إعلان

درس يمنيّ صعب لبايدن

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن.أب
الرئيس الأميركي جو بايدن.أب
A+ A-

يبدو أنّ الرئيس الأميركيّ جو بايدن يتعلّم دروساً شرق أوسطيّة، لكن بالطريقة الصعبة. بمجرّد أن أوقف دعم العمليّات العسكريّة للتحالف العربيّ في اليمن، وبمجرّد أن رفع الحوثيّين عن لائحة الإرهاب شنّ هؤلاء هجوماً عسكريّاً كبيراً في مأرب. ومع اشتداد الهجوم، برزت مخاوف من أزمة إنسانية جديدة مع محاصرة حوالي مليوني شخص وفقاً لصحيفة "ذا غارديان" البريطانية. تبلغ مساحة المحافظة حوالي 20 ألف كيلومتر وهي غنيّة بالنفط وتقع على بعد 120 كيلومتراً من العاصمة صنعاء. قبل الحرب كانت مأرب تضمّ 400 ألف شخص قبل أن تستضيف أكثر من 2.2 مليون نازح من مناطق قتال أخرى.

 

أراد بايدن إنهاء الأزمة الإنسانيّة في اليمن. لكنّ النية الأميركية الحسنة غير كافية لوقف الحرب. فإعلان بايدن أنّه يريد إعطاء الديبلوماسية فرصة لحلّ الأزمة من دون فرض أيّ ضغط على الحوثيين، أعطاهم سبباً إضافيّاً لشنّ الهجوم على مأرب من أجل تحسين شروطهم قبل الجلوس المفترض إلى طاولة الحوار. أحد أخطاء بايدن المتراكمة في مقاربة الملفّ اليمنيّ أنّه فرض ضغطاً على أحد طرفي النزاع وقلّص الضغط عن الطرف الآخر. وتساءل البعض عن السبب الذي يدفع بايدن إلى توقّع أي نتيجة أخرى لسياسته، غير التصعيد الحوثيّ. استدركت الإدارة موقفها، ولو متأخّرة، فعادت وفرضت عقوبات على قياديّين عسكريّين حوثيّين. لكن يصعب أن تؤثّر هذه العقوبات على منحى النزاع بما أنّهما خارج النظام الماليّ العالميّ.

 

بسبب المقاربة الأميركيّة للملفّ اليمنيّ وصلت إدارة بايدن إلى النقطة التي كانت تخشاها وتعمل بالضبط على تفاديها: تفاقم الأزمة الإنسانيّة. ظنّت الإدارة أنّ التساهل أو تقديم خطوة التنازل الأولى لصالح الحوثيّين سيدفعان هؤلاء إلى تقديم تنازل مقابل. هذا ما لم يحصل. ووصف محلّلون سياسة الإدارة بـ"التفكير الرغبويّ". على أيّ حال، كان بالإمكان استنتاج ضعف هذه المقاربة من خلال التعامل مع إيران. قدّمت الإدارة الكثير من التنازلات للإيرانيّين كي يأتوا إلى طاولة التفاوض. فهي أعلنت قبل طهران استعدادها للحوار بحضور الأوروبّيّين من أجل رفع الإحراج الذي قد تشعر به إيران لو تقدّمت هي أوّلاً بهذا العرض. لكنّ الإيرانيّين رفضوا المقترح. ويبدو أنّ هؤلاء سيستفيدون كما يقولون من موافقة أميركيّة على الإفراج عن 3 مليارات مجمّدة من الدولارات في البنوك الأجنبيّة كما هو الأمر في العراق وكوريا الجنوبية.

 

إذا كان هذا الخبر صحيحاً فهو يعني أنّ الولايات المتّحدة قبلت بشكل ضمنيّ برفع بعض العقوبات الماليّة النفطيّة عن إيران، وهو ما يخالف تصريحات بايدن إلى شبكة "سي بي أس" في شباط الماضي. حينها قال إنّه لن يرفع العقوبات قبل عودة إيران إلى الامتثال بموجباتها النوويّة. لكن على الرغم من الـ"لا" التي ردّ بها بايدن على سؤال بشأن رفع العقوبات، كانت المؤشّرات الأخرى توحي بأنّ تلك الـ"لا" كانت ضعيفة، بعكس ما أراد بايدن إظهاره. وهذا ما أثبتته الأحداث اللاحقة.

 

من الطبيعيّ ألّا تؤدّي هذه التنازلات إلى إقبال إيران أو الحوثيّين على طاولة التفاوض، على الأقلّ ليس بالسرعة المأمولة، بما أنّهم يتوقّعون من الأميركيّين مواصلة تقديم التنازلات في المستقبل القريب. لم تؤدِّ سياسات بايدن إلى مفاقمة الأزمة الإنسانيّة في اليمن وحسب. فواشنطن تخلّت عن نفوذها كي تتمكّن من إجبار الحوثيّين على التوجّه إلى طاولة التفاوض. كما أنتجت هذه السياسات تصعيداً إقليميّاً مع مواصلة استهداف الحوثيين للسعودية بمسيّرات متفجّرة وبصواريخ بالستيّة.

 

لا توفّر الهجمات الحوثيّة الأهداف المدنيّة مثل مطار سبها ومنشأة رأس تنورة النفطية الأسبوع الماضي. يعدّ استهداف رأس تنورة واحداً ممّا يزيد عن 20 هجوماً حوثياً خلال بضعة أيّام. حتى استهداف أبها وقع في اليوم نفسه الذي كان الموفد الأميركيّ الخاص إلى اليمن تيموثي ليندركينغ يزور السعوديّة. منذ أكثر من شهر، كان واضحاً أنّ الحوثيّين ومن ورائهم إيران لن يسهّلوا على الأميركيّين مهمّة التوصّل إلى حلّ سلميّ.

 

كلّما طال أمد النزاع ازداد الدعم العسكريّ والتقنيّ الذي تقدّمه إيران للحوثيّين. يحتّم ذلك تملّك الميليشيات تكنولوجيا تطوير الصواريخ والمسيّرات المتفجّرة وأنظمة الإلكترونيّات في منشآت التصنيع التي أسّسها هؤلاء في المناطق التي يسيطرون عليها، وفقاً لخبراء. وهناك جوانب أخرى للأزمة اليمنيّة يمكن أن تستغلّها إيران لتعزيز نفوذها الديبلوماسيّ في المنطقة.

 

يوضح ذلك المحلّل السياسيّ صامويل راماني في "معهد الشرق الأوسط" حيث أشار إلى أنّ طموحات إيران الديبلوماسيّة برزت عبر تعيين حسن إيرلو سفيراً لها في صنعاء أواخر السنة الماضية. تريد إيران عبر هذا التعيين إضفاء الشرعية على الحكم الحوثيّ في شمال اليمن وهو ما قد يعطيها نفوذاً طويل الأمد على الحدود مع السعوديّة. والأهمّ بحسب راماني هو أنّ الدور الديبلوماسيّ لطهران سيسمح لها بضمان اعتراف القوى الكبرى والأمم المتحدة بأنّها "لاعب بنّاء" وهذا ما يوفّر لها بالمقابل مقعداً في المفاوضات المستقبليّة. وتعزّز لقاءات روسيا المتكرّرة مناقشة الملفّ مع السفير الإيرانيّ في موسكو كاظم جلالي واستقبال طهران للموفد الأمميّ الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث، وجود هذه الرؤية لدى الإيرانيّين.

 

هل يستقي الأميركيّون الدروس المناسبة من التطوّرات في اليمن لإعادة تعديل مقاربتهم؟ هذا سؤال محوريّ يحدّد عنوان المرحلة المقبلة في المنطقة لا في اليمن وحده. فإشارات الضعف أو الليونة الصادرة عن الإدارة تجاه الحوثيّين يلتقطها الإيرانيّون. وهكذا يفعل الحوثيّون مع الإشارات نفسها الصادرة عن واشنطن تجاه الإيرانيّين. إن لم تجرِ الإدارة تعديلاً على مقاربتها فقد تنتهي مجدّداً عند نتائج معاكسة لنواياها.

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم