إعلان

العلاقات المغربيّة الألمانيّة... سوء الفهم العميق

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
السفارة الالمانية
السفارة الالمانية
A+ A-
دخلت العلاقات المغربية الألمانية منذ نهاية الأسبوع الماضي، في مواجهة صامتة لم يرشح الكثير عن أسبابها العميقة التي أدت بوزير الخارجية المغربي في رسالة وجهها الى رئيس الحكومة المغربية وأعضائها وجرى تسريبها بعناية، إلى وصف ما وصلت إليه العلاقات بين البلدين، بسوء فهم عميق يهم المصالح الحيوية للمغرب، مرتباً على ذلك عدداً من الإجراءات ألزم بها جميع المؤسسات الحكومية، منها قطع أي اتصال بالسفارة الألمانية في الرباط، وكذا بكل المؤسسات والمنظمات الألمانية التي تعمل في المغرب، من دون تقديم تفاصيل عن الأسباب العميقة والمباشرة التي أثارت كل هذا الغضب المغربي، في الجانب الألماني بدا الأمر مفاجئاً، سواء للحكومة الألمانية، أم لوسائل الإعلام التي لم تتمكن من فك شفرات القرار المغربي.

في الواقع من المبكر بناء تقدير موضوعي حول القرار المغربي، باعتبار أنه إلى حدود اليوم لم يقدم أي تفسير رسمي لدواعي القرار المغربي، لكن يبدو من خلال لهجة رسالة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أن الرباط أرادت دق ناقوس الخطر بخصوص العلاقات الثنائية بين البلدين، ومن خلال العودة إلى المعجم الذي تم توظيفه في الرسالة، فإننا نكتشف من دون عناء أن المغرب نفد صبره تجاه برلين، وأنه قرر وضع نقطة نظام بخصوص العلاقات الثنائية، ما ينسجم مع التوجه الذي بدأ يحكم الدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة، والذي يقوم على ضرورة بناء التوازن على قاعدة المصالح المشتركة في العلاقات الخارجية، أياً كان الطرف الثاني، وإعطاء قضية الصحراء المغربية الأولوية في تقييم مستوى العلاقات الثنائية، بخاصة لجهة رفض توظيفها ورقة ضغط على المغرب. 

لفهم القرار المغربي يجب إعادة تفكيك العلاقات بين البلدين والتركيز على القضايا التي تشغل برلين والرباط كل على حدة، إذ يظهر بوضوح، أن خلفية الموقف المغربي تتمثل في المواقف الأخيرة لبرلين من قضية الوحدة الترابية للمملكة، إذ يجب أن نتذكر أنه في منتصف شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي كانت ألمانيا قد طلبت انعقاد جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي سبعة أيام فقط بعد القرار التاريخي للولايات المتحدة الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل بعد تلك الجلسة رفع ممثل ألمانيا في الأمم المتحدة رسالة إلى رئاسة مجلس الأمن يتبنى فيها رواية البوليساريو والجزائر بخصوص انهيار وقف إطلاق النار، وهو ما لم يصدر عن أي بلد في العالم، علماً أن الحروب اليوم لا يمكن إخفاؤها عن وسائل الإعلام الدولية وأجهزة المخابرات العالمية، لذلك يمكن القول إن برلين قد انخرطت عملياً في حرب دعائية ضد المغرب، وهي في تلك الفترة على بعد أيام فقط من نهاية ولايتها كعضو غير دائم في مجلس الأمن، هنا يجب التأكيد أن ألمانيا لا تعيد اختراع العجلة في ما يتصل بالنزاع المفتعل في الصحراء المغربية، إذ إن المواقف الأخيرة لألمانيا لا يمكن أن تتصف بالمبدئية، ذلك أن هذا النزاع ليس أمراً طارئاً، وألمانيا لم يسبق لها أن تعاطت معه خارج كونها دولة داعمة للحل السياسي المتوافق عليه تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو موقف الأوروبيين بصفة عامة، وبناءً عليه لا يمكن قراءة المنهجية الجديدة لبرلين في تعاطيها مع النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، خارج كونها منهجية تقوم على "ابتزاز" الرباط ومقايضتها على خلفية ملفات اقتصادية خِلافية بين البلدين، نذكر منها، اعتراض ألمانيا على تمويل البنك الأوروبي لمشروع القطار الفائق السرعة الذي يربط بين طنجة والدار البيضاء بسبب منح المشروع للفرنسيين، إضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بسوق الطاقات المتجددة الصاعد في المغرب، كما يمكن أيضاً إثارة قطاع التأمينات والبنوك وصناعة السيارات، إذ ترى ألمانيا أنها خارج السوق المغربية أو على الأقل لا تحضر فيها بما يوازي قوتها الاقتصادية. 

في المقابل، يبدو أن المغرب قد حسم اختياره في رفض أي "ابتزاز" أو مساومة يتم فيها توظيف قضية الصحراء أياً كان مصدرهما، نتذكر هنا التوتر الذي حدث بين المغرب وكل من السويد وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة، إضافة إلى الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بان كيمون... 

لكن مع ذلك، وفي ما يخص الأزمة الحالية بين المغرب وألمانيا من المؤكد أن هناك نقطة أفاضت الكأس لم يتم الكشف عنها إلى اليوم، باعتبار أن الخلافات التي أشرت إليها سابقاً ليست جديدة، سواء تطور الموقف الألماني من قضية الصحراء المغربية أو الطموحات الاقتصادية الألمانية في السوق المغربية أم لا، فهل ستقف الأزمة بين البلدين في حدود تعثر العلاقات الثنائية التي يمكن تداركها وفق منطق رابح رابح؟ أم أن برلين قد تنقل المواجهة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي وهو ما سيمسّ الشراكة والتعاون المغربي الأوروبي في عدد من القضايا، أهمها الهجرة والإرهاب.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم