا يمكن نعت موقف سياسي بالراديكالية إذا كان تعبيراً عن التزام مبادئ وقيم الحزب أو التشكيلة السياسية".
 
من جهة ثانية، يمكن القول وفق عمار لشموت "إن القطيعة بين السلطة الحاكمة وطرف من التيار الديموقراطي هي نتيجة ردود فعل أملتها سلوكيات النظام السياسي الذي استخدم خلال فترة الحضور السياسي القوي لقائد الجيش الراحل قايد صالح، التيار الباديسي - النوفمبري الذي صعّد في الخطاب العنصري والجهوي والتخوين، أو ما سمي الذباب الإلكتروني الذي استهدف شخصيات ومناطق حضرية".
 
ومن خلال هذا المنظور، فإن "هذه القطيعة أثمرت عن فقدان الثقة في شكل كامل بين السلطة والتيار الديموقراطي، لكن هذا وحده لا يفسر تصلب موقف التيار الليبرالي من السلطة، فهو أيضاً ضحية عدم القدرة على بسط سيطرته على الشارع تنظيماً وشعاراً، وعدم استطاعته بلورة مشروع سياسي يُراعي سياقات ميلاد الدولة الوطنية وعدم وجود خيارات تهدد بوضوح أهداف الحراك الشعبي على المديين القريب والمتوسط"، مثلما قال المتحدث نفسه في السياق ذاته.
 
سياسياً، سبق للتيارين الديموقراطي والإسلامي في الجزائر أن التقيا على قرار واحد من خلال الحوار التفاوضي حول عملية الانتقال الديموقراطي في عام 2014، في أعقاب موجة الرفض التي طاولت فوز الرئيس السابق بوتفليقة بولاية رئاسية رابعة في انتخابات الرئاسة يوم 17 نيسان (أبريل) 2014 وهو على كرسي متحرك.
 
وشهدت تلك الفترة اتفاقاً، شكلاً ومضموناً، حول حوار من شأنه ضمان انتقال سلس للسلطة، ما عُرف وقتها بـ "أرضية مزافران"، والتفّت المعارضة السياسية الجزائرية بمختلف مشاربها السياسية، وآرائها، حول انتقال السلطة، وهو اتفاق لم يسبق أن حدث، وجمع كل الاطياف السياسية في البلاد.
 
المشهد في الجزائر على رمال متحركة مُنذ أكثر من سبع سنوات، أي منذ غياب الرئيس بوتفليقة عن الواجهة، وعودة الحديث عن انتقال السلطة وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، غير أن الذي حدث كان مسبوقاً في الجزائر بسبب ترشحه لولاية خامسة والتفّ حوله مختلف أحزاب الموالاة وعدد من المنظمات الجماهيرية المحسوبة على المجتمع المدني، قدمت له الدعم للترشح.
 
في مقابل ذلك، لم يسكت الشارع أمام هذه الخطوة، التي أخرجت الآلاف من الرافضين للولاية الخامسة، وذلك في 22 شباط (فبراير) 2019، ليتنحى الرئيس عن كرسي الرئاسة مع تزايد الضغوط الشعبية، وبذلك تدخل الأحزاب في مرحلة إعادة بناء وهيكلة لا تبدو سهلة على الإطلاق في ظل المتغيرات التي شهدتها الساحة السياسية.
 
مَوطئ قدم وتموضع
سياسياً دائماً، ظلّ بعض الأحزاب الديموقراطية، في حالة الرفض لمنظومة الحكم، مع بقاء بعض الوجوه المحسوبة على فترة حكم بوتفليقة السابقة واستمرار الغلق الإعلامي والسياسي، ما جعلها تتخذ موقفاً حاسماً من الانتخابات التشريعية، وترفضها في مجملها. ومن جهتها، تسعى الأحزاب الإسلامية لملء الفراغ الذي تركته حليفتها في المعارضة، وتتموضع في الفترة المقبلة، لكسب ثقة الناخبين في المسار الانتخابي الجديد.
 
في مُقابل تمسك الإسلاميين بالتشريعات، خرج التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية (الارسيدي)، في بيان "أسود" للصحافة، واصفاً المرحلة الحالية بـ "المظلمة في تاريخ البلاد"، بسبب ما اعتبره "الانتهاكات المتعددة والمتكررة ضد الحريات، والقمع الشامل ضد الجزائريين لبث الخوف وزرع الرعب في النفوس".
 
هذا المعطى، من شأنه أن يترك انطباعاً أولياً في أن البرلمان المقبل سيكون مُشتتاً من ناحية التوجهات والبرامج، إذ يرى الباحث في العلوم السياسية رياض بهناس أن المقاعد النيابية ستكون موزعة على مختلف الأطياف السياسية، معتبراً أن المستجد السياسي سيكون مفاجأة لكل الأحزاب المشاركة". وقال بهناس لـ"النهار العربي" إن لغة الأغلبية البرلمانية التي تعودنا عليها في السابق ستختفي في الغرفة النيابية السفلى"، معتقداً أن الإسلاميين والأحرار سيقتطعون تأشيرات عديدة في مقاعد المجلس الشعبي الوطني.
 
بيد أن الانتخابات ستشهد مشاركة عدد من الأحزاب السياسية للمرة الأولى في المسار الانتخابي، بعد سنوات من المقاطعة ورفض المشاركة في الانتخابات التي كانت تنظم في عهد بوتفليقة. أبرز هذه الأحزاب "جيل جديد"، الذي يقوده جيلالي سفيان، والذي يعتبر أن انخراطه في المسار الانتخابي مرتبط بالتغييرات الكبيرة داخل السلطة، وانكسار النظام الذي كان يحكم البلاد في عهد بوتفليقة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم