إعلان

50 عاماً على تأسيس دولة الإمارات... كيف عزّزت سياسة القوة الناعمة مكانتها عالمياً؟

المصدر: النهار العربي
فاطمة الغول
من فعاليات "إكسبو دبي 2020". (أ ف ب)
من فعاليات "إكسبو دبي 2020". (أ ف ب)
A+ A-
عرّف العالم الأميركي جوزف ناي مفهوم القوة الناعمة بأنها دفع الآخرين للقيام بما يريدون، وقال عن هذا المفهوم الذي ابتكره أنه يجري من طريق الإقناع وليس الإكراه. ويعني جاذبية النموذج الذي تقدِّمه الدولة على المستويات الثلاثة: الثقافية، والأيديولوجية، والمؤسساتية، عكساً للسياسة التقليدية الطويلة المنتهجة عبر التاريخ، والتي تعتمد على استخدام الأدوات العسكرية والاقتصادية بغية الضغط على الدول، وإجبارها على انتهاج سلوك معين، وهو ما عرف مصطلحاً بالقوة الخشنة (الصلبة).
 
ووفقاً للتقرير العالمي لمؤشر القوّة الناعمة الذي تعده مؤسسة "براند فايننس"، جاءت الإمارات العربية المتحدة العام الماضي في المرتبة الأولى عربياً، وضمن مركز متقدّم عالمياً لجهة التأثير العالمي والعلاقات الدولية. ويشير النشاط الذي دأبت عليه هذا العام على كل المستويات، إلى احتمال قوي للحفاظ على موقعها عربياً وعالمياً في تكريس القوة الناعمة وترسيخها.
 
غدت سياسات العقد الأخير لدولة الإمارات بمثابة العائق الأكبر أمام خطط إعادة هندسة المنطقة على أساس تسيّد الإسلام السياسي لبلدانها. نجحت أبو ظبي، التي احتلت مكانة وازنة في السياسة الدولية، وبخاصة الإقليمية، بفضل استراتيجيتي تنويع القوى بين الناعمة والصلبة والمختلطة، والسياسة في خدمة الاقتصاد، في نسج علاقات دبلوماسية غير تقليدية اقليمياً وعالمياً، مفعّلة بحرفية سياسة فصل الملفات في علاقاتها الخارجية، أو التعامل مع كل ملف على حدة وفق ظروفه ومتطلباته.
 
تحركات نشطة
منذ بداية العام اتخذت الإمارات خطوات متسارعة في المجالات كافة لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية، تبلور ذلك على المستوى السياسي بانفتاح على دول كان الخصام هو سيد العلاقة معها، أبرزها تركيا، التي سارت خطوات التقارب معها تدريجياً حتى وصلت لتلبية ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لزيارة تركيا، وتوقيع العديد من الاتفاقات بين الجانبين.
 
خريطة الطريق كانت ذاتها بالنسبة إلى العلاقة مع سوريا أيضاً، وإن اختلفت التفاصيل. توّج الانفتاح التدريجي بزيارة لوزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد، بعد قطيعة رسمية استمرت لنحو عقد من الزمن. كما يمكن إدراج العلاقة مع إيران في السياق ذاته، حيث أثمرت اتصالات مع طهران في مناسبات عدة، باستقبال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، علي باقري كني، في الإمارات في لقاء جمعه مع المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش.
 
وعلى مستوى آخر، حصلت الإمارات على مقعد غير دائم في مجلس الأمن للسنة 2022 - 2023 كممثل لصوت الدول العربية، تبعه انتخاب اللواء أحمد ناصر الرئيسي رئيساً لمنظمة الشرطة العالمية (الإنتربول) لمدة أربع سنوات.
 
أما الحدث الأبرز، فتمثّل باستضافة الإمارات حالياً لمعرض "اكسبو 2020 دبي" في سابقة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا لجهة تنظيم هذا الحدث الضخم على مستوى العالم. اكتسب "أكسبو 2020 دبي" أهميته من خلال العدد الكبير للدول المشاركة (192 دولة)، والتي اجتمعت تحت شعار "تواصل العقول وخلق المستقبل"، ما شكّل فرصة اضافية لأبو ظبي على درب توسيع دائرة تأثير الإمارات ومكانتها الدولية. كما فازت الإمارات على المستوى الثقافي باستضافة وتنظيم المؤتمر الـ27 للمجلس الدولي للمتاحف (آيكوم) لسنة 2025 في دبي، كإنجاز عالمي جديد يصب في مصلحة القطاعات الأخرى مثل السياحة والسفر.
 
في السياق ذاته، فإن نظرة إلى عدد السفارات والقنصليات الإماراتية في الخارج، والبالغة 98 سفارة و20 قنصلية، وكذلك عدد البعثات الدبلوماسية التي تستضيفها البلاد والبالغة 121 سفارة أجنبية و74 قنصلية، تشير بوضوح إلى نجاح الدبلوماسية الإماراتية في تحويل أبو ظبي إلى مركز ثقل سياسي إلى جانب نواة اقتصادية لجذب المهتمين بالتجارة والاستثمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
 
ويرى السياسي الإماراتي الدكتور البدر الشاطري في حديث إلى "النهار العربي"، أن "الإمارات تحتفل باليوبيل الذهبي لقيام دول الاتحاد هذا العام، وقد حققت الدولة ما لم تستطع دول تحقيقه في مدة بزمن أطول، وبالنسبة إلى الإمارات فإن النشاطات الاقتصادية والسياسية والثقافية متلازمات لا يمكن فصلها، وأبو ظبي تسعى إلى تحقيق أكبر مستوى من الانفتاح الثقافي والتسامح الديني والذي يفتح المجال لجميع أصحاب المعتقدات المختلفة للإسهام في جميع مجالات العمل، كما أن المجال السياسي وتعزيز الاستقرار الإقليمي يصبان في مصلحة الانفتاح الثقافي والاقتصادي. وكان على الإمارات محاربة التطرف الديني والعقائدي سياسياً لتحقيق أهداف النهضة الحقيقية للدولة، كذلك قطعت الإمارات شوطاً كبيراً في مجال التقدم التقني والعلمي وكل متطلبات العيش الكريم للمواطنين والمقيمين".
 
ويضيف الشاطري أن "الإمارات شرعت في اعتماد استراتيجية لزيادة قوتها الناعمة، فالإنجازات التي حققتها خير اسهام للقوة الناعمة الإماراتية، وجاء الانفتاح على الدول كضرورة للمرحلة الحالية، وحقق الانفتاح السياسي أيضاً مكانة مهمة للدولة في المعادلة الإقليمية وعزز من نفوذ الدولة في الإقليم".
 
أهمية القوى الناعمة
تبرز أهمية القوة الناعمة كونها تحقق للدولة التي تطبقها مكانة وثقلاً وميزات بعيداً من الحروب العسكرية والاقتصادية وخسائرها، لتصبح نموذجاً يُحتذى، مستخدمة أدواتها مثل الدبلوماسية واللباقة والقدرة على الجذب. ويمكن اختصار القوة الناعمة على أنها قدرة الدولة على تشكيل تفضيلات الطرف الآخر وجعلها "تحب ما تريد" أو "تريد ما تريد".
 
من هذا المنطلق، أطلق حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم مجلس القوة الناعمة عام 2017 لوضع الاستراتيجيات التي تعمل على تعزيز سمعة الدولة، إقليمياً ودولياً، وعلى المستويين الرسمي والشعبي، وتكريس مكانتها كقوة اقتصادية وثقافية وإنسانية وحضارية.
 
وفي هذا الاطار يشرح الشاطري أن "الإمارات كسائر الدول لا تعتمد على عنصر واحد في تطوير ذاتها، فعناصر القوة الدبلوماسية والاقتصادية والمعلوماتية والعسكرية وُظّفت لتطوير الدولة، والاهتمام بعنصر القوة الناعمة أتى كنتيجة للتقدم الذي شهدته الدولة، وتعتبر القوة الناعمة أقل تكلفة من جميع عناصر القوة الأخرى والتي تحقق الأهداف والمصالح العليا للدولة".
 
ولا يمكن اعتبار مبدأ "الاقتصاد في خدمة السياسية" قوة ناعمة برأي الشاطري، لأنه "عامل قسري ويستخدم لإرغام الدول للانصياع لسياسات معينة، لكن القوة الناعمة هي تلك القوة التي تقنع الآخرين بأحقية سياسات معينة والتي تتجاوب معها الدول، من دون فرض أية عواقب على المتلقي. فالقوة الناعمة قوة تتغلغل في صميم القلوب والنفوس لتجد فيها ارتياحاً وقبولاً لما تدعو له الدولة صاحبة تلك القوة الناعمة، ولا شك في أن النجاح الاقتصادي والذي جعل من الإمارات ثاني أكبر اقتصاد في العالم العربي، أكسب الدولة نفوذاً يفوق حجمها بكثير".
 
تمضي الإمارات نحو يوبيلها الذهبي بخطى ثابتة وراسخة، معززة بمكانة تفوق مؤشرات أرقام الجغرافيا والديموغرافيا، لتغدو واحدة من أكثر الدول فاعلية في السياسة والاقتصاد العالميين، وقبلة للباحثين عن قصص نجاح على المستويين الرسمي والشعبي في المنطقة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم