إعلان

أحزاب الجزائر تستبق موعد الانتخابات... المعركة بدأت على وقع تجدّد الحراك

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
عودة المحتجين الى الشارع الجزائري
عودة المحتجين الى الشارع الجزائري
A+ A-
فَتح مُضي السلطة الجزائرية في تنفيذ ورقة طريقها السياسة المرتكزة على إجراء انتخابات تشريعية ومحلية مُسبقة، شهية الأحزاب الباحثة عن التموقع والسيطرة على المجالس المنتخبة، برغم عدم تحديد تاريخ إجراء الانتخابات المُقبلة المُرتقبة الصيف المقبل.

ومنذ عودته من رحلته العلاجية في ألمانيا، في 12 شباط (فبراير) الماضي، استطاع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (75 عاماً) استدراج أحزاب سياسية عدة إلى قصر الرئاسة، وهي التي دَعمت الحراك الشعبي لفترة ما وشارك عناصرها في المَسيرات الشعبية الداعية الى التغيير الجذري للنظام السياسي ورحيل رجالات منظومة بوتفليقة.

ومن بين الأحزاب الوازنة ذات الرصيد النضالي والتاريخي التي استقبلها تبون، حزب "جبهة القوى الاشتراكية" (أقدم حزب معارض) الذي تعرّض لانتقادات حادة عقب لقائه تبون، لكسره قَطيعة دامت أزيد من رُبع قرن مع السلطة، وكذلك "حركة مجتمع السلم" (أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر)، التي قرّرت التحاور مع الرئيس وهي التي قاطعت الانتخابات التي جاءت به إلى سدة الحكم عام 2019 وامتنعت عن المشاركة في تعديل الدستور عام 2020.

وقالت كل الأحزاب التي حاورها تبون والتي وصل عددها إلى 11 تشكيلة سياسية إنّها لمست "نيات حسنة" من الرئيس ورغبته في التغيير، وهو ما اعتبره نُشطاء معارضون تنكراً للحراك ومعاكسة للواقع، في ظل استمرار التضييق على الحريات والإغلاق الإعلامي.

ولأن المرحلة تحمل عديد التناقضات وسط انحسار الحلول، شملت لقاءات الرئيس الجزائري الأحزاب التي كانت داعمة لترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، وأبدت مَواقف مُناوئة لتظاهرات الحراك الشعبي في 2019، إذ استقبل تبون الأمين العام لـ"التجمع الوطني الديموقراطي" الطيب زيتوني، وهو ثاني أكبر الأحزاب الموالية للسلطة، ويقبع أمينه العام ورئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحيى في السجن بتهم فساد.

ويرى مراقبون أنّ تبون أعطى الانطباع بأنه يقف على مسافة واحدة من الأحزاب وليس محسوباً على تلك التي دعمت سلفه بوتفليقة، لأن ذلك سيُناقض تصريحاته حول التغيير، كما أنه لا يستطيع إقصاءها في ظل غياب بدائل دعم سياسية أخرى، وعدم ضمان مساندة مُطلقة من الأحزاب الموجودة حالياً في الساحة لكونها تخضع لتوازنات السُلطة ومَنطق غلبة القَوي على الضعيف.

ضمن هذا السياق يعتقد رئيس "الحزب الوطني الحر" طارق يحياوي أنّ "الأحزاب السياسية وجدت نفسها مُجبرة على التخندق في مسار السلطة، لأنها تُدرك أن مقاطعتها الاستحقاقات المقبلة تعني اضمحلالها في ظل تجاوز الشارع لها والداعي إلى تغيير الوضع السياسي برمّته".

وباعتبار أن هذه الأحزاب جُزء من منظومة الحكم، فإنّها فقدت تأثيرها وهي الآن تبحث عن التموقع من جديد - وفق يحياوي - الذي يُضيف في تصريحات الى "النهار العربي" أن "النظام مُتعَود على الإقصاء والتهميش، فلا غرابة في مضيه قدماً في خريطة طريقه التي رسمها منذ الانتخابات التي جرت في 2019".

جَدل يُصاحب عودة الحراك
كل هذه التطورات، تزامنت مع حملة "تشويه" طالت الحراك الشعبي من سياسيين والإعلام العمومي، فقد انتقد التلفزيون الحكومي عَودة المسيرات، وقال إن بعض الشعارات السياسية المرفوعة تعود إلى فترة التسعينات، أي إبان الأزمة الأمنية أو ما يُصطلح عليها بـ"العشرية السوداء"، في وقت تجاهلت القنوات الخاصة تغطية التظاهرات التي يُشارك فيها الآلاف.

حتى من الناحية السياسية بات الحراك في ميزان "التجاذبات"، بعدما كان محل إشادة من ناحية سلميّته ووعي شعارته، إذ هاجم رئيس حركة "مجتمع السلم" عبد الرزاق مقري، من وصفهم بـ"التيار العلماني المتطرف"، مُتهماً إياه بمحاولة السيطرة على الحراك واحتكاره لفرض مرحلة انتقالية. 

وانتقد مقري ما وصفها بـالشعارات "الراديكالية" التي تستهدف الجيش، وذكر أن الحراك الشعبي حقق منذ شباط (فبراير) 2019 مُنجزات مهمة، إذ "نجح في كسر مشروع العهدة الخامسة وفضح الصراعات داخل النظام السياسي". 

وفي السياق نفسه، حذّر رئيس حزب "جيل جديد"، جيلالي سفيان، من "انزلاقات" قال إنها قد تحدث بسبب بعض الشعارات المرفوعة في مسيرات الحراك، لافتاً الى أن "هناك شعارات في الحراك الشعبي تأتي من الخارج وتخدم أجندات أخرى هدفها زعزعة استقرار البلاد". واعتبر أن "الرفض القاطع لكل مقترحات السلطة سيُؤدي إلى حتمية التصادم".

في المقابل، تحدثت الأمينة العامة لحزب "العمال" لويزة حنون عن تسلل من أسمته بـ"تيار ظلامي في بداية المسيرات بشكل محدود ثم تقوى بعدها"، موضحة أنّ "هذا التيار يتحرك على وجه الخصوص في الخارج بحشد الأموال ووسائل إعلامية، ويريد هؤلاء المحرضون تحريف المسار الثوري لإعادة إنتاج سيناريو عاشته بلدان أخرى".

هذه المواقف تأتي في أعقاب بروز شعار في الجمعة 106 يُهاجم الاستخبارات ويَصفها بـ"الإرهابية"، وهو من أقوى الشعارات المرفوعة منذ بداية الحراك في 22 شباط (فبراير) 2019، وذلك بعد تصريح الطالب الجامعي وليد نقيش (25 عاماً) أثناء مُحاكمته مطلع شهر شباط (فبراير) الفائت بأنه تعرض للتعذيب ولاعتداء جنسي لمُدة ستة أيام متتالية في أحد المراكز الأمنية بعد اعتقاله في إحدى مسيرات الحراك.

وأثار هذا الشعار جدلاً حاداً في الشارع، بين متخوفين من تداعياته على الحراك وإمكان توظيفه لعَزل الحركة الاحتجاجية، معتبرين أن من سرّبوا هذا الشعار في أوساط الجموع لهم أهداف غير بريئة تسعى لتسميم الأجواء، لكونه يتناقض مع الروح السّلمية والطابع الأخلاقي للحراك الشعبي، وبين من رأى أنه شعار قد يُفيد في فتح نقاشات عن "تجاوزات" بعض الأفراد المنتسبين الى الجهاز الأمني الحساس، والتي ينبغي القَضاء عليها مع حفظ الأدوار الوظيفية الهامة التي يقوم بها الجهاز في حماية الأمن القومي، كما طالبوا بعدم التعرض بالإساءة إلى المؤسسات الأمنية.

وفي لقاء جَمعه مع صحافيين في قصر الرئاسة، يوم 2 آذار (مارس) الجاري، صرح الرئيس الجزائري بأن "عودة مسيرات الحراك الشعبي لا تُشكل مصدر إزعاج أو قلق" بالنسبة اليه، مُعتبراً أن "هُناك من خرج (الحراك) للتذكير بالمطالب، وهناك من خرج لأغراض أخرى". وتابع أن "معظم مطالب الحراك الأصلي المبارك تحققت، بدءاً من إسقاط العهدة الخامسة، إلى رفض التمديد ومحاربة الفساد".

ويقول تبون إنّ "الشعب اختار التغيير المؤسساتي (على حساب المرحلة الانتقالية التي تعني البداية بمجلس تأسيسي"، مشيراً إلى أنه ما زال عند كَلمته في التغيير المؤسساتي لنظام الحكم، "مهما كلف الأمر".

وفي رَده على الشعارات المطالبة بتمدين الحكم، قال تبون إنّ "الجيش دخل مرحلة الاحترافية، وهو بعيد عن السياسة"، نافياً وجود خلافات بينه وبين المؤسسة العسكرية ومكذباً كل الروايات التي رَوّجت لرغبته في الاستقالة من مَنصبه أو لمحاولة استهدافه بالرصاص عقب تنقله في رحلة علاجية إلى ألمانيا، وهي الروايات التي شبّهها بقصص ألف ليلة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم