إعلان

التورط في الإرهاب... "يا رب اجعلهم غير تونسيين!"

المصدر: النهار العربي
أسامة رمضاني  
تظاهرات تونسية رفضاً للإرهاب
تظاهرات تونسية رفضاً للإرهاب
A+ A-
على مدى السنوات الماضية، وكلما تحدثت وسائل الإعلام عن عملية إرهابية جديدة، أصبح التونسيون يتوسلون الله ألا يكون الإرهابي تونسياً. 
 
منذ حادثة اغتيال أحمد شاه مسعود في أفغانستان عام 2001 مروراً بالتفجيرات الانتحارية في العراق وانضواء مئات التونسيين تحت لواء "داعش"، كانت هناك حالات عديدة لتونسيين تورطوا في أعمال إرهابية. ولكن تلك الأعمال لم يكن لها وقع الصدمة التي ما انفكت تحدثها الحالات التي يتورط فيها تونسيون خلال هجمات على مدنيين عُزّل في مدن أوروبا. 
 
قد يكون وقع هذه الحوادث أشد على التونسيين من التي سبقتها نتيجة حصولها خارج إطار النزاعات المسلحة وتحت الأضواء الكثيفة لوسائل الإعلام الأوروبية التي يعيرونها اهتماماً كبيراً.
 
بدأت السلسلة المروعة التي تورط فيها تونسيون بحادثة دهس لحشد من المشاة الآمنين في مدينة نيس في يوم العيد الوطني الفرنسي عام 2016، قتل منهم 86 شخصاً وجرح العشرات. تلاها هجوم إرهابي آخر في احتفالات عيد الميلاد للسنة نفسها في برلين ونجم عنه مصرع 12 شخصاً. 
 
منذ ذلك الوقت، أصبح توجس التونسيين واقعاً مستمراً تقريباً. ولم يكن يوم 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي استثناءً، إذ تردد على ألسنة الناس التضرع نفسه لله بأن يبعد التونسيين عن دائرة الحدث عندما أذيع نبأ مقتل ثلاثة أشخاص في كنيسة نوتردام في نيس الفرنسية. 
 
في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة وجائحة كورونا، لم تكن تونس بحاجة لخبر سيّئ جديد يزيد من إحباط الناس وتوترهم. ولكن الأقدار شاءت مجدداً أن يكون الإرهابي مرة أخرى تونسياً. 
 
ومثلما عاود سكان نيس كابوس 2016، بما فيه من مشاعر الألم والصدمة، عاودت الكثير من التونسيين أحاسيس هي مزيج من الغضب والخجل تجاه تورط مواطن تونسي في حادث إرهابي بقدر كبير من الفظاعة. 
 
تسارع تورط التونسيين في مثل هذه الأنشطة الإرهابية بعد حوادث 2011 التي أطاحت بالنظام السابق في تونس، والتحاق المئات أو الآلاف بتنظيمات جهادية في سوريا والعراق وليبيا. 
 
وبحسب الأرقام التي قدمتها المنظمات والحكومات الأجنبية، إلى بعض التصريحات الرسمية، تراوحت التقديرات بين ثلاثة وستة آلاف تونسي التحقوا بتنظيم "داعش" وتنظيمات متطرفة أخرى. وقد تكون أعدادهم أقل أو أكثر ولكنها كانت دائماً مصدر حيرة وتساؤل: لماذا التونسيون؟
 
حاول الكثير من السياسيين وعلماء الاجتماع والخبراء الأمنيون الإجابة عن هذا السؤال. لكن الأسئلة ما زالت أكبر بكثير من الأجوبة حول الظروف التي حذت بانجرار هؤلاء نحو التطرّف وحول الشبكات التي سعت لتسفيرهم إلى بؤر التوتر في المشرق العربي، وهي تسعى اليوم الى توظيفهم في أعمال مدمرة في أوروبا كما في الداخل. 
 
وإلى اليوم، لا تزال الصورة غير واضحة بخصوص مصير الآلاف من الجهاديين التونسيين الذين غادروا، والآلاف الذين مُنعوا من الخروج خلال العشرية الماضية. وعلى ضوء كل الاستفهامات العالقة، لا أحد في الواقع يعرف متى تنتهي المأساة.
 
لا أحد يستطيع اليوم تقديم إجابات مقنعة عما يحدث. فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية لوحدها لا تكفي لتفسير تأثُّر بعض الشباب أكثر من غيره بالأفكار المتطرفة. ولكن هذه الأوضاع تشكل بكل تأكيد عوامل تزيد الفكر الهش هشاشة خصوصاً في أجواء اليأس والإحباط التي ترافق ظروف الفقر والبطالة والتفكك العائلي والانقطاع عن التعليم. وهناك أيضاً الانتهازية القاتلة لدعاة التطرّف الذين يصورون الموت لأولئك الذين ضاقت بهم السبل أو انزلقوا نحو الإجرام على أن العنف الإرهابي هو الوحيد الكفيل بتوفير معنىً للحياة. غير أنّ حصر جذور المشكلة في الدوافع الاقتصادية والاجتماعية تبسيط شديد للظاهرة. فدعاة التطرّف ينجحون أيضاً، عبر قنواتهم التقليدية الثلاث، المسجد والسجن والإنترنت، في التأثير أيضاً على الأفراد من ذوي الهشاشة النفسية حتى إن كانت لا تعوزهم الإمكانات المادية أو درجات التحصيل العلمي. لذا تبقى أسباب اعتناق الفكر المتطرف عصيّة على التحديد والعلاج. 
 
ويبقى السؤال، "لماذا التونسيون؟ "في كثير من الأحيان هو سؤال إنكاري لا ينتظر إجابة. بل هو صرخة رفض وألم أمام مشهد شباب تونسي يسعى الى حتفه وموت الأبرياء من دون منطق. فمعظم التونسيين في الواقع يراودهم ارتباك وخجل من تصرفات أشخاص يشاركونهم الجنسية، لكن أعمال هؤلاء الأشخاص تناقض الصورة التي يراها التونسي لنفسه كإنسان مسالم ومنفتح على الآخرين. وتراود الكثيرين رغبة في التبرؤ من هذه التصرفات ونوع من الإحساس بالذنب تجاه مواطنين أبرياء لشعوب شقيقة وصديقة لم يؤذِ أحد منهم تونس في شيء. 
 
من الأكيد أن معظم الناس العاقلين في العالم لا يُسقطون السلوكيات المتطرفة لبعض الأفراد على الغالبية الساحقة للشعوب والثقافات التي ينتمي إليها هؤلاء المتطرفون. لكنه من المفهوم أن تتولد عن الأجواء المشحونة الناتجة من الأعمال الإرهابية مخاوف من الضرر الذي يمكن أن يلحق سمعة مئات الآلاف من التونسيين المقيمين في أوروبا ومصالحهم وبينهم الأعداد الكبيرة من الأطباء والممرضين العاملين على الخطوط الأولى للحرب على كورونا. 
 
وهناك أيضاً ما يبرر الخوف الأعمق من التفاعلات التي تطفو علاماتها أحياناً على السطح داخل تونس ذاتها. وهناك أيضاً الخوف على المستقبل في ظل وجود تيارات متطرفة لا يمكن أن ننفي استمرار انتشارها أو الادعاء بأنها هامشية. ولهذه التيارات قواعد رخوة وأخرى صلبة في المجتمع لا يمكن إنكارها. 
 
ذكر معهد "بيو" Pew لاستطلاعات الرأي عام 2013، أن 15 في المئة من التونسيين يَرَوْن مبرراً لأفكار تنظيم القاعدة و12 في المئة يَرَوْن أسباباً يمكن أن تبرر العمليات الانتحارية. وأشار سبر آراء أميركي آخر إلى أن 9 إلى 12 في المئة من التونسيين لا يعترضون على سفر البعض إلى بؤر الصراع في العالم الإسلامي.
 
ليس هذا مجال التثبت من صدقية هذه الاستطلاعات ولكن هذه الأرقام تشير إلى أن الظاهرة قد تكون تشمل أقلية غير بسيطة من المجتمع يغريها خطاب الحقد على الغرب وتؤثّر فيها الدعوة للصدام مع الثقافات الأخرى، في تناقض مع حاجة البلاد أكثر من أي وقت مضى للانفتاح على العالم وللتعاون مع الجميع. 
 
الغريب في الأمر أن مؤسسة "بيو" رأت في أرقامها الصادمة مؤشراً على اعتدال غالبية المجتمع وليس على وجود أرضية صلبة للتطرف، ولو كانت تشمل أقلية عددية فقط، يجب تفكيك جذورها والتصدي لتداعياتها.
 
طبيعة الجدل حول حادثة نيس وما سبقها من حوادث أظهرت أيضاً ضبابية المشهد التونسي على مستوى المواقف والأفكار في ما يخص التطرّف.
 
وإذا كان مشروعاً بالنسبة إلى أي مجتمع أن يرفض المواقف المستفزة لمشاعره الدينية مهما كانت منطلقاتها، فإن المثير للاهتمام وجود تيارات لا تدعو في حد ذاتها إلى العنف الإرهابي ولكنها تتساهل معه أو تمهد له الطريق بشيطنة الآخر أو باعتماد صمت وغموض مريبين يشكلان في أفضل الحالات أرضية رخوة للتطرف تشرّع للوقوف على الحياد بين القاتل والمقتول وتتبنى ضمنياً مسوّغات القتل. 
 
في غياب الوعي الكافي بوجود هذه الأرضية، برخوها وصلبها، هناك خشية من أن تزيد الإيديولوجيات المتطرفة تسرباً وهي تيارات من شأنها أن تبعد البلاد، أية بلاد، من طريق البناء والاستقرار. 
 
وفي أزماتها الراهنة المتعددة الأوجه، لا تستطيع تونس التغافل عن هذا التحدي الإضافي الذي لم يتزحزح طيلة السنوات الأخيرة. 
 
لقد حان الوقت حتى تنزل الطبقة السياسية والنخبة المثقفة من عليائها، وتتحملا مسؤوليتهما كاملة من أجل أن تختفي الحاجة إلى الدعاء الجماعي: "يا رب اجعله غير تونسي!"، فتونس أهل لما هو أفضل. 
الكلمات الدالة