إعلان

أمام تحّدي مُحاربة "الرشوة" و"المال الفاسد"... أي برلمان يُريده الجزائريّون؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
يسعى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (75 عاماً) إلى التخلص من تركة سلفه عبد العزيز بوتفليقة، ما يعكس استعجاله في تنظيم انتخابات برلمانية ومحلية مُبكرة، تُكسبه ثقة الشارع المتلهف للتغيير بعد رفعه سقف مطالبه إلى حد الدعوة إلى رحيل النظام برمّته والتي رد عليها تبون بوعود ببناء "جزائر جديدة". وهو مصطلح يُثير الكثير من الجدال بين الواقع والمأمول.

ويندرج تنظيم انتخابات مُبكرة ضمن الالتزامات السياسية التي قطعها تبون بعد تسلمه السلطة نهاية عام 2019، والتي تأخر تجسيدها بظهور أزمة فيروس كورونا، وإن استطاعت السّلطة تمرير الدستور الجديد، برغم المقاطعة الشعبية لاستفتاء الفاتح من تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت.

تحدّي الإقناع
عودة تبون إلى الجزائر بعد شهرين من الغياب في رحلة علاجية إلى ألمانيا، أعادت طرح الأسئلة الكبرى عن التحديات التي تواجهه، ومن بينها مدى قُدرته على إقناع الجزائريين بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، لا يتسلل فيها المال الفاسد إلى القوائم الانتخابية، بالإضافة إلى تقديم ضمانات فعلية بتحرير المُؤسسة التشريعية من قبضة نظيرتها التنفيذية، فلا تكون مجرد أداة لتمرير مشاريعها من دون لعب أدوار أخرى في الدفاع عن انشغالات المواطن والعمل على تجسيدها.

وطيلة فترة حكم بوتفليقة، ترسّخت صورة نمطية بأن وجود البرلمان كعدمه، فقد شهد وصول أشخاص لا يحوزون أي مستوى تعليمي ويفتقدون الكفاءة، بعدما لعب المال الفاسد دوراً بارزاً في حصولهم على المقاعد، كما عرف وصول عاملات في مجال صالونات الحلاقة الى تحت قبة البرلمان، ما أكسبه تسمية "برلمان الحفافات" في وسائل الإعلام.

تضاعف هذا الوضع المسيء الى صورة البرلمان، مع وقوع حادثة "الكادنة" أو القفل، عندما أقدم نواب ينتمون الى "حزب جبهة التحرير الوطني" (صاحب الأغلبية) على إغلاق مقر المجلس الشعبي الوطني (غرفة التشريع) بالسلاسل الحديد والأقفال لمنع رئيسه آنذاك السعيد بوحجة من الالتحاق بمكتبه بسبب صراع على المنصب أواخر عام 2018، ما وضع مصداقية المؤسسة التشريعية على المحكّ.

في رأي متابعين للمشهد السياسي، يستجيب توجه تبون إلى تنظيم انتخابات مُبكرة مع دعوات مُلحة الى حل البرلمان، صدرت عن أحزاب معارضة تعتبر أن الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2017 وأفرزت "أغلبية مزوّرة" خيطت على مقاس نظام الحكم. في إشارة إلى بوتفليقة الذي أطاحته حركة احتجاجية شعبية في الثاني من نيسان (أبريل) 2019.

ومع إصدار الرئيس تبون تعليمات ببداية التحضير لقانون الانتخابات، عبّرت الهيئة المستقلة للانتخابات في الجزائر عن استعدادها لإجراء الانتخابات النيابية المبكرة، إذ صرّح رئيسها محمد شرفي أن "الهيئة في كامل الجاهزية لتنظيم الاستحقاقات النيابية والمحلية المسبقة"، متوقعاً أن تجري السلطات مشاورات مع الأحزاب حول مسودة القانون الجديد للانتخابات قبل عرضه على غرفتي البرلمان.

وأكد شرفي ضرورة أن يضع قانون الانتخابات الجديد حداً للمال الفاسد، مشيراً الى أن "أول ما يتبادر إلى أذهان الجزائريين عند الحديث عن الانتخابات هو الرشوة والشكارة اللتان شوّهتا المسار الديموقراطي، وحتى المؤسسات الدستورية، ويجب أن نجد لهذه الآفة حلاً جذرياً".

الحل في القوائم المفتوحة
ضمن هذا السياق، يعتقد المحلل السياسي عبد الرحمان بن شريط، أن نزاهة الانتخابات المقبلة مرهونة بما سيحمله قانون تنظيمها، معتبراً أن العامل الأول القادر على إقناع المواطن الجزائري بالذهاب إلى مكاتب التصويت هو التغيير الجذري لكل الأساليب القديمة والقضاء على القوائم المُغلقة التي تختارها الأحزاب وتقوم ببيعها بالأموال.

يشرح بن شريط لـ"النهار العربي" أنّ "رؤوس القوائم هم عبارة عن تجار يستعملون المال الفاسد لشراء الذمم لبلوغ مقاعد برلمانية، بينما يحل أصحاب الشهادات والكفاءات في المؤخرة"، بما يعاكس قواعد الممارسة السياسية.

ومن منظوره، فإن المطلوب هو وضع قوائم مفتوحة، بالإضافة إلى تجسيد ضمانات تقنية عبر قانون الانتخابات، من دون إهمال دور المواطن في لعب أدواره في المراقبة والتحرر من الذهنيات الجهوية والقبلية، لأن من يصنع الفارق هو وعي المواطنين وتوجههم لاختيار الممثلين الأفضل لهم.

ومع تزايد الدعوات الى إحداث القطيعة مع النظام السابق، يرى بن شريط أن هذه المسألة لا يمكن ربطها بتاريخ محدد لأنها ترتكز على عمل توعوي وتربوي يحتاج إلى مدة طويلة لزوال الذهنيات المتجذّرة، في وقت لا تحوز السلطة الأدوات اللازمة، لا سيما مع تمريرها الدستور الجديد الذي لم تكن مصداقيته مضمونة.

برلمان جديد هل يكون مقياساً للتغيير؟
ترى شريحة من الشباب أن عودة الأحزاب التقليدية والوجوه القديمة نفسها لتصدّر الواجهة في الانتخابات المقبلة، تعني الاستحواذ على السلطة لمدة طويلة، وبالتالي خيبة آمل في تحقيق التغيير، وهو ما يعني بحث الكثيرين عن خلاصهم بعيداً عن السياسة.


يعتقد محمد (30 عاماً) مؤسس شركة ناشئة أن الجزائريين "لم يَصلوا بعد الى المستوى الذي يكون فيه منتخَب ما محلَّ بحث أو تفضيل من الشارع، بما تعنيه كلمة شارع من هُموم وتطلعات".

على هذا الأساس، يذكر الشاب الجزائري لـ"النهار العربي" أنّ "الشارع لا يبحث عن أي نوع من المنتخَبين لأنه لا يرى في المنتخب مصدراً لحلّ مشكلاته اليومية. بعبارة أخرى، حالة اليأس تجاه كل ما هو سياسة لا تزال مستمرة حتى بعد حراك 22 شباط/فبراير الذي شكّل طفرة انخراط كبيرة للشارع في الشأن السياسي".

هل ستكون الانتخابات القادمة، المحلية والبرلمانية، مفتاحاً لتغيير المؤسسات؟ يسأل محمد ويُجيب: "هذا يتوقف على الإرادة السياسية للسلطة وللأحزاب ولجمعيات المجتمع المدني من جهة، وعلى حجم الانخراط الشعبي في هذه الانتخابات من جهة أخرى".

في المقابلة يقول عمار بن منور: "قبل الحديث عن هوية المنتخَبين يجب الحديث عن العملية الانتخابية التي يتعيّن أن تتم بطريقة شفافة، وضمانها مرهون باستقلالية اللجنة المشرفة على الانتخابات وإذا ما كانت ستحوي رجالاً نزهاء مخلصين، ومن ثم بعدها نتحدّث عن هوية المنتخبين الذين يريدهم الشارع، والأكيد أن هناك شروطاً، منها تحلّيهم بروح المسؤولية والضمير المهني".

وتهدف السلطة من خلال الانتخابات المبكرة إلى خلق نقاش سياسي يعيد الحيوية إلى المشهد الراكد، وتخفيف الضغوط عليها والانتقادات التي تواجهها، إذ ستكون الكرة في مرمى الأحزاب ومدى قدرتها على جذب المواطنين لمنحها مقاعد في البرلمان، وإن كانت التشكيلات السياسية تدفع نحو حوار سياسي، قبل التوجه الى استحقاقات انتخابية، يشمل إطلاق الناشطين المعتقلين وتحرير الإعلام والفضاء العام.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم