إعلان

الجزائريون يفتقدون السّردين... سمك الفقراء الذي طارت أسعاره

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
سوق سمك في الجزائر
سوق سمك في الجزائر
A+ A-
يفتقد جزائريّو الأحياء الشعبية صَرخات بائع السمك وهو يجر عربَته، التي تُوقظهم ساعات الصباح الباكر، مردداً على مسامعهم "أيا سردين سردين"، وسرعان ما تلتفت القطط حوله بمختلف ألوانها، قبل أن يُهرول الأطفال بملابس النوم نحوه بأوان حديدية بكل فرح، فالغداء سيكون شهياً.

بات هذا المشهد من ذكريات زمن الرخاء الاجتماعي بالنسبة الى كثير من العائلات الجزائرية ذات الدخل المحدود، التي نسيت مذاق سمك السردين ورائحته في منازلها، هي التي تعوّدت شراءه ثلاثاً إلى أربع مرات في الأسبوع، بعدما ارتفعت أسعاره ارتفاعاً متصاعداً.

ولا تذكر فاطمة الزهراء (50 عاماً)، آخر مرة تناولت وجبة السمك لأنها تعود لأشهر، تقول: "كنا قبل سنوات، نعتبره طعام الفقراء، فلا تكاد تمر بين الأزقة الضيقة والأحياء الشعبية إلا وتفوح من مطابخها رائحة السمك الشهي، وتكون للقطط حصتها منه".

وعادة تتحاشى العائلات شراء السردين بعد الساعة الحادية عشرة، وتعتبر أنه يكون طازجاً أكثر في ساعات الصباح الباكر، وهو ما يجعل التجار يخفضون سعره مع تقدم ساعات النهار، ومن بين العلامات التي تؤكد أنه غير صالح للطهو، عيونه عندما تميل إلى اللون الأحمر.

وبات هذا الطبق الغني بالبروتين مثل المجوهرات، على حد وصف الشاب عمر الذي يقول مازحاً: "عندما أذهب إلى السوق أكتفي بالتمتع بمشهده ومنظره الجميل، حتى أنني أخاف من لمسه، فربما يفرض عليَّ التاجر ضريبة".

وقفز سعر الكيلوغرام من سمك السردين من دولارين إلى نحو 9 دولارات، في أشهر سوق في العاصمة "المسمكة" أو "لابيشري"، المقابل لميناء الجزائر العاصمة، بينما باتت الوجبات البحرية الطازجة، في مطاعم الفنادق تُكلف ميزانية عامل بحد ذاته، لا يقوى الكثيرون على تحملها.

وعلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت منشورات ساخرة من قيمة السردين الذي بات محرّماً على الفقراء، محطماً بذلك كل التوقعات، في كل أسواق الوطن، فيما يقول الصيادون إنّه قد يأخذ منحى تصاعدياً في مقبل الأيام وحتى السنوات المقبلة التي ستشتاق فيها العائلات إلى السردين.

ومن المنشورات الساخرة المتداولة التي تُعبر عن واقع الغلاء: "السردين مخلوق لطيف، لا يقرص، ولا يلدغ، وهو الآن مهدد بالتأميم الكلي كما حدث لأخيه الجمبري. وقد تعرض هذا المخلوق لضغط الليبرالية المتوحشة ليتحوّل إحدى خصوصيات الطبقات النبيلة الممنوعة على بقية المجتمع، الذي يحق له فقط النظر إلى صورها المعلقة في البيوت كحنين للذكريات الجميلة ما قبل النكبة".

السردين هو أحد أنواع الأسماء التي يكثر أكلها في الجزائر، نظراً لسعرها الذي كان مناسباً لكل فئات المجتمع، وهي تعيش في المحيط الأطلسي، كما يوجد السردين في الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط. وقد أُطْلق اسم سردين على هذا النوع من الأسماك لأنّ اصطياده تمّ لأول مرّة بالقرب من جزيرة سردينيا غرب البحر الأبيض المتوسط.

ويعيش السردين في مياه المحيط المعتدلة والمدارية الحارة، بالقرب من سواحل كلّ القارات تقريباً، وتتم معظم رحلات صيد سمك السردين في اللّيالي المظلمة، إذ إن حركة هذه الأسماك تؤدي إلى حدوث اضطراب في الأجسام الصغيرة التي توجد بالقرب من سطح الماء، ما يَتَسبَّب في حدوث تفاعل كيماوي ينتج منه ضوء يعرف بالتفسفر الأحيائي، وهذا الضوء يُرْشِد الصيادين إلى مكان هذه الأسماك. ويتمّ صيد أسماك السردين بنوع معيَّن من الشباك يسمى الشبكة الحافظة.

حذف من قائمة الأكل
وظل شارع طنجة الشعبي في الجزائر العاصمة، مقصد الجزائريين المارين أو العاملين هناك، إذ تشتهر مطاعمه البسيطة، بطبق السردين المرفوق مع اللوبيا، أو الفاصولياء البيضاء بالمرق الأحمر الشهي، لكن الوقع تغير ولم تعُد محال الأكل قادرة على توفيره لزبائنها مع غلاء أسعاره.

ولا يبدو رئيس اللجنة الوطنية للصيد البحري حسين بلوط متفائلاً بالمستقبل القريب وحتى البعيد، إذ يأسف للتلوث الذي طال شواطئ بلاده المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ويقول: "المشكلة أكبر من غلاء أسعار السردين، لأن الثروة السمكية مهدّدة في غضون الـ60 سنة المقبلة".

ويضيف:"لو استمرت مؤثرات التلوث بالشكل الحالي فسيتحول البحر الأبيض المتوسط بحراً ميتاً، تغيب عنه مظاهر الحياة البحرية". 

ومن فترة إلى أخرى تنشر وسائل الإعلام المحلية وحتى صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، مشاهد وصوراً لمياه الصرف الصحي التي تصب في البحر من دون تكريرها، بالإضافة إلى مخلفات المصانع والمركبات الصناعية الموجودة على السواحل، على غرار القاعدة البيترو كيميائية في سكيكدة شرق البلاد ومحطتي تكرار البترول في أرزيو ومستغانم وشركات تصنيع المواد الكيماوية في الحجار في عناب. بالإضافة إلى ما تتركه مختلف البواخر من مخلفات ملوّثة على غرار الزيوت في البحر.

ويتوقع بلوط، أن تستمر أسعار السمك في الارتفاع ما لم تسارع السلطات الى تطبيق القانون والتصدي لمختلف مظاهر التلوّث التي طالت البحر، وإجبار مختلف المؤسسات على التخلص من نفاياتها بعيداً عن السواحل، وتشجيع الصيادين وتوفير الظروف التي تسمح لهم بأداء عملهم.

ولا يزال قطاع الصيد البحري في الجزائر، لا يحظى بالاهتمام من السلطات، بينما تكبله القيود البيروقراطية ولا تزال تحكم الأساليب التقليدية هذه المهنة الشعبية برغم أهميتها، وهو ما اعترف بها مسؤولون حكوميون.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم