إعلان

المحادثات السعودية - الإيرانية في مرحلة استكشافية... والمنطقة تترقّب

المصدر: النهار العربي
فاطمة الغول
من "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة" في 28 آب (أغسطس) الماضي.
من "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة" في 28 آب (أغسطس) الماضي.
A+ A-
يعتبر الكاتب في صحيفة "الواشنطن بوست" ديفيد إغناثيوس "الخروج الأميركي من أفغانستان بعد حرب دامت 20 عاماً نقطة تحول مهمة لمنطقة الشرق الأوسط التي تشهد تحولات من شأنها خفض الضغط"، شارحاً أن "عمليات إعادة التنظيم الإقليمي تساعد على خفض التوتر في الشرق الأوسط من خلال تعزيز الروابط الاقتصادية".
 
ويرى إغناثيوس أن "من أبرز المبادرات الديبلوماسية (في الشرق الأوسط) المحادثات الإيرانية مع السعودية والإمارات، وتقارب الإمارات مع تركيا وقطر"، لافتاً إلى أنّ جدول أعمال هذه المحادثات هو التجارة والازدهار الاقتصادي.
 
عملياً، أعقبت انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات السعودية - الإيرانية في بغداد في 21 من أيلول (سبتمبر) الماضي، تصريحات ركّزت على وصولها إلى مراحل متقدمة وإيجابية، سواء عبر ما جاء في كلمة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز أمام الجمعية العامة المتحدة، والتي عبّر فيها عن أمله في بناء ثقة مع طهران، أو في تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية الذي أشار إلى أن المباحثات التي بدأها الخصمان الإقليميان قبل أشهر، حققت "تقدّماً جاداً" بشأن أمن الخليج.
 
وعزز من الجو الإيجابي السائد ترحيب مسؤول في إدارة بايدن بأنباء الحوار المباشر بين السعودية وإيران في وقت تتصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك إبداء الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش استعداده لتقديم الدعم والعون بأي شكل في حال طُلب منه.
 
إذن، بدت الأطراف جميعها  متحمسة للوصول إلى نتائج في هذه المفاوضات، كونها تمهّد الطريق نحو ترسيخ الهدوء في المنطقة وإخراجها من النفق المظلم، في وقت يمكنها إطفاء حرب اليمن المندلعة منذ سنوات، وإنقاذ لبنان من الانهيار التام والتدهور المستمر للأوضاع المعيشية، وكذلك سيطاول العراق وسوريا أيضاً نصيب من حلحلة الأوضاع، وانتعاش الأوضاع الاقتصادية.

مرحلة استكشافية
انتهجت السعودية منذ وصول جو بايدن الى البيت الأبيض مساراً جديداً مع طهران يختلف عن المسار العسكري والحرب بالوكالة سابقاً، بخاصة بعد تغيّر اللهجة الأميركية في المنطقة والتبدّلات الإقليمية المرافقة. ففي آذار (مارس) من هذا العام اقترحت المملكة وقف النار في اليمن وسط الصراع العسكري المستمر مع الحوثيين، حلفاء إيران على حدودها، كون الحرب المستمرة تهدد رؤية الرياض لعام 2030 والتي تعمل عليها للحد من الاعتماد على النفط، وتنويع مصادر اقتصادها. تزامنت هذه الدعوة مع الجلوس الى طاولة المفاوضات مع الجانب الإيراني، وقد يفسّر ذلك بالرغبة السعودية في إيقاف الحرب اليمنية من خلال وقف إيران لدعم الحوثيين وإقناعهم بالدخول في مسار مفاوضات سياسية مع المملكة.
لكن هذا الضغط الإيراني على الحوثيين ستطلب مقابله طهران أموراً قد يكون أبرزها اعادة المملكة العلاقات مع  سوريا، كذلك تقديم الدعم للبنان ومساعدته للخروج من أزمته. وعلى رغم ذلك لا تزال هذه المفاوضات في مرحلة استكشافية كما جاء على لسان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان الذي اعتبر أن "الجولة الرابعة في مرحلة استكشافية".
 
من جهة ثانية هناك أسباب لدى إيران للانخراط في هذا المسار أبرزها تخفيف التوتر مع الخليج والخروج من العزلة الإقليمية والعقوبات الاقتصادية الخانقة عليها، بخاصة أن الهدوء مع الخليج، إن تم، سيمهّد الطريق لتحسين صورة إيران في الشرق الأوسط .
 
ويرى المحلل السياسي السعودي الدكتور شاهر النهاري في حديث إلى "النهار العربي" أن "المفاوضات السعودية - الإيرانية تتم بطريقة سرية، ونعلم أن الولايات المتحدة قد أبعدت نفسها كثيراً عما كان يحدث في سوريا واليمن وفي أفغانستان اخيراً لتترك مجالاً لتلك الدول للتفاوض في ما بينها، وبالتالي ترتيب العلاقات الدولية والسياسية وحتى الاقتصادية. هذا الفراغ تحدثه أميركا ولا تسمح للدول الأخرى مثل روسيا أو الصين بتعبئته بين الدول التي تكثر ما بينها النزاعات والخلافات". 
 
ولا يعتقد النهاري أن "ما يحدث سيؤدي إلى نتاج مفيد للطرفين فهو إما أن يكون لمصلحة إيران بشكل قوي جداً وواضح، وإما أن يكون في طرف المملكة ودول الخليج، وهذا لا يمكن الوصول إليه من خلال مناقشات مع إيران المستقوية بذاتها وقواتها وصواريخها، وأيضاً كون المكان الذي تجري فيه المفاوضات (العراق) منطقة واقعة تحت الهيمنة الإيرانية، والعراق غير قادر على مسك عصا الحوار في المنتصف والتدخل في ما بين الدولتين، لذلك فالأمر معقد جداً، وقد لا يصل الى نتيجة مرضية للطرفين".
 
ويشرح النهاري أن "الحل في مثل هذه المفاوضات أن تتم بحضور دولي خارجي عن المنطقة، يجب أن يحضر الاتحاد الاوروبي بكامل قوته، او حتى هيئة الأمم المتحدة لجعل الطلبات منطقية، وتنفيذ ما يمكن تنفيذه على أرض الواقع من دون تعديات وتجاوزات على الطرف الآخر". 
 
في المقابل يوضح المحلل السياسي العراقي الدكتور علي أغوان في تصريح إلى "النهار العربي" أن "المفاوضات تصل إلى مراحل جيدة، لكنها تحتاج الى عمل وتنمية أكثر نظراً الى احتمالية تراجعها في لحظة ما، لأنه من الواضح أن الاستقطابات بين الجانبين طائفية مذهبية. ومثلما يتضح أن هذه الاستقطابات تتقدم في لحظات معينة وتطغى على كل الأمور حتى المصالح، وهذا في العلاقات الدولية يعتبر واحداً من المبادئ غير الجيدة باعتبار أن مبدأ المصلحة هو المبدأ الرئيسي الذي يجب أن يحكم العلاقات الدولية".

مصير المفاوضات بعد الانتخابات العراقية
في ظل الفترة الانتخابية التي يعيشها العراق هناك تساؤلات حول مستقبل المفاوضات السعودية - الإيرانية على الأراضي العراقية. فمن الممكن أن تتوقف جولات المحادثات لأسابيع أو ربما لأشهر بسبب انشغال العراق بتشكيل حكومته، لكن من المستبعد أن تتوقف بشكل نهائي، بخاصة أن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي كلّف لجنة مصغرة داخل مكتبه متابعة الحوار بين طهران والرياض، الى جانب مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي ووزير الخارجية فؤاد حسين وبدعم من معظم التيارات السياسية وتأييدها، كون الفائدة من هذه المحادثات ستنعكس إيجاباً على العراق والمنطقة بأكملها، كذلك لما فيها من مصلحة لأي حكومة جديدة من خلال تعزيز العلاقات الخارجية وتطويرها وإشراك اسم العراق بوسطات اقليمية.
 
ويوضح أغوان أن "العراق يسعى بشكل مباشر لتقريب وجهات النظر بين الجانبين السعودي والإيراني. الجلسات في الفترات السابقة كانت متواصلة وهناك تمهيد لإعادة الجسور الديبلوماسية، وبغداد لعبت دوراً واضحاً ومهماً في هذا التواصل والتنسيق كذلك في قضايا أخرى على مستوى الخليج".
ويشير أغوان إلى أن "السعودية تحاول أن ترسل رسائل إيجابية الى الجانب الإيراني باعتبار أن حدوث انفراج في المنطقة على مستوى تراجع دور الولايات المتحدة، أدى إلى تحرر السياسة السعودية وإمكان الحركة خارج نطاق الرغبات الأميركية، وكذلك نتيجة حاجة المنطقة إلى تقارب وجهات نظرها حتى تبحث عن الاستقرار، ويكون هناك إمكان لتشكيل بيئة استراتيجية إقليمية تسعى للمصالحة الشاملة".

المفاوضات النووية
تزامنت المفاوضات الإيرانية - السعودية في العراق مع المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة دول (5+1) في فيينا لإعادة إحياء الاتفاق النووي. ولم يغفل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال تصريحاته حول "صرامة المفاوضات بشأن الاتفاق النووي الإيراني" الإشارة إلى ضرورة "ضم شركائنا في المنطقة إلى الاتفاق النووي، ومن ضمنهم السعودية". ورغم الرفض الإيراني القاطع للتصريح الفرنسي آنذاك، يرى البعض الآن وفي ظل أجواء قد تمهد لخفض التوتر، إمكاناً لإشراك طرف خليجي في المفاوضات ولو بشكل غير مباشر. فإيران حريصة على تحسين علاقاتها مع الخليج بدرجة لا تقل عن رغبتها في إحياء الاتفاق النووي، إذ إن الرغبة الإيرانية تجاه الخليج ليست وليدة اللحظة وغير مرتبطة برئيس أميركي من دون غيره، وهو ما تكرر في عهد جميع الرؤساء المتعاقبين في العقدين الأخيرين بدءاً من هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي مروراً بأحمدي نجاد وحسن روحاني ووصولاً للرئيس الحالي ابراهيم رئيسي.
 
أخيراً، حتى وإن لم تؤدِ هذه المفاوضات إلى نتائج إيجابية في الوقت الحالي، إلا أنها تساهم حكماً في ضبط التصعيد في المنطقة، لذا فإن الدول الإقليمية ترى في التقاء مسؤولين من الرياض وطهران حول طاولة واحدة، وتحت عنوان خفض التوتر حتى وإن كان على المدى الطويل، ضمانة للعودة بالمنطقة إلى الهدوء النسبي المعهود بعد عقود من الحروب المشتعلة. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم