إعلان

لماذا تموت الغافة ثانية؟

المصدر: النهار العربي
رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان خلال مشاركته في قمة دول مجلس التعاون الخليجي في المنامة يوم 20 كانون الأول ر2004. أ ف ب
رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان خلال مشاركته في قمة دول مجلس التعاون الخليجي في المنامة يوم 20 كانون الأول ر2004. أ ف ب
A+ A-
عبير أحمد 
 
 
خليفة في اللغة هو العوض والبدل والولد الصالح، وخليفة في الوطن هو العوض والبدل والحاكم الصالح. ثماني عشرة سنة وأنت تمسح على رأس وطن يتيم وتمشي على خطى الأب الراحل زايد، ثماني عشرة سنة من العمر تُنشئ وطناً زالت بسنّه صفة اليُتم.
 
ثماني عشرة سنة وأنت كلما ضحكت، عاد زايد. أنت الذي أحييته فينا يا خليفة، كان يقينك بأن شعبك لن ينسى يُتمه، لكنك رسّخت ذكراه فينا كي نُنعِش الغافة، الغاف المعمّر الذي يموت؛ حين يشتاق يدَي زايد، وتخنُقنا الصحراء. رسّخت ذكراه فينا كي نخطو معك خُطاه، كي نذكّر بعضنا بعضاً بأن خطوة زايد كانت كبيرةً، يريد منا تجاوزها. وقد فاجأتنا حين صارت خطواتك قفزاتٍ، فازدهرت البلاد وتألقت وصارت دولة الإمارات رمزاً للرفاهية والرخاء. كانت يدك - من مكانك - تصل إلى كل رُكنٍ، لتطمئن عليه. يدك التي أعجزت المرض وتمرّدت عليه حتى تمسح على شعبٍ يتيم.
 
شهد عهد التمكين معك حضوراً في كل المجالات، معززاً للبلاد مركزاً ريادياً مرموقاً في العالم. كنت كأبيك، لا يرضيك إلا الأول الأفضل. وكانت أولويتك الإنسان، فسارت عملية بنائه جنباً إلى جنب مع البناء الحضاري. تلك كانت عبقريتك. حظيت البلاد معك بتقدير دولي متزايد في التنمية، وتصدّرت دول المنطقة في مئة مؤشر تنموي. تطوّر في عهدك المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان) في 2006 الذي كان عهد الإصلاح والتحسين، والذي اعتمدتَ فيه الانتخاب والتعيين لندخل بذلك عهداً جديداً من الممارسة الديموقراطية.
 
بلغت معك المرأة الإماراتية ذروة التميكن، فحققت المناصفة الكاملة مع الرجل بعد تخصيصك نسبة 50% للمرأة في الدورة الانتخابية للمجلس الوطني الاتحادي 2019. وأصدرتَ قوانين مناهضة للعنف تحفظ للمرأة كرامتها، منها إلغاء قانون العذر المخفف بخصوص جرائم الشرف والتحرش. استمرت قراراتك بدعم المرأة لإدراكك أنها جزء من عجلة التنمية، وحفظ حقوقها حفظٌ لحقوق المجتمع. لم يتسع حلمك الأرض، فوصلت إلى الفضاء، واستوطنتَ الفضاء بإطلاق "خليفة سات"، أول قمر صناعي إماراتي، قمرٌ يحمل اسمك ويضيء همتنا كلما خفت. استمر الحلم حتى في مرضك، الذي لم يتصدّر خبره الصحف، كأنك في محبّتك لشعبك، تخاف على أرواحهم من مرضك. وصلنا الخبر تدريجياً، كما هو شأن جرعة التطعيم التي تُعطى خِفافاً كي لا يهلك البدن. أطاح جسدك هذا الخبيث طويلاً، لكنه لم يُطِح همّتك وحُلمك. لم يمرّ يومٌ على البلاد دون أن تكبر وترتقي. لم يمرّ علينا يومٌ واهنٌ؛ لأن عافية الوطن كانت أولويتك.
 
لطالما أردنا أن نطمئن عليك، فمهّدت لنا سبيلاً ننظر من خلاله في أركان الوطن المزهرة، لتقرّ عيننا ولا تحزن. كنا نسعد بالقوانين والمراسيم مرتين؛ مرةً لأنها - دائماً - في مصلحة الوطن، ومرةً لأنها منك.. تخبرنا بأنك بخير، وتحمل على عاتقك همّ الوطن والشعب. واليوم يا خليفة، أركان الوطن منطفئة، ويدكَ غائبة. اليوم لا طقس جاف تحييه صلاة استسقاء، ولا كسوف شمسٍ نصلي لله حتى ينجلي، ولا خسوف قمر ندعو لينكشف. اليوم نصلي صلاة استسقاء لقلوبنا المفجوعة، ونصلي لله حتى ينجلي الهمُّ، وندعوه حتى ينكشف الغم. اليوم يا خليفة ننعاك، ننعاك بقلوبٍ لم تهدأ بعد من قيامة قديمة. بقلوبٍ لم تصنع فيها جرعة مرضك أي مناعة وحصانة، بفاجعة
 
 
 صوتٍ موغلٍ في حسرته، رأى عزيزاً البارحة، يمشي ويضحك. رأينا البارحة الوطن يمشي ويضحك، فكيف يموت من رأيناه البارحة يضحك؟ اليوم يا خليفة ننعاك، ونتحسس في صدورنا، فراغاً قديماً كانت ضحكتك تملأه لنا. اليوم يا خليفة ننعاك، ونترك للغاف النادر هذه المرة أن يموت في صحراء صدورنا المختنقة، دون أن ننعشه. اليوم سنسأل - والمفجوع معذورٌ - لماذا تموت الغافة ثانية يا صحراء؟..
 
*كاتبة 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم