إعلان

خبير تقني مالي لرئاسة الحكومة الجزائرية... هل يعالج الأزمة السياسية؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
أيمن بن عبدالرحمن
أيمن بن عبدالرحمن
A+ A-
بخلاف ما كَان متوقعاً عن إمكان تكليف شخصية سياسية لقيادة الحكومة، فضّل الرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون، خيار الشخصية الاقتصادية من طريق تعيين خبير في قطاع المال والبنوك، لقيادة الجهاز التنفيذي وهو أيمن بن عبدالرحمن، الذي سيقوم بدوره بمواصلة المشاورات السياسية مع الأحزاب والمجتمع المدني، لتشكيل الحكومة في أعقاب الانتخابات التشريعية التي أجريت في 12 حزيران (يونيو) الماضي.
 
وجاء هذا التَعيين في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد والناجمة عن تداعيات فيروس كورونا "كوفيد-19" وانخفاض أسعار النفط، وقبلها في المشاكل الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد الجزائري منذ الاستقلال 1962، والتي تجلت مظاهرها في تدهور قيمة الدينار وتدني المستوى المعيشي للمواطنين، وتفاقم الأزمات الاجتماعية، التي تنتظر حلولاً مستعجلة قبل انفجارها، كما يُطالب خُبراء اقتصاديون وناشطون سياسيون.
 
تفاؤل رئاسي
وأبدى تبون، تفاؤلاً بتولي أيمن بن عبدالرحمن رئاسة الحكومة، إذ خاطبه خلال استقباله لتكليفه بتشكيل فريقه الجديد قائلاً: "أنت أهل للمهمة لما هو قادم مستقبلاً، اقتصادياً واجتماعياً، وأنت على دراية بكل الملفات المالية. وكما وُفقت في مهماتك كوزير للمالية ستوفّق في هذه المهمة"، وفق ما نقل التلفزيون الجزائري الرسمي.
 
من جهته، قال بن عبدالرحمن في تصريحات صحافية عقب التكليف: "لقد شرفني الرئيس بقيادة الحكومة الجديدة، وسيزيدني ذلك عزماً وتفانياً في خدمة وطننا المفدى وتطبيق البرنامج النهضوي لرئيس الجمهورية للسماح للجزائر بالانطلاقة النهضوية التي بدأت معالمها تظهر في الأفق".
 
ولا يملك الوافد الجديد إلى قصر الحكومة، أي طموح سياسي، وفق ما يوضّحه مساره المهني الذي يُعرّفه أنّه رجل تكنوقراطي غير منتمٍ لأحزاب، مع أن التشكيلات المؤلفة للبرلمان الجديد طالبت بحكومة سياسية لمعالجة التراكمات السلبية الذي تعرفها البلاد، والإسراع في فتح حوار يؤدي إلى توافقات وطنية.
 
والوزير الأول الجزائري متخرج من المدرسة الوطنية للإدارة في الجزائر، تخصص اقتصاد ومال، وهو حائز على شهادة ماجستير في العلوم الاقتصادية والمالية، إضافة إلى شهادة في الإدارة والتدقيق، كما يقوم حالياً بتحضير الدكتوراه في العلوم الاقتصادية.
 
تدرّج أيمن بن عبدالرحمن في السلم الإداري، حيث شغل منصب مدير مكلف بمهمة في المفتشية العامة للمالية، ثم شغل مديراً مركزياً في البنك المركزي، ليُعين في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، في منصب محافظ بنك الجزائر، خلال الفترة الانتقالية التي تولى فيها عبدالقادر بن صالح رئاسة الدولة، بعد استقالة عبدالعزيز بوتفليقة من الحكم في الثاني من نيسان (أبريل) 2019.
وشغل بن عبدالرحمن منصب وزير المالية في الجزائر لعام و7 أشهر، وذلك منذ التغيير الحكومي الثاني الذي أجراه الرئيس تبون، ومنحه بتاريخ 23 حزيران (يونيو) 2020 حقيبة المالية خلفاً لعبدالرحمن راوية.
 
خيار غير كافٍ
يقول محمد بن عزوز، وهو أستاذ باحث في المدرسة الوطنية العليا للإحصاء والاقتصاد التطبيقي في الجزائر، إنّ "الكثير من القراءات انصبت على الجانب الاقتصادي وذلك من منطلق أن المرحلة التي تواجه الحكومة هي اقتصادية بامتياز، ولهذا ترى في تعيين وزير المالية السابق وزيراً أولَ هو عين الصواب". ويوضح أنه "لا يختلف اثنان على أن الوضع الاقتصادي الذي تعيشه الجزائر هو صعب ويحتاج إلى تبصر وبصيرة من أجل معالجة الاختلالات الكبرى في شقيها الاقتصادي والاجتماعي، ولكن هل تعيين وزير المالية في منصب وزير أول هو الحل أو جزء من الحل؟"، يتساءل محمد بن عزوز.
 
ويقول لـ"النهار العربي"، إنّ "هذا الخيار غير كافٍ كون المرحلة تحتاج إلى شخصية سياسية قوية تملك زمام المبادرة والقوة لتنفيذ القرار الصائب، وهذه الصفة غائبة في شخصية الوزير"، وسأل، "هل غابت عن دوائر القرار شخصيات تملك الاجماع والقوة في تسيير الشأن العام؟ اعتقد أن هذا الخيار لا يعبّر عن وجود نية في تغيير المشهد السياسي، وأن الأوضاع الاقتصادية سوف تتراجع تبعاً للعديد من المؤشرات محلياً كانت أو اقليمياً...".
 
تَركة حُكومات متعاقبة
بدوره، يرى الصحافي الجزائري المتخصص في الشؤون الاقتصادية، وليد مذكور، أنّ "الحكم على نجاح الحكومة ليس مرتبطاً بأفراد أو جماعة، وإنما بالريع (المحروقات)، واحتياطي الصرف من النقد الأجنبي"، لافتاً في حديث الى "النهار العربي"، إلى أن أصعب حكومة هي التي سيترأسها أيمن بن عبدالرحمن (55 سنة)، لأنها حكومة إدارة أزمة، إذ سيَرث الوزير الأول تَركَة الحُكومات السابقة التي تشكّلت في ظروف استثنائية، أولها تهاوي أسعار النفط وكذلك جائحة كورونا".
 
وتوقع مذكور، عدم نقاش الوزير الأول الجزائري في بعض القرارات الاقتصادية منها "مسألة تعويم الدينار خلال السنتين المقبلتين، بحكم أنّ القرار محسوم"، قائلاً: "إذا كانت هناك فعلاً نية لتحريك الاقتصاد فيتعين إبعاد خريجي المدرسة العليا للإدارة عن الحقائب الاقتصادية، بحكم أنّ الظرف يستدعي تعيينات مَدروسة، وعلى الوزير الأول المرافعة وتنفيذ برنامج رقمنة القطاعات بدءاً بوزارة المالية والفروع التي تسيرها الوزارة كالجمارك والضرائب ومسح الأراضي، ومعالجة مشكلات السيولة على مستوى مراكز البريد".
 
على الجهة المقابلة، يرى المحلل الاقتصادي الدكتور سليمان ناصر، أنّ "التحدي الأكبر الذي يواجه الوزير الأول أيمن بن عبدالرحمن هو إدارة فريق حكومي غير متجانس، بخاصة إذا كان المدرّب يفكر بعقلية علمية اقتصادية واللاعب يفكر بعقلية حزبية سياسية" قائلاً إنّ "الوضع لا يحتمل المزيد من تجريب الأشخاص والسياسات".
 
ومع تعيين أيمن بن عبدالرحمن على رأس الحكومة، عاد الحديث عن أهم الملفات الاقتصادية العالقة منذ سنوات والتي فشلت كل الحكومات في حلّها، وفي مقدمها السوق السوداء للعملة الصعبة المعروفة بـ"السكوار"، حيث يباع الدولار واليورو في الشارع، أمام مرأى الجميع.
ومن الملفات التي تفرض نفسها أيضاً، خطة "الإنعاش الاقتصادي"، التي أطلقتها الجزائر نهاية عام 2020 والتي لم يتم تنفيذها بعد، وترتكز أساساً على ثلاثة محاور كبرى، أهمها: الإصلاح المالي، التجديد الاقتصادي، ومحاربة البطالة، وتمتد حتى سنة 2024، إذ لا يزال الاقتصاد الجزائري رهينة قطاع المحروقات (النفط والغاز) بواقع 93 في المئة من إيرادات البلاد من النقد الأجنبي.
 
كما تنتظر الوزير الأول الجزائري ملفات أخرى منها ضرورة المحافظة على الاحتياطي المالي من العملة الصعبة المقدر بنحو 40 مليار دولار، والعمل على تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات، إضافة إلى حل مشكلات أخرى لا تقل أهمية مما تم ذكره.
 
وفي ظل هذا التعيين الذي يميل إلى ترجيح كفة الاقتصاد، يتخوف مراقبون، من إهمال البعد السياسي للأزمة في حسابات السلطة وعدم تجاوب الحكومة مع مطالب حقوقية ومدنية بضرورة إطلاق سراح المعتقلين الذين أوقفوا بسبب دعمهم للحراك الشعبي، وأيضاً استمرار الغلق الإعلامي والسياسي.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم