إعلان

​ 2021 عام خليجي بامتياز... دينامية دبلوماسية وتحولات ثقافية واجتماعية داخلية

المصدر: النهار العربي
فاطمة الغول
مشهد عام لمنشآت "اكسبو 2020 دبي"
مشهد عام لمنشآت "اكسبو 2020 دبي"
A+ A-
دشنت الدول الخليجية عام 2021  بقمة العُلا التي أنهت المقاطعة لقطر التي استمرت ثلاثة أعوام ونصف عام، وأطلقت دينامية استمرت طوال عام 2021،  شهدت خصوصاً تحوّلاً تدريجياً في نهجي الرياض وأبوظبي بشكل خاص تجاه دول اتسمت علاقتهما معها بالعداء والتوتر.

 وتزامنت الدينامية الخليجية الجديدة مع وصول إدارة ديموقراطية إلى البيت الأبيض مصرة على الانسحاب من المنطقة والتراجع عن التزامات أميركية تاريخية حيال الحلفاء الخليجيين. كما أتت في نهاية عقد من التوترات التي عصفت بالشرق الأوسط وتسببت بحروب كبيرة ومآس إنسانية وفي خضم محادثات نووية تجريها الدول الكبرى مع طهران في محاولة لاعادة تفعيل الاتفاق النووي الموقع عام 2015 والذي كان لدول الخليج تحفظات كبيرة عليه.
 
ولا يغيب الانسحاب الاميركي من العراق عن حسابات دول الخليج التي تستعد  لأي تبعات أو تداعيات لهذه الخطوة، نظراً الى الجوار الجغرافي، والنفوذ الإيراني العسكري والسياسي في العراق.
 
على هذه الخلفية، أعادت أبوظبي علاقاتها مع تركيا وإيران وسوريا وقطر، وأجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جولة شاملة في دول مجلس التعاون الخليجي، وقع خلالها اتفاقيات اقتصادية هدفها تعزيز التعاون بين دول الخليج كون الاقتصاد المحرك الأساسي للسياسة، وذلك للمرة الأولى منذ المصالحة الخليجية عام 2017. 
 
تغيرات داخلية
وإلى الحراك الخارجي، شهدت الدول الخليجية "انتفاضات" داخلية تزعمها قادة مدركون ضرورة تنويع اقتصادات بقيت تعتمد على النفط لزمن طويل.
 
وأدى الدور المؤثر للقادة الخليجيين الشباب إلى ظهور منظومة اقتصادية تولي الشباب الخليجي مزيداً من المسؤوليات في وظائف أوسع ضمن اقتصاد متنوّع  يتناسب مع متطلبات العصر.
 
 "عام خليجي"
ويرى المحلل السياسي السعودي الدكتور عبدالله العساف في حديث إلى "النهار العربي"، أنه "يمكن النظر الى عام 2021 باعتباره عاماً خليجياً بامتياز. ففي بدايته عقدت قمة العُلا الحادية والأربعون، التي كان عنوانها الأبرز لمّ الشمل، ووحدة الصف، وفي نهايته قمة خليجية اعتيادية، في ظروف استثنائية. وما بين القمتين اتصالات وزيارات لكبار المسؤولين في الخليج شكلت في مخرجاتها تحوّلاً مهماً في مسيرة العمل الخليجي المشترك، في ظل ما يمر به العالم والمنطقة تحديداً من تغيرات جيواستراتيجية تتطلب الاستعداد لأي مفاجآت مستقبلية، والتي لا تستثني دولة من دون سواها، ليس لأن المصير مشترك فقط، بل لأن المشاريع التي تتهدد المنطقة لا تقوم إلا على أنقاضها مجتمعة".
 
ويضيف العساف: "الخليج بحاجة ماسة إلى مشروع حقيقي متماسك في مقابل هذه المشاريع المدمّرة. وفي هذه المرحلة تحديداً، حان وقت تحقيق تطلعات الآباء المؤسسين التي عبّروا عنها في صوغ ديباجة مجلس التعاون في أبوظبي عام 1981، للانتقال بهذا الكيان من مرحلة التعاون، إلى مرحلة التكامل وصولاً الى الاتحاد، فهو الذي سيمنح هذه الدول الست القوة على الصعد كافة. العالم لا يحترم الدول المنفردة قدر احترامه للكيانات المتحدة والمتعاضدة، فكلمتها مسموعة، ومواقفها يحسب لها ألف حساب".
 
استضافة قطر كأس العرب كانت فرصة لاختبار منشآت كأس العالم 2022.
 
وفي هذا الصدد، يقول الأكاديمي والباحث في شؤون الخليج والشرق الأوسط الدكتور عبدالله باعبود، وهو كذلك أستاذ زائر في كلية البحث والتعليم الدولي في جامعة واسيدا اليابانية، لـ"النهار العربي" إن "النشاط الخليجي أتى بعد تغيرات على المستوى العالمي، خصوصاً في الولايات المتحدة ونظرة إدارة بايدن الى الوضع في المنطقة، وفكرة الانسحاب الأميركي والتنافس العالمي. وفي ظل الأزمات الكثيرة المشتعلة والتغيرات الإقليمية والعالمية وانتشار فيروس كورونا وتأثيره في الاقتصاد، رأت دول الخليج أنه لا بد من تبريد الوضع، مدركةً في الوقت ذاته أن لديها رؤى وخططاً اقتصادية مستقبلية يجب تحقيقها، والحروب والخلافات أصبحت مكلفة".

تغيّرات مجتمعية
سمحت السعودية للمرة الأولى في تاريخها بتزيين شجرة الميلاد هذا العام وعرضت المتاجر في الرياض أشجار العيد وزينتها بالإضافة إلى قبعات بابا نويل. وكتبت صحيفة "الوول ستريت جورنال" أن الأمر لم يقتصر على مظاهر الاحتفالات فقط، بل باتت المطاعم تقدم كعكة "البانيتون" الإيطالية التي عادة ما يتم إعدادها في حفلة رأس السنة.
 
من الواضح أن الحراك السياسي والاقتصادي الخليجي تواكبه تغيرات ثورية اجتماعية وثقافية، فما إلغاء قوانين ظلت سائدة على مدى عقود، وسن قوانين جديدة تتماشى مع الذهنية الخليجية الشابة والمتأثّرة بشكل كبير بوسائل التكنولوجيا والاتصال، بخاصة تلك المتعلقة بالمرأة وتمكينها، إلا محطات بارزة في سياق التغير الاجتماعي. ويتجلى التطور الثقافي بأبرز حلله من خلال العمل على جعل دول الخليج مركزاً للأنشطة الثقافية العالمية، وهو ما رأيناه هذا العام من خلال المظاهر الثقافية الكبيرة التي رافقت فعاليات معرض "أكسبو 2020 دبي"، وغيره من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة وكأس العرب في الدوحة.
 
وتظهر "النسخة" الجديدة من المجتمع الخليجي أكثر انفتاحاً وتطوراً وقبولاً من العالم الخارجي، وكذلك من الخليجيين أنفسهم، الأمر الذي يعد عاملاً أساسياً في نجاح الرؤى التي تسعى دول الخليج الى تحقيقها ضمن الأعوام المحددة لها.
 
سعوديات يلتقطن صوراً قبيل عرض أحد الأفلام في مهرجان البحر الأحمر.

ويشرح باعبود أن "دول الخليج صارت اليوم مرتبطة بالعالم أكثر مما كانت عليه سابقاً، وأصبح التعليم منتشراً بشكل كبير إلى جانب رغبة الشعوب والرغبة العالمية بمشاركة المرأة في التنمية والتطوير، وهو ما تذهب إليه الآن دول الخليج. لكن هذا التغير أتى متأخراً نوعاً ما، لأن له علاقة بالصراع الفكري ما بين الدين والعلمانية، كذلك لا ننسى أن دول الخليج شعوب صغيرة باستثناء المملكة السعودية، وإذا كان نصف الشعب لا يعمل وغير منتج فهذا يضطرهم إلى جذب عمالة وخبراء من الخارج".
 
ويبين العساف أن "دول الخليج العربي دول فتية، جل سكانها من الشباب الذين لديهم تطلعات ورغبة في تجديد المسار الثقافي والحياتي بشكل عام، دعمه وجود قيادات شابه لديها التطلع ذاته لإحداث تحول ثقافي والخروج من بعض العادات والتقاليد المتوارثة التي صارت تعوق عملية التقدم. سعت هذه الرؤى للجمع بين معادلة الأصالة والمعاصرة، كما إننا في دول الخليج نمتلك الكثير من التنوع الحضاري والثقافي والمناخي والزراعي والبيئي الذي لم يكتشف، حتى من قبل أبناء الخليج العربي فضلاً عمن هم خارجه".
 
ويشرح العساف أن "العالم الغربي اختزل الخليج في النفط، ولكن بعد الانفتاح الثقافي وإصدار التأشيرات السياحية استطاع العالم أن يرى ما نتمتع به من معالم ثقافية وعادت اجتماعية، ومكون ثقافي وحضاري أبهر العالم".
 
كذلك المرأة، بحسب العساف "شملها التحول وخصتها رؤى الخليج بفصل خاص ساعد على تمكينها وممارستها حياتها في ما لا يتعارض مع الشرع والقيم، فغيرت الكثير من الأنظمة التي كانت تقيد المرأة".
 
انطلاقاً من ذلك يمكن اعتبار عام 2021 هو عام الحراك الخليجي، ويرجح أن يكون العام المقبل امتداداً لهذا النشاط الداخلي والخارجي وأكثر مرونة وانفتاحاً على العالم، بخاصة مع وجود تنسيق أكبر بين دول الخليج في المجالات كافة، إضافة إلى رسم خطط تنموية متشابهة في الأهداف إلى حد كبير، الأمر الذي يتطلب التعاون ورسم المستقبل معاً لنجاحها.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم