إعلان

حصول الإمارات على أف-35 مصلحة أميركيّة أوّلاً

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
مقاتلة أف-35 تحلّق فوق أريزونا، 2014 - "أ ب"
مقاتلة أف-35 تحلّق فوق أريزونا، 2014 - "أ ب"
A+ A-

في إطار سعيه إلى الافتراق عن سياسات الإدارة السابقة، أعلن فريق الرئيس الأميركي جو بايدن مراجعة عقود بيع ذخائر حربيّة دقيقة إلى السعودية ومقاتلات "أف-35" إلى الإمارات. يمكن نظريّاً تفهّم أنّ كل إدارة تسعى لترك بصمتها الخاصّة في السياسة الخارجيّة فتحاول تعديل أو إلغاء أو مراجعة بعض سياسات الرئيس السابق.

 

ومع الأخذ بالاعتبار الاختلافات الفكريّة بين فريقي ترامب وبايدن حول منطقة الخليج العربيّ خصوصاً والشرق الأوسط عموماً، يصبح ممكناً توقّع اتّخاذ بايدن قرارات أكثر مراعاة لإيران إلى حدّ ما. كان ذلك جليّاً في حملة المرشّح الديموقراطيّ. لكنّ مراجعة بيع مقاتلات "أف-35" إلى الإمارات تتّخذ بعداً آخر مختلفاً كلّيّاً. للمفارقة، هو بعدٌ يريح خصوم واشنطن الاستراتيجيّين.

 

لماذا تخضع للنقاش؟

يمكن المجادلة بأنّ المراجعة لا تعني إلغاء هذه العقود وقد أوضحت الإدارة أنّ تعليق الأسلحة "موقت". لكن من وجهة نظر المصلحة الأميركيّة بالدرجة الأولى، يجب ألّا تكون هذه العقود خاضعة للنقاش أساساً. أصدرت الإدارة الحاليّة ما يكفي من القرارات التي تصبّ في مصلحة إيران والتي يجب أن تكون قد "أراحت" فريق بايدن المنتمي بمعظمه إلى إدارة باراك أوباما. وهي الإدارة نفسها التي رأت في الاتّفاق النوويّ مع إيران شكلاً من أشكال "فنّ الحكم" في الديبلوماسيّة. أوقفت واشنطن دعم التدخّل العسكريّ للتحالف العربيّ في اليمن، هذا التدخّل الذي أتى بناء على طلب من الرئيس اليمنيّ عبد ربه منصور هادي بعد انقلاب الحوثيّين. وفي قرار مشابه بحيثيّاته، أعلنت الإدارة مؤخراً شطب الحوثيّين عن لائحة الإرهاب.

 

بالنسبة إلى إدارة تقول إنّها لن تعود إلى الاتّفاق النوويّ قبل توقّف إيران عن خرق بنوده، تُعدّ هاتان الخطوتان تنازلاً أميركيّاً مهمّاً إلى الإيرانيّين. فالإدارة أقدمت على هذا التنازل في وقت لا تقدّم إيران سوى التصعيد. ومع تعليق مبيعات الأسلحة إلى السعوديّة والإمارات، ضاعفت الإدارة الحاليّة مؤشّرات "حسن النيّة" للإيرانيّين. لكنّ مراجعة مبيعات "أف-35" تشكّل أيضاً هديّة خاصّة لروسيا والصين. إذا كانت الإدارة الحاليّة راغبة بالتقرّب من الإيرانيّين، فهي على الأقلّ لم تعلن عن رغبة مشابهة تجاه الروس والصينيّين. لكن قبل التطرّق إلى التداعيات الجيوسياسيّة لهذا القرار، ثمّة نتائج إقليميّة أخرى تُنتجها المراجعة.

 

تكرار الخطأ

بمجرّد أن رفعت الإدارة الحوثيّين عن لائحة الإرهاب، قام هؤلاء باستهداف مطار أبها مرّتين خلال 48 ساعة. بالتالي، إنّ رفع الضغوط عن الحوثيّين يساوي حثّهم على التصعيد مجدّداً. وهذه معادلة لا تحتاج إلى الكثير من التوضيح. فالأدلّة عليها يوفّرها الحوثيّون أنفسهم. وحاول هؤلاء استهداف مفاعل براكة النووي في أبو ظبي سنة 2017 لكنّ عمليّتهم لم يُكتب لها النجاح.

 

تستخدم إيران الحوثيّين كوكيل يجنّبها تحمّل مسؤوليّة زعزعة الاستقرار في المنطقة. يأتي دور مقاتلات "أف-35" كمنظومة رادعة لمحاولات إيران التصعيديّة الإقليميّة. لا تعني هذه المنظومة أنّ إيران ستمتنع عن التصعيد تماماً بوجود المقاتلات الحديثة الطراز. لكنّ التصعيد سيخضع لضوابط محدّدة بحيث لا يهدّد الاستقرار الإقليميّ أو الدوليّ. بذلك، توجّه مراجعة عقود بيع "أف-35" مؤشّر طمأنة إلى إيران.

 

أحد الأسباب التي دفعت التحالف العربيّ للتدخّل العسكريّ في اليمن هو شعوره بأنّ إدارة أوباما تتخلّى عنه تدريجيّاً. لذلك، وجد التحالف نفسه مضطرّاً إلى "أخذ الأمور بيديه". اليوم، تكاد إدارة بايدن تعيد ارتكاب الخطأ نفسه الذي كان سبباً مباشراً للحرب التي يريد بايدن إنهاءها بسرعة، وربّما بتسرّع. حتى بالنسبة إلى إدارة تسعى إلى أن تكون على مسافة واحدة من الخليجيّين والإيرانيّين، ومن دون الأخذ بالاعتبار مدى منطقيّة النظرة المساوية بين الحلفاء والخصوم، تعدّ خطواتها الأخيرة مناقضة لمسعاها.

 

ما تضمنه "أف-35" لواشنطن

من حيث المصلحة الأميركيّة في مراجعة عقود البيع، أرسلت واشنطن إشارة – مجدّداً – إلى أنّها حليف لا يُعتمد عليه. لن يتكبّد قطاع الصناعات الدفاعيّة الأميركيّة خسائر وحسب، بل ستقابل هذه الخسائر أرباح لدى الشركات الدفاعيّة الروسيّة والصينيّة. في منطقة مشتعلة منذ أواخر السبعينات، لا يمكن توقّع أن تقف دول الخليج بما فيها الإمارات مكتوفة الأيدي أمام التوسّع الإيرانيّ في المنطقة.

 

سيستمرّ سعيها للحصول على أسواق بديلة للأسلحة من أجل ضمان أمنها القوميّ، خصوصاً إذا لم يتمّ إشراكها في المفاوضات النوويّة المقبلة، أو إذا تمّ التوصّل إلى اتّفاق نوويّ آخر شبيه باتّفاق 2015 المعيوب والضيّق النطاق. يترافق كلّ ذلك مع ميل الإدارة لتقليص وجودها في المنطقة كي تركّز جهودها في شرق آسيا. هذا الميل مقروناً برغبة أميركيّة للتفاوض مع إيران وباحتمال تقليص الدعم العسكريّ الاستراتيجيّ للإمارات هو ضوء أخضر للبحث عن شركاء جدد في الصناعات الدفاعيّة.

 

بالحدّ الأدنى، يوفّر بيع "أف-35" للإمارات قدرة لواشنطن على تحقيق استدارتها التي بحثت عنها طويلاً باتّجاه منطقة "الإندو-باسيفيك". طبعاً، لا ينصح كلّ الخبراء بالتضحية بالشرق الأوسط لصالح الأخيرة، بل يقترحون إيجاد توازن بين المنطقتين. لكن على الأقلّ، إذا ظلّت واشنطن مصرّة على إكمال استدارتها، فمن المنطقيّ أن تحافظ على الردع الاستراتيجيّ الذي تضمنه "أف-35" في الإمارات خصوصاً، والخليج العربيّ عموماً. وهذا يجنّب الإدارة الحاليّة إعادة أصولها العسكريّة إلى المنطقة بعد مغادرتها بفترة قصيرة، كما كان يحصل في السنوات الماضية.

 

الخسائر الثانوية والاستراتيجية

إنّ دفع الخليج نحو البحث عن أسواق للسلاح الاستراتيجيّ في الشرق لن يفقد الولايات المتحدة مموّلين لصناعاتها الدفاعيّة وحسب. قد تكون هذه الخسارة ثانويّة بالنسبة إلى الخسارة الاستراتيجيّة الكبيرة. سنة 2019، وصف البروفسور المشارك في الكلّيّة الحربيّة البحريّة جوناثان كافرلي، والبروفسور في جامعة أريزونا إيثان كابشتاين، والبروفسور المشارك في الشؤون الدوليّة في جامعة أوتاوا سردجان فوتشتيتش مشروع "أف-35" بأنّه "النسخة الأميركيّة" من "مبادرة الحزام والطريق".

 

وتتمتّع هذه النسخة بالقدرة على تطويق الصين إقليميّاً وفقاً لما كتبه هؤلاء في مجلّة "فورين بوليسي". كذلك، نقلت صحيفة "ذا ساوث شاينا مورنينغ بوست" عن الخبير العسكريّ في بيجينغ زو شيمينغ قوله إنّ صفقة "أف-35" يمكن أن تساعد اليابان في إيجاد توازن لمواجهة تهديدات الصين. بعبارة أخرى، إذا كان كلام شيمينغ صحيحاً، فكم بالأحرى قدرة هذا السلاح على تأمين التوازن في مواجهة إيران.

 

باختصار، تملك واشنطن مشروعاً استراتيجيّاً عسكريّاً واعداً يمكّنها من ضمان تفوّقها العسكريّ على منافستيها المباشرتين، روسيا والصين. ومن المحتمل أن يصل عدد الدول الحليفة التي تشغّل هذه الطائرات إلى 15 تمتدّ على القارّتين الأوروبّيّة والآسيويّة بدءاً من بريطانيا وصولاً إلى أوستراليا. ومع ذلك، تقرّر واشنطن إرسال إشارات بأنّها مستعدّة مجّاناً لإضعاف هذا المشروع العابر للقارّات عبر فكّ إحدى حلقاته الأساسيّة التي تربط بين أوروبا وحلفاء واشنطن في أقصى الشرق.

 

طبيعيٌّ أن تراجع إدارة بايدن سياسات ترامب. لكنْ ما يستدعي الأسئلة هو سبب تحويل هذه المراجعة بشكل شبه حتميّ إلى "هدايا مجّانيّة" لخصوم الولايات المتّحدة.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم