إعلان

المتباكون على فوهة جهنّم...

المصدر: النهار العربي
عبدالله الشريف
أحياء بكاملها في محافطة جدة ضمن مخطط لإزالة العشوائيات التي تسببت بمشاكل كثيرة.
أحياء بكاملها في محافطة جدة ضمن مخطط لإزالة العشوائيات التي تسببت بمشاكل كثيرة.
A+ A-
اشرأبّت الأعناق وهي تنظر نحو الأفق بعد الفكاك من الطوق الذي كان يخنقها لعشرات السنين، وامتلات الصدور غبطة لدى الكثير ممن عانوا لسنوات طوال وهم تحت رزح الضياع، بعدما بدأت بشائر إزالة أعتى أوكار ترويج المخدرات في السعودية وربما في الشرق الأوسط، لمافيا خطيرة تغلغلت في كل بيت، وذلك حين قامت أقوى حركة رسمية تصحيحية للقضاء على أوكار هدم أبناء الوطن وإغراق المجتمع بالرذيلة.
 
هناك، عند "كوبري" شهير يطلقون عليه "حفرة جهنّم" مات تحته عدد كبير من شباب الوطن وهم ضحايا الجريمة المنظمة، حفرة الأحياء العشوائية "باطنية جدة"، يديرها أخبث البشر، واتخذتها عصابات في كل المخابئ التي على جانبيه مأوى للبعض من اليمنيين والصوماليين والتشاديين والإثيوبيين، ويشكلون 95 في المئة من غالبية سكانه.
 
 
سرعان ما انطلقت التغريدات والمدونات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتشرح لمن لا يعرف، حقيقة ما يجري هناك، وأي آفة سنتخلّص منها. فنعرف أنه في تلك البقعة من الأرض "ترى شاباً سعودياً يقبّل يد بائع يمني أو أفريقي ويتضرع له كي يعطيه جرعة مُخدر فيصورونه ويذلونه ويبتزونه". تسمع "صراخ المدمنين، وبكاؤهم في الليل يأتي مؤلماً من داخل الأزقة وهم يتوسلون لأن تلك العصابات بدأت معهم وهم أطفال صغار بهدايا الحلوى الملغومة بالمخدرات"، والتي كانت توزعها بالمجان على تلاميذ المدارس والمراهقين وفي ملاعب الحواري، واستثمرت ذلك حتى جاءهم كل واحد زاحفاً بعد حين يستجدي حقنه بإبرة هيرويين ليدفع لهم صاغراً بعد أن يسرق أهله وربما يرغمونه حتى على خيانة وطنه.
 
في غليل وعنيكش والسبيل والكرنتينة وكيلو7 التي تباكى البعض على هدمها، يستأجر الكثير من العصابات عشرات البيوت المتلاصقة لتبقى لهم كحصن منيع استعداداً لأي مداهمة من فرق مكافحة المخدرات، ليختفوا كالجرذان بين سراديب سريّة من بيت إلى آخر أو من سطح إلى آخر. وفي الهنداوية معارك أخرى لشوارع البخارية والأفغان معقل الهيرويين، تحمله نساؤهم من قندهار بين افخاذهن، وحتى في "حفاضات" أطفالهن.
 
 
لقد سرقوا أعمار البعض من شبابنا الذين انزلقوا في لحظة ضعف ويأس وبطالة، ولو كانوا في محيط صحي ونظيف لكانت لهم مكانة وصاروا رافداً وسواعدَ وطنية في مسيرتنا. في تلك الأحياء كانت تدخل دوريات الشرطة بحذر شديد لأن البعض في الحواري كانوا يقذفونها بالحجارة. كانت هناك "مجموعات" لكل جنسية ولكل عصابة ومناطق نفوذ وسيطرة، بل إن الكثير من أصحاب المحال "وأغلبها مستترة" يدفعون أتاوات للعصابة لحماية انفسهم من عصابة أخرى.
 
وفي سراديب حي السبيل والكندرة تستطيع أن تنتج فيلماً لأعتى عصابات المخدرات والسرقة، وقد اتخذت منه خلايا خائنة للوطن وأهله مواقع لجواسيسها، تراقب وترصد كل التحركات من الشمال إلى الجنوب، وهي من كانت تحرّك سوق البضائع والمخدرات المهرّبة الوافدة من إيران ولبنان واليمن، وتدير أنشطة المتسولين الموجودين في المحطات الخارجية على الطرقات.
 
وفي تلك الأحياء كاراجات مهجورة ومغلقة مملوءة بالسيارات المسروقة يتم تشليحها لأصحابها لترسل إلى اليمن وأفريقيا كقطع غيار. والحال نفسه في كيلو14 وحي البرماوية. عشرات الآلاف من مجهولي الهوية "متستر عليهم على كفالة أقارب لهم وطالبي الأجر والمثوبة" على حد زعمهم، بعضهم يضع على كفالته العشرات استطاعوا في ظلمة الليل بناء منازل عشوائية على أراضٍ هي ملك للدولة أو لأشخاص خارج جدة، وهناك مطالبات ومحاكم في شأنها منذ زمن طويل، ولم يستطع أحد تغيير الحال منذ عشرات السنوات حتى بات ذلك عرفاً بينهم يأتون إلى البلد ويخرجون بكل سهولة.
 
 
الكثير من أفراد العصابات استولوا بالقوة وبالحيلة على منازل تركها أهلها لبعض الفقراء السعوديين من أهل الحي. بل وصل الأمر إلى حفر الأرض ووصل الكوابل الكهربائية ليحصلوا على كهرباء مجانية لمساكنهم التي اغتصبوها عنوة حتى سرقوا الكهرباء من الجوامع. ولم يسدد أي منهم فاتورة كهرباء طيلة حياته.
 
وفي تلك الأحياء التي يتباكى عليها البعض تستطيع أن تجلب أي كهربائي متجول من جنسيات عديدة إلا أبناء الوطن، يعرض خدماته لتغيير أرقام عداد الكهرباء والماء، أي ما يوازي المليارات تتم سرقتها من الحكومة، فتستمع إلى شكوى المواطن من غلاء الكهرباء والماء وندرتها، إذ تأتي اليهم عبر صهاريج يقودها أيضاً تشادي أو يمني أو صومالي، يبيعونك ما يسرقونه هم منك، وكل ذلك من ثرواتنا، ندفعها اليوم ضريبة في الداخل ومن دماء أبنائنا على الحدود.
 
كانت الحكومة صامتة عن أفعالهم بحجة التعاطف، كون أغلبهم فارين من قسوة بلادهم، لكنهم أحالوا كل مكان يحلّون فيه إلى "بقعة جهنم" من الشرذمة والفساد. لقد طال الأمر حتى أصبح أولئك يرون أنهم أحق منا بوطننا وعلينا أن نصمت. هذا التباكي على هدم تلك الأحياء وتلك الشتائم التي نستمع اليها ضد قيادتنا لم تخرج عن دائرة العصابات التي سرقت البلد، وهم يلعبون اليوم لعبة التمسكن والاضطهاد.
 
لقد وصل الأمر سابقاً أن ترى أوكاراً وعصابات تتنازع في ما بينها على حيّ واحد كي تتقاسمه، إلى قصص كثيرة تُروى لعصابات أشعلت النار في بضائع أو مخابئ لأخرى أو مستودعات يصعب الوصول اليها، وشوارع ضيقة جداً وبيوت متلاصقة، لا يوجد طريق يسمح حتى لدخول سيارات الدفاع المدني خلال أوقات الحريق أو السيول، فيما بعض الأبنية تنهار ولا تستطيع سيارات الإنقاذ الوصول اليهم.
 
وقد يتساءل البعض، ماذا عن المواطنين الذين يعيشون هناك؟ وهم في الواقع قلّة وأوضاعهم المادية لم تسمح لهم بالخروج من تلك الأماكن؟ كانوا يعانون بصمت ويرون أبناءهم معرضين للانحراف والضياع، فتجدهم طوال الوقت في منازلهم لا يغادرونها، ومنهم من وصلت أوضاعه إلى القاع، ومنهم من تم اتخاذه درع حماية مستغلين فقره بالتهديد والابتزاز، لنصحو بعد عقود من الزمان أنتجت جيلاً وراء جيل، ونحن ندفع الثمن من أمننا الاجتماعي ووضعنا الاقتصادي ليجلب لنا البعض جل سكان بلده، ويَخرج منهم أجيال تحت مسميات عدة ليعلنوا أن لهم حقوقاً ومطالبَ، وأننا جائرون سلبناهم إياها!
 
 
وعندما تكتب عن الحقيقة يتهمونك بالعنصرية وهم حاقدون تملأ نفوسهم الكراهية، مع أنهم أكملوا كل مراحل تعليمهم في مدارسنا بالمجان وتعالجوا بالمجان بل وأغلبهم تتكفل الجمعيات الخيرية بمصاريف تعليمهم في المدارس الأهلية وترفض تقديم ذلك لابن الوطن بحجة أن الدولة تتكفل به كمواطن. ووصل الأمر إلى تسديد إيجارات بيوتهم وتموينهم بشكل مستمر. بكل بساطة كانوا يحصلون على كل شيء من دون مقابل... لقد كنا بحق دولة راعية على غير أبنائنا بكل أسف، والحقيقة أننا مسؤولون عن نمو كل ذلك في دواخلهم حتى صار الأمر بالنسبة اليهم استحقاقاً متعاظماً رافقه شعور بالمظلومية مع ما سمعوه ولقن لهم بأن السعودية ليست للسعوديين بل هي وكل ما فيها من ثروات "ملك للمسلمين" وهي "أرض الله، وبيت مال المسلمين"، خصوصاً من جماعات وتيارات كانت تعدهم وتعبئهم وتطوف على أزقتهم ومنازلهم في أن لهم حقوقاً، وأن السعوديين حرموهم منها وعليهم انتزاعها. وحتى على المستوى الاعلامي كانت مقار "فور شباب" حيث لا يخلو منها حي ترعى وتسمن بهم ليتم إعدادهم وقوداً لثورتهم "الأخونجية" حتى برزت لهم قوى وعضلات للتغيير واليد التي تصوروا أنهم سيسحقون بها الدولة والمواطنين.
 
 
ولم تكن تلك الفرق التي تدور في الأزقة تحت ستار "كشافة للبحث عن مواهب رياضية وإنشاء أكاديميات" إلا غطاءً لمسح ديموغرافي للسكان ورسم للمواقع، ولتجنيد كوادر ميدانية، تماماً كما جُنّدت كوادر وأصواتٌ إعلامية وحوارية وثقافية في منتديات وأكاديميات معادية لنا. لقد كانوا يهدفون إلى تحويل تلك الأحياء إلى "حكم ذاتي" تنطلق منها مواجهات لاستهداف السعوديين ورجال أمنهم في مدينة كبرى عالمية مثل جدة، وأخذ المواطنين في داخل الأحياء رهائن وابتزازهم بأهاليهم للرضوخ إلى مطالبهم.
 
 
من هنا كانت تنطلق مع كل صباح قوافل تملأ الشوارع باصات وسيارات متهالكة، محملة بعدد لا يحصى من المتسولين من كل الجنسيات، من أطفال ونساء ومعوقين يتم تهريبهم لتوزيعهم عند إشارات المرور والأسواق وعلى المستديرات والأرصفة، ويندلع نزاع في ما بينهم على موقع وتتعطل حركة المرور لساعات، إلى درجة أنهم يقسّمون أحياءنا في ما بينهم لتباع أراضيَ بمئات الآلاف بين العصابات. ثم تنقل الأموال والثروات لتمويل جماعات إرهابية ودول تعود علينا بصواريخ ومسيّرات. ووصل الأمر إلى حد المجاهرة بالتمرد والسرقة، فتشاهد بين فينة وأخرى درّاجات نارية لأعضاء العصابات مخصصة لسرقة حقائب النساء في وضح النهار.
 
وحتى العمالة النظامية  لم تسلم منهم اذا كانت توجد مواقع قريبة من "باب شريف" تقايض فيه العصابات الصومالية من سرقت منه إقامته بمبلغ مالي متعارف عليه، يدفعه المقيم مرغماً حتى لا يقع تحت دائرة العقاب القانوني، فيضطر للدفع لهم لاستعادة إقامته. ووصلت بهم البجاحة إلى تقمص دور رجال الأمن لمهاجمة سكن العمال وسلب أموالهم.
 
أرادوا لجدة تلك العروس الجميلة أن تغرق مع مافيا وتجار الدعارة حيث غرف الوناسة التي يتم فيها حشر فتيات فوق بعضهن والكثير منهن في سن الطفولة ما بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة، حتى وصلت حالات الإيدز داخل تلك الأوكار إلى مستويات عالية، وباتت أقسام العزل في المستشفيات تشكو وتستصرخ من كثرتهم ولم تعد تتسع لهم، وأغلبهم يجد فرصته للهرب ليعود يعمل بمرضه ويدمر مجتمعاً بأكمله. ولعلنا نستدرك ما يحصل حالياً في أزمة كورونا حيث تسعى الدولة للقضاء على الجائحة وتجد الالتزام من المواطن الواعي والمدرك لما تقوم به باستثناء أولئك الأوباش الذين يهدفون إلى تدمير كل مقوماتنا، حتى باتت لديهم عصابات لها أنظمتها الخاصة يديرونها بتحدٍ واضح للمساومة. والحالات كل أولئك المتمسكنين يشكلونها بينهم، بل إنهم يستأجرون عمارات كاملة لجالية واحدة ويدفعون نقداً لخمسة أعوام لإغراء أصحاب العقارات.
 
 
من أين كل هذه الأموال تخرج وهم يتباكون من الفقر والعوز... وأغلبهم يعيش في منازل هي مرافق لجمعيات خيرية أو شقق صغيرة. لقد أشاعوا بين الناس كلاماً عن ظلم الحكومة وأنها طردت الناس خلال أيام، وهي أقاويل باطلة إذ أن هناك لجاناً تعمل من أجل أصحاب الأملاك والعقارات وليس للمغتصبين لها. أي مواطن لديه سند تملّك سيتم تعويضه ومنهم من تم صرفه، ومن ليس لديه وثائق تملّك سيمنح حق البناء. بيد أن مجهولي الهوية والمتستر عليهم وعصابات المخدرات يرفضون ذلك، ويرون أن الأرض لهم ولا يمكن انتزاعها وفق الأنظمة ويريدون بدلاً منها احياءً أخرى يعملون من خلالها في تجارتهم، فنزحوا إلى القرى القريبة من جدة والبعض دفع ما يسيل له اللعاب في بيت شعبي أو حتى من الخشب... المهم أن يتوارى بجرائمه عن الأعين.
 
وقد نشطت حسابات تلك العصابات والجواسيس على مواقع التواصل الاجتماعي، تحرّض على العنف، بعدما فقدوا أهم مصادر التمويل من المخدرات والسرقات... اليوم تظهر وطنية كل مواطن حقيقي يحب بلده وقيادته التي تسعى جاهدة لأن يعيش حياة كريمة في صد كل من يغريه بالمال من أجل أن يستأجر عنده وهو يعلم أنه يقود عصابة أو يعمل معها. وعلى المواطن أن يدرك تماماً أن كل الإغراءات التي تصله ما هي إلا مرحلة سرعان ما تنتهي، وعليه ألا ينجرف وراء العاطفة الجياشة فيقع فريسة سهلة لهم ضد وطنه وقيادته... لست أهاجم أحداً بقدر ما أحاول استشراف المستقبل، فماذا سيحل بالمواطن لو بقيت تلك العصابات في الأحياء التي هجرها أغلب أهلها واستملكتها عنوة لمن جاء هارباً ولاجئاً من بلاده وسرعان ما أصبح هو صاحب الدار؟ علينا أن نستيقظ من غفلتنا وننزع جلباب العاطفة غير الحقيقية وأن لا نشاركهم البكاء، من أجل المصلحة العامة.
 
ولعل كل مواطن مدرك ما يحيط به وأن القرار الشجاع في الهدم وإعادة تنظيم الأحياء سيعيد للمواطن حقوقه المسلوبة من لصوص دخلوا فجأة وبقوا فيه عنوة، لا يتخذه إلا شخص عظيم استشعر الخطر ولم يتردد في تنفيذه للحفاظ على وحدتنا وأمننا. فكل شيء له ثمن ومقابل، وإلا علقنا في دوامة مواجهات بين أصحاب أرض حقيقيين وتحالف مشردين من عدة جنسيات، لا نعرف عواقبها وربما نخسر أكثر من حي إلى بقعة من أرضنا بأيدينا، ونفقد فيها أرواح شبابنا كما يفعلون الآن على حدودنا.‏
 
لن يعجز المجرمون في إيجاد ممولين لهم بالمال والعتاد وحتى في الإعلام لتحريض الناس ضدنا، وسيصل اليهم خبراء وأصوات أممية ومنظمات أهلية ترتفع في كل المحافل الدولية، تنادي بتقرير المصير لهؤلاء... وعندها سنعض أصابع الندم ولن نشعر بها إلا وقد قطعت من مفاصلها...
 
*إعلامي سعودي
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم