إعلان

​معاني الحضور الخليجي اللافت في قمة بغداد

فاطمة الغول
الزعماء المشاركون في قمة بغداد
الزعماء المشاركون في قمة بغداد
A+ A-
احتضنت العاصمة العراقية بغداد قمة التعاون والشراكة، مستضيفة دولاً محورية في المنطقة على رأسها السعودية وإيران، وشكل حضور الخصمين حدثاً بارزاً بحد ذاته يعزز مكانة العراق كوسيط بين الأطراف المتخاصمة ومكان يلتقي فيه الأعداء والأصدقاء لمحاولة حل الخلافات وصوغ مسارات مشتركة، من خلال احتضان محادثات ثنائية بين الجانبين الإيراني والسعودي، في وقت تنعكس فيه الخلافات سلباً على العراق والمنطقة بأكملها.
 
وهذا ما أكده رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بقوله خلال لقائه الوفود الإعلامية قبيل انعقاد المؤتمر، إن "هذا الحدث مهم، ليس للعراق فقط، بل للمنطقة كلها"، مبيّناً أن "هناك تحديات كبيرة تعاني منها المنطقة، وعلى الجميع التعاون والتكاتف في حلها، والعبور نحو خلق تكامل اقتصادي واجتماعي بين شعوب المنطقة". 
 
ويعتبر حضور القوى الإقليمية ذات الثقل إلى الطاولة نفسها وهي في حالة صراع مفتوح إنجازاً دبلوماسياً يدعم الكاظمي في استمراره رئيساً للوزراء، هو الذي يسعى جاهداً لانتشال العراق من الفوضى، بخاصة أنه غير محسوب على أي جهة او أي حزب سياسي، ولديه علاقات جيدة بمحيطه العربي والخليجي. 
 
حضور خليجي لافت
تعيد قمة بغداد ترتيب العلاقات بين العراق وأشقائه الخليجيين، فقد حضرتها السعودية والكويت والإمارات وقطر بالإضافة إلى الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي نايف مبارك الحجرف، ما يدل الى اهتمام خليجي واسع بالعراق وبإعادته الى محيطه العربي. لكن هذه الجهود الخليجية ليست وليدة اليوم بل دأبت عليها السعودية بالتحديد منذ  تسلم الملك سلمان بن عبدالعزيز للحكم في 2015 وتبلورت بفتح المملكة سفارتها في بغداد، كذلك اتفاق الجانبين على تأسيس صندوق سعودي - عراقي مشترك يقدر رأس ماله بثلاثة مليارات دولار، وأيضاً فتح منفذ عرعر الحدودي بعد إغلاق دام لثلاثة عقود، والكثير من الاتفاقيات بين البلدين كان هدفها الرئيسي إعادة دور العراق وفاعليته في المنطقة.
 
ويرى  أستاذ جامعة أم القرى السعودية د. عبدالحفيظ محبوب في حديث الى "النهار العربي"، أن "هناك حضوراً خليجياً عربياً مكثفاً البعض يسميه 7 مقابل 3، (السعودية، الإمارات، الكويت، مصر، الأردن، جامعة الدول العربية، العراق، مقابل إيران تركيا فرنسا). ما يمثل رسائل الى إيران وتركيا هي أن العراق بات مدعوماً بهذا المحفل الخليجي العربي، وأن الدول العربية جادة في دعم العراق، وإعادته الى الحضن العربي"،فيما يفسر أستاذ العلوم السياسية العراقي د. علي أغوان الى "النهار العربي" الحضور الخليجي اللافت في المؤتمر  بأن "الخليج يحاول أن يكون فاعلاً في العراق، لا سيما قطر والإمارات والكويت والسعودية، هذه الدول كانت لديها علاقات جيدة في الماضي مع بغداد واليوم تحاول أن ترمم هذه العلاقات من جديد. فالكويت تتمتع بتماس جغرافي وبحري مع العراق وتوجد ملفات مهمة مع الجانب الكويتي تتعلق بالتنظيم البحري وميناء عبد الله والملاحة المشتركة والربط السككي والاتفاقيات الاستراتيجية التي تتعلق بالمنطقة والقادمة من آسيا بالنسبة الى الكويت، وقطر كذلك لديها ثقل كبير واستثمارات كبيرة في تركيا، تحاول أن تمد هذه الاستثمارات داخل العراق وتحاول أن تقدم لبغداد شيئاً إيجابياً لكي يستطيع أن يحل أزماته، وأيضاً الإمارات هي من ضمن فكرة خليجية تمتد ما بين السعودية والبحرين تحاول أن تلعب دوراً جديداً في العراق مختلفاً عن الأدوار السابقة".
 
وتشهد المنطقة كلها اليوم ولادة مشروع الشام والمشرق الجديد بحسب أغوان "هذا المشروع يؤسَس له ويبدو أن فرنسا تحاول أن ترعاه بدعم من الولايات المتحدة، باعتبار أن واشنطن منشغلة بقضايا وملفات أخرى خارج الشرق الأوسط، ما يفسر الدور الفرنسي المتصاعد في المنطقة، لا سيما أن مشروع الشام هو مشروع مضاد لمبادرة الحزام والطريق الصينية".
 
العراق وسيطاً بين الرياض وطهران
توجهت الأنظار منذ الإعلان عن القمة إلى السعودية وإيران وإمكان خفض التوتر بينهما، بخاصة أن بغداد استضافت قبل ذلك جلسات مفاوضات بين الجانبين لتقريب وجهات النظر وحل الخلافات العالقة بينهما منذ سنوات. فالمملكة التي تحاول أن تكون حاضرة بثقلها السياسي والاقتصادي في العراق، تحبذ حل الخلافات مع الجانب الإيراني على أن تكون لديه نوايا صادقة وحقيقية في تهدئة الوضع وإنهاء الصراعات.
 
ويستبعد أغوان أن "يكون هناك تخفيف للتوتر بين الجانبين الإيراني والسعودي، فالمشاكل السعودية - الإيرانية أكبر من لقاء يمكن أن يحدث في دولة أخرى بهذه السهولة، وتحتاج السعودية وإيران الى الجلوس طويلاً والمصارحة والمكاشفة في الرياض أو في طهران وطرح الملفات. والأهم من كل ذلك هي النوايا الحقيقية من أجل إقامة هذا النوع من الصلح وتقريب وجهات النظر، والتي ليست متوHفرة لدى الطرفين في الوقت الحالي".
 
وترى السعودية أن نجاحها محدود نتيجة الفعل الإيراني في العراق وملامح تمترس طويل المدى، بحسب محبوب "أرادت الرياض تحويل نقاط الضعف في العراق إلى نقاط قوة، ومن أجل أن يعود العراق دولة لها سيادتها، اتجهت إلى تشجيع تشكيل تعاون ثلاثي بين مصر والأردن والعراق، لوقف هذا التمترس الطويل الأجل"، متسائلاً: "هل أدركت إيران أن التوغل في المنطقة العربية مكلف على غرار أميركا أم العكس؟".
 
ويشرح محبوب أن "السعودية أرادت المسارعة إلى ملء الفراغ الذي يمكن أن تتركه أميركا في المنطقة التي لديها حالياً 2500 جندي في العراق وهي متواجدة في الكويت وفي الأردن وقطر والبحرين والسعودية والأمارات، أي أنها متواجدة في المنطقة بأكملها رغم ذلك تستبق السعودية هذا الفراغ".
 
تجربة مهمة
اُعتبر كثر قمة بغداد إنجازاً يسجل للعراق بعد عزلة دامت لعقود، ومروره بتجارب فاشلة في احتضان القمم والمؤتمرات، لا سيما فشله في مؤتمر عدم الانحياز عام 1982 الذي عقد في العراق، اذ أثر عدم حضور إيران القمة آنذاك في مسارها، وأيضاً تم إفشال القمة بالتفجيرات وأهمها تفجير وزارة التخطيط العراقية. أما التجربة الثانية الفاشلة فكانت القمة العربية عام 2012، في عهد نوري المالكي المعروف بانحيازه الى إيران، ما دفع عدداً كبيراً من الدول إلى عدم الحضور. 
 
وفي هذا الصدد يعتبر محبوب قمة بغداد يوماً سياسياً كبيراً، ويوماً عراقياً وعربياً بامتياز، وكذلك يوماً إقليمياً ودولياً، اذ "أصبح العراق يلعب دوراً منتجاً، ورمى حجراً في المياه الراكدة، والجديد أن من كان من السياسيين يمتنع عن حضور العرب في بغداد هو نفسه اليوم يدعم وجود العرب في بغداد، وقد دعا الكاظمي إيران وأميركا الى أن يكون الصراع بينهما بعيداً من الساحة العراقية، وأغلب السياسيين العراقيين يؤمنون بذلك".
 
أما أغوان فيرى أن "العراق يحتاج لترميم البيت الداخلي قبل الذهاب الى الخارج، فالبيت العراقي المتعب يحتاج صيانة وترميماً، ويجب أن يكون ذلك هو الهدف الرئيسي والغاية الأولية قبل الذهاب نحو الخارج ودعوة الضيوف إلى العراق". وقال إنه "كان يجب على الكاظمي أولاً أن يرمم الوضع السياسي الداخلي قبل أن يذهب الى الخارج، وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من أزمة الداخل ممتد من الخارج، إلا أن العلاج الداخلي له أولوية في السياسة الخارجية، لأنها في النهاية ترتكز الى مقوم داخلي جغرافي وسياسي واقتصادي وعسكري وأمني وبشري. لا يزال الكاظمي غير قادر على ضبط كل هذه المتغيرات وتقديم العراق من جديد للخارج بالطموح الذي يقدم به الآن". واستبعد أغوان في الوقت عينه "أي دور كبير قادم للعراق في ظل الأوضاع الداخلية غير المستقرة".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم