إعلان

الجزائريات يتأخّرن في الزواج... أرقام مذهلة ومطالب بمعالَجات اجتماعية واقتصادية

المصدر: النهار العربي
الجزائر-نهال دويب
ظاهرة تأخر سن الزواج في الجزائر تزايدت بشكل لافت في الأعوام الأخيرة.
ظاهرة تأخر سن الزواج في الجزائر تزايدت بشكل لافت في الأعوام الأخيرة.
A+ A-
تشكلُ ظاهرة التأخر عن الزواج بين الفتيات في الجزائر هاجساً يطاردهن في المجتمع، حيث اتسعت رقعة هذه الظاهرة لتأخذ منحىً تصاعدياً خطيراً... فآخر الأرقام التي أعلن عنها في 2017 تشيرُ إلى إحصاء 11 مليون امرأة عانس في الجزائر، وهو الرقم الذي يتجاوز عدد سكان 5 دول عربية، بعدما كان في حدود 4 ملايين فتاة لم يتزوجن، بحسب آخر الإحصاءات الرسمية التي أجريت عام 2015 من جانب الديوان الوطني للإحصاء الجزائري وهو هيئة حكومية رسمية.
 
تجد نفسها رهينة العزلة والوحدة، وتحاصرها الاتهامات ونظرات المجتمع الدونية أينما حلت وارتحلت، وكأنها اقترفت ذنباً أو عيباً أو خطيئة، رغم أن الظروف حالت دون دخولها ما يوصف بـ"القفص الذهبي". ووفق الإحصاءات، كثيرات ممن لم يتزوجن يعانين من أمراض نفسية خطيرة أبرزها الاكتئاب الحاد الذي يدفع بعضهن في غالب الأحيان إلى خيارات صعبة، أحدها الانتحار.
 
 هذه التجربة عاشتها نورة وهي سيدة جزائرية في العقد الرابع من عمرها، بعدما اصطدمت كل محاولاتها في الارتباط بأحد زملائها في العمل أو أقاربها بالفشل، إذ أصبحت تفضل العزلة وتميل إلى الانطواء حتى أنها قطعت كل علاقاتها التي كانت تربطها بالأقارب والجيران.
 
وفي كل مرة، كانت نورة تتساءل عن الأسباب التي حالت دون زواجها، وبقيت على هذه الحال إلى أن أصيبت بمرض السرطان الذي نخر جسدها المنهك والمتعب وتوفيت بعد مرور عامين كاملين من إصابتها بهذا المرض الخطير.
 
ولا يختلف وضع نوال وهي سيدة جزائرية في العقد الرابع من عمرها من محافظة سطيف شرق العاصمة الجزائر، عن وضع نورة، فقد انزوت هذه الأخيرة ليلة زفاف شقيقتها الصغرى في غرفة مظلمة وأتلفت "جهاز" شقيقتها العروس (هي مجموعة من الألبسة التقليدية وألبسة المنزل وقطع من الذهب ومجموعة كبيرة من العطور والماكياج الذي تشتريه العروس من مال مهرها الذي يقدمه العريس يوم عقد القران الشرعي أو كما يعرف في الجزائر بيوم الفاتحة).
 
تهميش
وفاقمت ظاهرة التأخر عن الزواج من الضغوط على المرأة الجزائرية ووسعت من رقعة تهميشها والاعتداء على حقوقها، حسبما كشفته لـ"النهار العربي" رئيسة "جمعية نور للمرأة والطفل" دليلة حسين.
 
ومن بين الحقوق التي تُسلب من المرأة العانس، تشير حسين إلى "التعدي على ميراثها فهناك من يجبرها على التخلي عن حقها". وبحسب الإحصاءات التي قدمتها الناشطة النسوية لـ"النهار العربي" فإنه يتم تسجيل امرأة واحدة أو امرأتين تأخرتا عن سن الزواج، وفق المفاهيم المجتمعية، في كل عائلة واحدة.
 
ومن جهتها، تصفُ الباحثة الجزائرية في علم الاجتماع العائلي ظاهرة العنوسة، قائلة إنها "ظاهرة اجتماعية قديمة النشأة قِدَم المصطلح، لكن الحديث الأصح هو عن تفاقمها بهذا الشكل المخيف والعنيف ما يدق ناقوس الخطر ويهدد البناء الاجتماعي بالانهيار والزوال ما لم تتخذ إجراءات سريعة وتوضع على طاولة النقاش لدى الهيئات الخاصة والعامة، كما أن لظاهرة العنوسة أسباب عدة رئيسية منها وثانوية"، علماً أن المصطلح لغوياً يشمل الإناث والذكور معاً، لكن "العقلية الذكورية حصرت مصطلح العنوسة بالإناث" وفق ما تقول ناشطات نسويات.
 
أسباب وحلول
ترى دليلة حسين أن "التغيير الاجتماعي في تركيبة المجتمع الجزائري عبر تغيّر نمط الأسرة من النمط التقليدي (الأسرة الممتدة) الى النمط الحديث (الأسرة النواتية) أدى الى تغيّر معايير الزواج وتشكيل الأسرة لدى الشباب، ففي القديم كان الزواج تقليدياً أي يعتمد على خطبة النساء من طرف النساء في أماكن خاصة، إذ كانت الأم تختار العروس للابن بالاعتماد على معايير خاصة بحسب طبيعة الأسرة، بعد السؤال عنها من حيث الحسب والنسب والسمعة".
 
وتضيف: "وإن لم تكن تنتمي الى الأقارب تذهب لرؤيتها في المنزل ثم تقوم بدعوتها للحمام وتقرر إن كانت تصلح لتصبح كنّة لها أو لا، وهذا مثال بسيط عن كيفية الخطبة والزواج قديماً. ولا تزال بعض الأسر في الجزائر تحافظ على هذا التقليد. نجد كذلك أن بعض الأسر تحافظ على نسبها بعدم الاختلاط في الزواج، أي يبقى الزواج داخلياً من الأقارب فقط ما يفسره المثل الشعبي الجزائري (زيتنا في دقيقنا) وهذا كان خارجاً عن إرادة الشاب او الفتاة، فلا مجال للنقاش أو الرفض".
 
وإضافة إلى هذه الأسباب كُلها تقول الباحثة الجزائرية في علم الاجتماع العائلي والاستشارية الأسرية صارة زقاد، إن "النظام الذكوري الصارم للمجتمع الجزائري من قبل كان عاملاً أساسياً في طريقة الزواج، إذ إن السلطة الممنوحة للرجل في الأسرة كانت تمثل أيضاً عاملاً أساسياً في اختياره للزوج المناسب لمن هم تحت سلطته من النساء. نجد أيضاً أن من بين الأسباب الاجتماعية من قبل، بساطة العيش وسهولة متطلبات الحياة، فالرجل كان دوره خارج المنزل أي العمل وتوفير الأكل والملبس والاحتياجات الأساسية للأسرة، بينما اقتصر دور المرأة على خدمة الرجل وتلبية متطلباته في حدود أسوار المنزل، فكان نمط التنشئة الاجتماعية السائد يعتمد على تعزيز ذكورة الرجل وتهيئته نفسياً وبدنياً ليصبح سيد المنزل، في حين تتم تنشئة الفتاة منذ الصغر على الأعمال المنزلية كالطبخ والتنظيف والتربية، وهذا ما يجعل الجاهزية لدى الطرفين لتأسيس نموذج أسرة أمراً مبرمجاً سابقاً".
 
وتتحدث أيضاً عن ارتفاع المستوى التعليمي للفتاة الذي أصبح عاملاً مؤثراً في العزوف عن الزواج "حيث أن أغلب الفتيات غير المتزوجات هن من المتعلمات أو اللواتي أكملن دراستهن الجامعية، ولأن سقف التطلعات قد ارتفع فالنمط الأسري الحديث المؤسس على استقلالية الأسرة الصغيرة عن الأسرة الكبيرة يستدعي تنوّع مصادر الدخل المادي وذلك لتفاقم متطلبات الحياة، فتنشأ الفتاة حتى تصبح ذخراً وسنداً لأسرتها طالما لم تتزوج، شأنها شأن الذكر، لذا يعمل الأبوان على توفير كل الشروط المواتية لتعليم ابنتهما تعليماً صحيحاً حتى تكون مستقلة مادياً عن الذكر".
 
دور الاستقلال المادي
وتتابع زقاد: "عمل المرأة هو الآخر سبب من أسباب تفاقم ظاهرة العنوسة بين الإناث، فقد أشرنا سابقاً الى أن الرجل كان دوره الأساسي هو توفير متطلبات الحياة من خلال العمل، ولما دخلت المرأة مجال العمل من بابه الواسع واحتلت المراتب الأساسية في أغلب الوظائف والمجالات ونافسته فيها قدم الرجل استقالته وأعلن امتعاضه ورفضه لذلك، وهذا الاستقلال المادي جعل المرأة تستغني عن الرجل كمصدر معيل وتكتفي به لإشباع الجانب العاطفي والنفسي والغريزي البيولوجي فهو المصدر الأساسي لتلبية حاجة الأمومة لديها".
 
وتسلطُ الباحثة الجزائرية الضوء على تغيّر قيمة الزواج المادية بتغير النمط الاقتصادي السائد في المجتمع وتغير نظرة الفتاة الى الرجل، "فبعدما كان الرجل سنداً عاطفياً وشريكاً للحياة أصبح رمزاً للمفاخرة المادية أي أن الرجل المحبوب هو الرجل الذي يمنح أكثر ويموِّل أكثر من غيره".
 
وتشير إلى أنه "في السابق كان الشرط الأساسي للرجل هو الخلق والدين، لكن اليوم تغيرت المفاهيم بحيث صار الشرط مسكناً خاصاً وطقم ذهب وهدايا مناسبات في فترة الخطوبة ومهراً بالملايين وسيارة أيضاً، كل هذه الشروط تعجيزية لغالبية الشباب بالنظر الى الظروف المعيشية وارتفاع نسبة البطالة وأزمة السكن التي باتت موروثة في معظم الأسر الجزائرية، لذا يعزف الشباب عن الخطبة والزواج في حين ترفض الفتاة الخطيب الذي لا تتوافر فيه الشروط المذكورة سابقاً مفضلة الاكتفاء بعملها واستقلاليتها". 
 
ومن بين الحلول التي تراها الباحثة الاجتماعية مناسبة لتقليص رقعة هذه الظاهرة "رفع المستوى المعيشي للأفراد، وتوفير فرص شغل للشباب والقضاء على شبح البطالة، وتدخّل المؤسسات الدينية لتحديد المهر، حيث يكون في متناول الشاب البسيط، والتوعية في كل المنابر وبكل الوسائل إلى خطورة هذه الظاهرة، والتوعية بضرورة الاقتصاد في شروط الزواج من تجهيزات إلى حفل، واعتبارها من الإسراف غير المبرر والذي يكلف الأسر فوق طاقتها، إضافة إلى رد الاعتبار لدور المرأة والرجل في الحفاظ على توازن المجتمع كعنصرين مكملين أحدهما للآخر".
 
وفي المقابل ترى ناشطات نسويات أنه لا يمكن تحميل الفتاة المسؤولية الكاملة عن تأخر زواجها "في حال كانت لديها مطالب وشروط محددة، لأن من حقها أن تختار من تراه مناسباً ليحقق معها حياة كريمة، من دون أن يُعدّ ذلك شرطاً تعجيزياً، ولا سيما إذا كانت الفتاة بذلت في حياتها مجهوداً كبيراً للتعلّم والحصول على وظيفة تناسب إمكاناتها وكفاءتها".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم