إعلان

حقوق الإنسان توتر العلاقة بين الجزائر وأوروبا... فرنسا رأس الحربة؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
اعتقال ناشطين في الجزائر
اعتقال ناشطين في الجزائر
A+ A-
"المصائب لا تأتي فُرادى"، هذا المثل ينطبقُ على الجزائر في المدة الأخيرة، فبينما يحتدم النقاش الداخلي في الوضع الصحي للرئيس عبد المجيد تبون وتداعياته على البلد، متزامناً مع "المأزق" الاقتصادي الصعب نتيجة جائحة كورونا العالمية، جاءَت إدانة البرلمان الأوروبي الجزائر بشأن وضع حقوق الإنسان لترفَع من حِدّة الضغوط، في خِضم مُحيط إقليمي مُلتهب تتخوّف الجزائر من تفاقُمه أكثر.

 لائحة مُكرّرة

ليسَت المرة الأولى التي يُدين فيها البرلمان الأوروبي الوضع الحقوقي في الجزائر التي تتولى الرد عليه من خلال المطالبة بعدم "التدخل في شأنها الداخلي". ففي مثل هذا التوقيت من العام الماضي، أي نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، صادق البرلمان الأوروبي بالأغلبية على قرار يُدين ما اعتبرها "انتهاكات حقوق الإنسان" في الجزائر، وذلك قبل أقل من أسبوعين على تنظيم الجزائر انتخابات رئاسية جرت في 12/12 من العام نفسه بإصرار من قائد أركان الجيش الراحل قايد صالح برغم الرفض الشعبي الواسع لها، وانتهت بفوز عبد المجيد تبون (75 عاماً).

 حينها، عبّر النواب الأوروبيون عن قلقهم من وضعية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في الجزائر، مندّدين بالاعتقالات التي وصفوها بـ"التعسفية وغير القانونية" التي طالت صحافيين ونقابيين ومحامين وطلبة مدافعين عن حقوق الإنسان، إضافة إلى متظاهرين سلميين يشاركون في حراك 22 شباط (فبراير) 2019.

 وقتها، خصص قائد الجيش الراحل قايد صالح، الرجل القوي في تلك المرحلة بعد تنحي بوتفليقة عن الحكم في الثاني من أبريل (نيسان) 2019، حيزاً من أحد خطاباته للرد على البرلمان الأوروبي، قال فيه: "الجزائر حرة مستقلة في قراراتها، لا تقبل أي تدخل أو إملاءات، ولن تخضع لأي مساومات من أي طرف أياً كان". كما وصفت وزارة الخارجية اللائحة بـ"الوقحة"، وهدّدت بمراجعة علاقاتها بالمؤسسات الأوروبية، في تصعيد غير مسبوق.

وعادت الجزائر لتتبنى مَواقف مماثلة، مع إصدار البرلمان الأوروبي لائحة جديدة تدين الوضع الحقوقي، خلّفت ردود فعل مندّدة من السلطات الجزائرية، وهو موقف جاء مسنوداً بدعم من الأحزاب المساندة للسلطة، وحتى المعارضة التي ترفض "الاستقواء بالخارج" مهما وصلت خلافاتها مع النُخبة الحاكمة، وإن كانت هي الأخرى تنتقد الوضع السياسي الداخلي والواقع الحقوقي في البلاد أيضاً مع تزايد عدد المتابعات والاعتقالات في أوساط النشطاء، لكنها تفضّل أن يظلّ شأناً داخلياً، من دون توظيفه لمصلحتها في معركتها السياسية ضدّ النظام.

 أي دور لفرنسا؟


 وتَعتقد الجزائر أنّ فرنسا تقِف وراءَ الضُغوط التي يُمارسها البرلمان الأوروبي باستخدام ورقة حقوق الإنسان، إذ صرّح الناطق باسم الحكومة الجزائرية عمار بلحيمر بأنّ بلاده تتعرض  لـ"وابل متدفق من التهجمات اللفظية التي تأتينا من فرنسا والتي تتم عبر قنوات عدة هي البرلمان الأوروبي ومنظمات غير حكومية، وكذا الشبكات الاجتماعية ومؤثريها الباريسيين". 

وشدّد الناطق، وزير الاتصال الجزائري، في حديث مع وكالة الأنباء الجزائرية (الرسمية)، على أنّ "هذه ليست المرة الأولى التي تُحاول فيها جماعات ضغط في البرلمان الأوروبي النيل، من دون جدوى، من الجزائر من خلال حقوق الإنسان والحريات الفردية عن طريق لوائح مماثلة أضحت مع مرور الوقت مملة ومُثيرة للإحساس بالتكرار".

وتزامنت تصريحات بلحيمر مع انتقادات وجهتها المعارضة الجزائرية إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تعهّد في حوار مع مجلة "جون أفريك"، مساعدة الرئيس تبون الذي وصفه بـ"الشُجاع" في إدارة ما سماها (مرحلة انتقالية).

واعتبر رئيس حزب "التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية" (الأرسيدي) محسن بلعباس أن "تصريحات ماكرون ليست مجرّد تدخّل، ولكنها دليل على أن فرنسا تدير خريطة طريق لبلدنا"، وطالب الرئيس ماكرون بوقف التدخلات الفرنسية في الشؤون الوطنية، موضحاً أن التدخّلات المتكرّرة لفرنسا الرسمية في الخيارات السيادية للبلدان الأفريقية هي جزء من المشكلة.

في المقابل، قدمت الأمينة العامة لحزب العمّال لويزة حنون، قراءة مختلفة مفادها أنّ تصريحات ماكرون الداعمة للسلطة في الجزائر ولائحة البرلمان الأوروبي المتخفية حول حقوق الإنسان، تقوم بلعبة تقاسم الأدوار للتّمويه من أجل إنقاذ النظام الحالي.

ومن هذا المنطلق، رأت حنون ذات التوجه اليساري، أن الرئيس الفرنسي، "وكل الأنظمة الرأسمالية والرجعية المرتبطة بالإمبريالية العالمية"، مرعوبة من "الثورة الشعبية في الجزائر"، وتسعى الى عرقلتها، مُبدية تخوفها من استغلال السلطة لخطوة البرلمان الأوروبي من أجل إلغاء أي مسار تهدئة محتمل، وداعية السلطة إلى إطلاق سراح "السجناء السياسيين، وفي مقدمتهم الصحافي خالد درارني".

 ما علاقة اتفاق الشراكة؟

 الجدل المثار حَول لائحة البرلمان الأوروبي، لا يراهُ متابعون بمعزل عن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الذي قرّرت الجزائر إعادة النظر فيه من خلال إعادة التوازن بشكل لا يضرّ باقتصادها الذي يُعاني مشكلات هيكلية عويصة فاقمتها جائحة كورونا كثيراً.

وفي الموضوع، أكّد الخبير الاقتصادي بن يحيى فريد، أن الجزائر، بعد 15 سنة من اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، لم تجن إلا الشيء القليل، إذ لم يكُن على أساس رابح - رابح، بل كان مُجرد تصريف للسلع الأوروبية إلى السوق الجزائرية، ما أرهق الخزينة العمومية، وأبقى مستويات العجز في الميزان التجاري لمصلحة الاتحاد الأوروبي. 

وأوضح بن يحيى لـ"النهار العربي" أنّ "الضغوط التي تُواجهها الجزائر باتت مكشوفة ويوظف فيها ملف حقوق الإنسان، بينما يشاهد العالم ما يحدث في فرنسا من انتهاكات وتهليل للديموقراطية، وتراجع كبير في حرية المعتقد وعدم ضمان حرية التظاهر"، ليضيف: "الأكيد أن الدول الأوروبية لا تريد خسارة حصتها في السوق الجزائرية وتتخوف من دخولها إلى منظمة التجارة العالمية وما قد ينجم عن ذلك من قرارات".

ويعتقد أن الجزائر مطالبة بالصمود في وجه الابتزازات السياسية من بعض الدول الأوروبية (يقصد فرنسا)، بالإضافة إلى تقوية علاقاتها بشركائها وحلفائها في المجال التجاري والاقتصادي، على غرار  الصين ورسيا وتركيا، وكذا البرازيل والهند والولايات المتحدة الأميركية، وحتى إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، التي أبدت رغبتها في إقامة علاقات جيدة مع الجزائر.

وتشير الأرقام إلى أن الجزائر استوردت سلعاً من الاتحاد الأوروبي بقيمة 320 مليار دولار، بين 2005 و2019، فيما لم تتجاوز صادراتها إلى بلدان الاتحاد 15 مليار دولار في الفترة نفسها، خارج النفط والغاز ومشتقاتهما، وتمثل الجزائر أقل من 1 في المئة من الحجم الإجمالي للتجارة الخارجية للاتحاد الأوروبي، في وقت تصِل حصة الأوروبيين من تجارة الجزائر الخارجية إلى أكثر من 55 في المئة.

وبانتظار فض "الخلافات" العالقة مع الاتحاد الأوروبي، تنشغل الجزائر باقتحام الأسواق الأفريقية، من خلال الانضمام إلى منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية مطلع العام 2021، لا سيما أنها تملك سبعة معابر نحو الدول الأفريقية، تسعى من خلالها إلى تصريف سلعها والرفع من حجم صادراتها خارج قطاع المحروقات (النفط والغاز) الذي يُشكل عصب الاقتصاد الوطني والمسيطر على 95 في المئة من الموارد المالية للبلاد.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم